المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من كتاباتي :- بحث عن السرقات الأدبية << بحث مطول بهوامشه


بنت طيبه
29-06-2010, 04:29 AM
بحث عن السرقات الادبية


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالميين والصلاة والسلام على الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجه إلى يوم الدين والحمدلله الذي علم الإنسان ما لا يعلم وجعل العربية لغة البيان والإعجاز . وبعد
موضوع السرقات الأدبية من أهم الموضوعات التي أولها نقاد الأدب اهتماما كثيراً وقد عالجها النقد العربي قديمه وحديثه إذ كان من أهم الأهداف في تلك الدراسات هي الوقوف على أصالة العمل الأدبي وصحة نسبتها إلى أصحابها ومقدار ماجاء فيها من أفكار إبداعية جديدة موضحين المبتدع من المتبع وإظهار جوانب الإتفاق والإختلاف ومن خلال الوقوف على المعاني والأفكار والألفاظ والاسلوب بين شاعر وآخر .والواقع أن الوقوف على نواحي الإبداع والإتباع يحتاج الى فطنة وذكاء,وسعة معرفة بالأدب وفنونه ,وإطلاع واسع على التراث الأدبي على مر عصوره الأدبية وحفظ طاقة كبيرة للمشهورين والمغمورين من الأدباء, حتى يتسنى للمرء الحكم على العمل الأدبي بأصالته أو عدمه , وقد تبدل مصطلح (السرقة الأدبية ) الى مصطلح (التناص ) في العصر الحديث , وتغيرت الأحكام التي تجعل من النص مبتدعا أو محتذيا ,
وتتناول السرقات كقصة ومشكلة أدبية نقدية يعتمد بدرجة كبيرة على التطبيق العملي فهي ليست علم منطقي يستند إلى نظريات قائمة على قواعد وأحكام وهذا يعطي البحث في قضية السرقات أهمية كبيرة ,
إذ أن الدراسة التطبيقية هي دراسة مجدية إذ أنها دراسة موضوعية تتجلى فيها الأفكار من خلال الوقوف بين الأعمال الأدبية واستخلاص ما حوت عليه من فنون الجمال وماتكون فيها من ابتكار واحتذاء وفي مثل هذا المنهج يختفي الى حد كبير الأثر الذاتي في الأحكام الأدبية ذلك الأثر الذي ينقص من قيمة تلك الأحكام , فمن الضروري أن يكون الحكم مبني على أساس موضوعي يقنع الدارس أو القارئ بصدق ما ذهب إليه الناقد وقد أوردت في هذا البحث الصغير بعض من الدراسات القديمة والحديثة وإن كان أغلب ما قدمت يعود لدراسات قديمة أفتتحتها بتاريخ السرقات الأدبية في العصور الأدبية المتعددة يحتوي كل عصر على شواهد حكم عليها النقاد في ذلك العصر بأنها سرقات أدبية والغرض من إيراد هذه الشواهد المتعددة في كل مبحث من الفصل الأول هو الوقوف على ماهية السرقات الأدبية وعلى كيفية تلك الأحكام ومتى وكيف تطلق ؟,وإعطاء صورة واضحة عن تاريخها حتى يتسنى للقارئ فهم الداسات التي دارت حول السرقات وهذا ماناقشته في الفصل الثاني مقسمة تلك الدراسات الى بلاغية وأدبيه وطبقات وتراجم ,كذلك اتبعتها بمبحث يبين مواقف النقاد تجاه السرقات الأدبية ,وفي الفصل الثالث تطرقت إلى انواع السرقات الأدبية عند أربعة من العلماء هم : ابن الرشيق , الحاتمي ,ابن الأثير , والقزويني ,مستندة في ذلك على تقسيم أحد أدباء العصر د عبد الحليم ريوقي من خلال بحوثة في مجلة دراسات أدبية الصادرة عن مركز البصيرة في الجزائر , هذا بجانب الرجوع إلى المراجع القديمة والحديثة إلا أن المرجع الأساسي لي كان كتاب مشكلة السرقات الأدبية في النقد العربي للدكتور مصطفى هدارة .
ومايجب أن يدركه القاريء أن من الصعب الحكم على عمل أدبي بالسرقة قديما أو حديثا وأن هناك الكثير من المغالاه في درسات القدماء وفي اتهاماتهم لعمالقة الشعر كالمتنبي وابي تمام وابي نواس والبحتري وغيرهم .
وتجد ردود العلماء على تلك الاتهامات كالامدي و القاضي الجرجاني وعبد القاهر الجرجاني
وقد اتضحت الصورة الجليه على يد شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني عندما جعل الصياغة هي الأساس في العمل الأدبي ولامزية للفظ أو معنى حتى يجد مكانه المناسب في النظم وأرى ماتوصل اليه الجرجاني في القرن الخامس هو ما نجده في نظرية التناص في عصرنا الحاضر ,

