عبدو
31-08-2004, 03:21 AM
الخطأ القاتل فى الإستراتيجية الأمريكية فى مواجهة القاعدة وطالبان مثل كل إمبراطورية تبدأ في الانحدار ، أصبحت استراتيجية الولايات المتحدة تقوم على استخدام القوة العسكرية وتبالغ في دورها وتعظمه وربما لا ترى غيره في غزوها وإخضاعها للدول والحضارات الأخرى أو في تحقيق مصالحها الكونية بغض النظر عن شرعية مثل هذه المصالح أو عدم شرعيتها.حدث ذلك في كل مراحل انهيار الإمبراطوريات عبر التاريخ وكان أخرها انهيار الإمبراطورية الروسية التي تصورت في أخر مراحلها إن القوة العسكرية وحدها قادرة على تحقيق استراتيجيتها فغزت أفغانستان ودخلت في مواجهة ضارية مع الحضارة الإسلامية ،لا مع الأفغان كبشر فقط ، فكانت نهايتها .لقد تصور السوفييت إن تفوقهم العسكري الساحق على الأفغان كافيا لتحقيق الانتصار فكان أن انتصرت القيم الحضارية بتسليح عسكري ضعيف ،على القوة العسكرية العصرية غير المستندة إلى قيم . والآن أصيبت الولايات المتحدة بهذا الداء القاتل فلم تعد تحمل من قيمة حضارية في غزوها للثقافات الأخرى ولم تعد ترى إلا الطائرة والصاروخ والمدفع وسيلة لتحقيق مصالحها وهو أمر معاكس لما سارت عليه في بداية تشكلها كقوة دولية حيث ارتكزت في دعايتها الموجهة لشعوب العالم ،على إنها ناشرة الحرية والداعمة لها والمدافعة عنها وراعية حقوق الإنسان وزعيمة الحضارة الغربية والمدافعة عن الحرية الفردية والنشاط الرأسمالي الحر وحتى في الأوقات التي كانت ترتكب فيها الولايات المتحدة أبشع الجرائم ضد الإنسانية -في فيتنام مثلا-كانت ترفع مثل هذه الشعارات التي خاضت الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي تحت ظلالها. وما قامت به الولايات المتحدة في أفغانستان ورغم اختلافه من حيث الاستراتيجية العسكرية ومن حيث نوعية الأسلحة والتكتيكات العسكرية الخ هو من حيث الجوهر وقوع في نفس الخطأ المفاهيمي والقيمي الذي وقعت فيه الإمبراطورية السوفيتية في أيامها الأخيرة.إلا أن الخطأ الأمريكي أقدح واخطر .و حين ارتكب الاتحاد السوفيتي خطأه ضد أفغانستان وهى في مرحلة كانت الحالة الجهادية الأفغانية فيها "حالة محلية " في صراعها العسكري ، حيث لم يكن للمجاهدين الأفغان قدرة على التحرك خارج الحدود الأفغانية وكانت عالمية التحرك إلى جوارها تحدث بالانجذاب والقتال على الأرض الأفغانية فان الأمريكان ارتكبوا خطأهم والحالة الأفغانية باتت حركة عالمية يمكنها أن تضرب في مساحة واسعة من العالم ومن ثم فإذا كان الغزو السوفيتي لأفغانستان ولد تعاطفا عالميا وسع المعركة على الأرض الأفغانية ذاتها فان الخطأ الأمريكي نتج عنه فتح معركة ضد الولايات المتحدة في كل مكان في العالم. واللافت للنظر أن الولايات المتحدة لم تدرك هذه النقطة تحديدا رغم إن الضربة التي تلقتها من القاعدة في جوهرها الاستراتيجي لم تكن تشير فقط إلى إن القاعدة تتحرك ضد الولايات المتحدة في عقر الدار الأمريكية ذاتها ومن ثم فان الأمن الداخلي الأمريكي بات مهددا ولأول مرة من الداخل ، ولكنها كانت تشير أيضا إلى أن الخطر عليها بات متوسعا في خارج أفغانستان حيث باتت القاعدة ظاهرة عالمية وليست ظاهرة محلية أفغانية وهو ما سبق أن أظهرته تحركات وضربات القاعدة سواء في ضربتها في الظهران أو في تفجيرات السفارات الأمريكية في أفريقيا.