وأرجو أن اكون وفقت في عرض ما أريد عرضه وأن تغفروا ماكان فيها من خطأ وعدم إفصاح

والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ..

الطالبة :.................:smile:


*****************

بنت طيبه
29-06-2010, 04:35 AM
الفصل الأول




((تاريخ السرقات الأدبية))


























المبحث الأول

معنى السرقة وتطوره.

السرقة مهما كان موضوعها أمر مستكره ممقوت ولفظ بغيض تكره الأسماع وتزدريه النفوس , ومن أجله تضع الأمم القوانين ليرتدع أولئك الذين يأخذون حقوق الآخرين ويعتدون على ممتلكاتهم وقد عرفتها الإنسانية منذ أن وجدت الإنسانية نفسها بفضائلها ورذائلها ,وقد أدرك الفلاسفة والمصلحون ماللسرقة من أثر ومالها من أضرار فهي يلاشك من عوامل هدم المجتمع الإنساني لأنها سلب الفرد حقه المكتسب .
على أن السرقة أن السرقة كانت في المجتمع البدائي سرق مادية تتناول مايمتلك الإنسان من أشياء محسوسة ,يضع غير يده عليها , ولكن لما ارتقى الفكر الإنساني بارتقاء مظاهر الحضارة المختلفة ,أصبح للسرقة مدلولات أخرى فأبحت تتناول المعنويات كما تتناول الماديات . وأصبحت الأفكار الإنسانية موضعا للسطو تماما كالملل والعقار . وحينئذ أدرك المفكرون خطر هذا النوع من السرقات على تراثهم الفكري , فجدوا في تتبعه , ومحاولة القضاء عليه .وهم في محاولتهم تلك يصيبون ويخطئون , فربما يظنون السارق مسروقا , والمسروق سارقا , وربما جدوا في البحث عن سرقة حيث لاسرقة علىالإطلاق ! ولفظ السرقة في ميدان الأدب , ويجمع معاني كثيرة , بعضها يتصل بالسرقة والبعض الآخر لايمت إليها بصلة ما . على أنها مع ذلك لفظة عامة تشمل أنواع التقليد والتضمين والاقتباس والتحوير, (1).
تعرّف السرقة في اللغة بأنها اسم من: (سرق منه الشيء يسرق سَرَقاً، واسترقه: جاء مستتراً إلى حرز، فأخذ مالا لغيره)(2)
وسرقه: (أخذ ماله خفية)(3).
وقد اُستعير المعنى الاصطلاحي من المعنى اللغوي للكلمة؛ ليدلّ على الفعل ذاته، وهو (السرقة)، وإن كان من اختلاف فهو في ماهية ونوع المسروق فقط.
فالسرق في الاصطلاح: (الأخذ من كلام الغير، وهو أخذ بعض المعنى أو بعض اللفظ سواءً أكان أخذ اللفظ بأسره والمعنى بأسره)(3). وهو أن يعمد الشاعر إلى أبيات شاعر أخر فيسرق معانيها وألفاظها وقد يسطو عليها لفظا ومعنى ثم يدعي ذلك لنفسه (4) .
والواقع أن الشعراء على اختلافهم أزمانهم وأماكنهم كانوا منذ القديم يستعينون بخواطر بعضهم , وكان المتأخر منهم يأخذ عادة من المتقدم أما عن طريق الرواية أو بحكم التأثر والإعجاب والمطالعة ,(5)
فالعمل على انتزاع الفكرة من منشئها ومبدعها جناية لاتقل عن جناية سلب الأموال والمتاع من صاحبها ومالكها .
والمفكرون رأس مالهم في الحياة هو أفكارهم التي اهتدوا إليها بعقولهم النيرة وبصيرتهم النافذة وقريحتهم الوقادة وتجاربهم الكثيرة وبسببها أصابهم الكد والإرهاق وسهروا الليالي وواصلوا بها النهار لينفعوا بها الإنسانية . وكل حظهم من هذا العناء أن يكون لهم مجد يذكرون به حياتهم ويخلدهم بعد مماتهم ويكتب لهم ذكرا في العالمين يعوض عليهم مافقدوه في دنيا المال والمناصب والجاه .(6)
وهم حريصون على ثمره كفاحهم الذي عرفهم الناس به واعترفوا لهم بالعظمة والإبداع بسببه , حتى عدو السطو على تلك الثمرات وادعاءها جريمة لاتغتفر .(7).