والمدهش أن الولايات المتحدة كرست خطأها -والحمد لله على كل حال -في البدء بشن الحرب على طالبان والقاعدة داخل الأرض الأفغانية لا خارجها فكانت كمن ادخل يده إلى داخل عش النحل حاميا يده ومتصورا أن ذلك يكفى لإنقاذ نفسه من خطر اللدغ فكانت النتيجة انه أنقذ يده وترك النحل يلدغه في وجهة وكافة أنحاء جسده فمات بينما يده ما تزال بدون لدغ! وهذا بالدقة ما يجرى الآن في الكويت واندونيسيا وما يتوقع أن يجرى في كل مكان حسب تحذيرات أجهزة الأمن الأمريكية نفسها. خطة طالبان والقاعدة البادي أن طالبان والقاعدة أدركتا منذ البداية وبشكل دقيق نقاط القوة لديها ونقاط الضعف لدى الخصم الأمريكي على العكس من الولايات المتحدة صاحبة اكبر المراكز البحثية والاستراتيجية في العالم! فبينما ركزت الولايات المتحدة كل آلتها الإعلامية على قدرتها على البطش والقتل ومدى قوتها العسكرية وما تمتلكه من قنابل تمتص الأوكسجين وتخترق الجبال وما تحتها الخ ، ركزت القاعدة دعايتها على الأبعاد الحضارية والعقائدية للصراع فكان ان تحولت الضربات الأمريكية إلى انتقام وقتل وإجرام بينما أصبحت ضربات القاعدة ذات مضمون سياسي وحضاري وعقائدي.وفى الفهم الاستراتيجي للمعركة كانت طالبان والقاعدة أكثر فهما في الاستراتيجية العسكرية أيضا ، وبينما كان الطيران الأمريكي يقصف والصواريخ تضرب كانت قوات القاعدة وطالبان تعيد انتشارها وتؤمن أماكن الاختباء للقادة وتعيد توزيع مخازن السلاح الخ وبانسحابها من المدن صارت حرة طليقة تلدغ الأمريكيين متى شاءت وفى كل مكان فكانت طالبان والقاعدة كمن امسك بقرني الثور الأمريكي وصارت تشير إليه براية حمراء فيندفع للقصف ويكتشف أنه في النهاية يقصف الفراغ أو المدنيين بما يزيد الأرض الأفغانية اشتعالا ضد الوجود الأمريكي . ويبقى الأهم أن طالبان أدركت أن مصدر قوتها هو في الإمساك بنقطة الضعف الأمريكية حيث تنتشر المصالح والوجود الأمريكي في كل أنحاء العالم بما يوفر إمكانية غير مسبوقة للضرب والتأثير وبما يوفر حرية لوجستيكية غير مسبوقة لها خاصة بعدما ارتكبت الولايات المتحدة الخطأ الأفدح في تاريخها حينما وفرت أفضل الفرص لصدقية شعارات القاعدة في أن الحرب حرب عقائدية وموجهة ضد الأمة الإسلامية بل ضد الإسلام نفسه بما ارتكبته الولايات المتحدة من خطا إظهار نواياها ضد العرب والمسلمين وبمطالبتها وضغطها لتعديل مناهج التعليم والهجوم على الإسلام الخ حيث أصبحت القاعدة راية يلتف حولها كل الإسلاميين الأقرب إلى مفاهيم القاعدة . استراتيجيتا أصبحنا إذن أمام استراتيجيتان الأولى أمريكية تتبنى موقف سلبي من الحضارة والعقيدة الإسلامية دون طرح بديل حضاري ..استراتيجية تعتمد القوة العسكرية الغاشمة وحدها كوسيلة لغزو الشعوب والحضارات .والثانية لطالبان والقاعدة تظهر خيارا حضاريا وتخوض معركتها في ظل راية حضارية وعقائدية إسلامية -بغض النظر عن الرأي فيها من هذا الطرف أو ذاك-وتقوم العمال العسكرية فيها بدور متناغم مع مفاهيم حضارية حتى باتت راية للمستضعفين. ويبدو حتى الآن إن استراتيجية القاعدة وطالبان هي الأوفر حظا في النجاح وإحراز النصر حيث تمدد الفهم الأمريكي لفكرة استخدام القوة وتعظيم دورها ليشمل أنحاء عديدة في العالم العربي والإسلامي بشكل مباشر ،في العراق وعن طريق الحليف الصهيوني في فلسطين ،وعن طرق التمرد في جنوب السودان وبما جعلها تدخل في صراعات مباشرة ضد حلفاء معتمدين في المنطقة الأمر الذي يعنى توسيع رقعة العداء للولايات المتحدة وجلها هدفا من قبل الجميع حتى إن ابسط التوقعات الاستراتيجية باتت تشير إلى أن الولايات المتحدة ستصل إلى مرحلة لا تعرف فيها من تأتى الطعنات ومن أين تأتى.والخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة خطأ لا مخرج منه ولا علاج له! ففي مراحل انحدار الإمبراطوريات تكون قياداتها قد بلغت مرحلة من الحماقة والتوغل في اعتماد القوة العسكرية أسلوبا وحيدا لتحقيق مصالحها أو لحسم صراعاتها مع الآخرين ، وتكون في حالة لا ترى فيها أهمية لأي فكر أو قيمة حضارية أو عقائدية أو بالأحرى تكون قد فقدت هي والإمبراطورية التي يقودونها كل قيمة حضارية وعقائدية .