1- مشكلة السرقات في النقد الأدبي - مصطفى هدارة- ص3 – دار الانجلو المصرية – 1958 م - ط
2- القاموس المحيط للفيروز آبادي مؤسسة الرسالة- بيروت- ط5 - 1416هـ:ص 1153 .
3- المعجم الوسيط:ص 427
4- معجم البلاغة العربية، د. بدوي طبانة دار العلوم الرياض ط 2- 1402هـ-ص 1340، وانظر: المعجم المفصّل في اللغة والأدب، د. إميل يعقوب ود. ميشال عاصي/ دار العلم للملايين بيروت 1987م: 2714، والسرقات الشعرية بين الآمدي والجرجاني د. عبداللطيف الحريري ط1 1416ه- ص 1516
5- الحركة النقدية على ايام ابن الرشيق المسييلي – الشركة الوطنية للنشر والتوزيع – الجزائر-ط - 1981 - دكتور بشير خلدون – ص 217
6- المرجع السابق ص 217
7- كتاب السرقات الادبية - بدوي طبانه – مكتبة نهضة مصر بالفجاله – 1376- ط - ص 26 و 27


ولم يخل لزمان من نقاد جهابذة استطاعوا بجهودهم واطلاعهم الكثير وقدرتهم على تمييز الأدب ورده إلى أصحابه بما يعرفون من طبيعة أدبهم ومسلكهم في التعبير أو التفكير , وأن ينبهوا جمهورين القارئين والدارسين إلى الحق الذي كانوا يجهلون و وان يضعوا أيديهم على مواضع الأخذ والاقتفاء وبهذا العمل استطاعوا أن يصنفوا الأعمال الأدبية من العبث , وأن يقدموا لنا تراثا سليما من عوامل الإدعاء والانتحال ماوسعتهم المقدرة على ذلك وان يرجعوا كل نص إلى أصحابه إذ كان في طبيعتهم الحفاظ على هذا الأدب والاعتزاز به , واعتباره تراثا واجب الصون والعناية إذ كان هذا الأدب من أعظم أسباب اتصالهم بأمتهم العريقة وبها كانت تذلل لهم كثير من الصعاب في فهم دينهم ومعرفة عقيدتهم حتى بلغ من حرصهم على ذلك التراث أن يقرنوا كل نص برواية وكل خبر أدبي بسلسلة طويلة من أهل الرواية كما كانوا يفعلون برواية الأحاديث النبوية وينبهون على بعض رجال السند من الضعف أو مايدعو إلى اتهامهم بالوضع أو الانتحال . أو صدق الخبر أو تحريره .
وكان من أثر تلك العناية أن أكبروا نسبة الأديب إلى غير قارئة , وإفادة أديب من أديب ,, ووصفوا هذا العمل بأوصاف كثيرة تحط من شانه بين الأدباء وتنزل من كيانه لديهم .
فهم يسمون هذا العمل سرقة ,, وسرقا ,وانتهابا ,وإغارة , وغصبا ومسخا , إلى كثير من تلك الأوصاف التي تشين صاحبها .
والرفقاء منهم يتلطفون في تلك الألقاب تحرزا من الخطأ وإحسانا للظن فيسمونه اقتباسا وأخذا وتضمينا واستشهادا وعقدا وحلا وتلميحا وغير ذلك الرقيقة المهذبة والاختلاف بين النقاد في هذا الأمر هو الذي أدى إلى الاختلاف في وصفهم بتلك الألفاظ المتفاوتة (1).


المبحث الثاني:

السرقة عند الأمم القديمة :

والسرقة الأدبية بهذا المعنى قديمة في تاريخ الفكر الإنساني وجدت عند اليونان والرومان منذ عهد بعيد وقد أشار ارسطو إلى نوع حين يذكر أن هناك صورا تعبيرية قديمه يستخدمها الشعراء نقلا عن نظرائهم الأقدمين . وهوراس يعترف لنا بأنه قلد اركيلوكس و اليكوس وغيرهما .
ويقرر في موضع اخر أن بعض قصائده ليست إلا مجرد نسخ يونانية .
بل إن السرقة الادبيه كانت أكثر شيوعا في العصور القديمة لأنها في العصر الحديث لعدم وجود قوانين تحفظ حقوق التأليف والنشر إذ ذاك فلايكاد يوجد أديب مهما ذاعت شهرته في العصور القديمة لم يسلم من اتهاما .
بالسرقة فالأسماء البارزة القديمة مثل ((هيرودتس )) وارستوفان وسوفكليس ومنتدر وتيرنس كلها قد اتهمت بالسرقة .(2)
فأسطورة أوديب [على سبيل المثال هي] أسطورة قديمة ألّفها "هوميروس" في نصف القرن التّاسع قبل الميلاد في النّشيد الحادي عشر من ملحمة الأديسيا، وفي القرن الخامس قبل الميلاد جاء ثلاثة شعراء يونانيين كبار هم: "أسخيلوس"،"سوفوكليس" و"يوربيديس"، (3)وأعادوا كتابتها لإعجابهم بها، وأعادها كتاب كثيرون مثل الشّاعر الإنجليزي "دريدن" في القرن السّابع عشر بعد الميلاد، والشّاعر الإيطالي "الفييري" في القرن الثّامن عشر بعد الميلاد، أمّا الفرنسيون فقد فتن شعراؤهم، وكتابهم بقصّة أوديب منذ أواخر القرن السّادس عشر إلى أن وضع كورناي قصّة تمثيلية لأوديب فتن بها معاصريه" .:(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - السرقات الأدبية - بدوي طبانه - ص28
2- مرجع سابق - مشكلة السرقات - مصطفى هدارة- ص5
3- المرجع السابق ص 6 -
4- مقال للدكتور ريوقي عبد الحليم – مجلة دراسات أدبية -





واذا كانت فكرة السرقات الأدبية متصلة بتاريخ الفكر الإنساني منذ عهد بعيد فإنها قديمة في أدبنا العربي معروفة لدى نقاده وشعرائه الأقدمين فهمي عند القاضي الجرجاني ( داء قديم وعيب عتيق ومازال الشاعر يستعين بخاطر الآخر وستمد منه قريحته ويعتمد على معناه ولفظه ))(1). وهي كما يقول الآمدي (باب مايعرى منه أحد من الشعراء إلا قليل )) (2).ويقول أيضا في موضع آخر (( باب ماتعرى منه متقدم ولامتأخر )) أما (( ابن رشيق )) فيقول في السرقات: "هذا باب متّسع جدّا لا يقدر أحد من الشّعراء أن يدعي السّلامة منه، وفيه أشياء غامضة إلاّ عن الحاذق بالصّناعة، وأخرى فاضحة لا تخفى عن الجاهل الغافل" ،.(3)


المبحث الثالث

السرقات في العصر الجاهلي


السرقات الأدبية عرفت طريقها إلى الفكر العربي منذ العصر الجاهلي وحسبنا هنا قول طرفة بن العبد(4) ( ت حوالي 72 ق هـ) :
ولا أغير عــلى الأشعار أسرقها عنها غنيـــت وشرّ النّاس من سرقا
وإن أحسن بيت أنت قائـــله بيت يقـــال إذا أنشــدته صدقا
ويمكن أن نرد السرقات في هذا العصر إلى ثلاثة أنواع : (5)
الأول : سرقات الشعراء المشهورين من شعراء القبائل المعمورين كسرقة زهير من قراد والنابغة من وهب
الثاني : سرقات الشعراء من امرئ القيس و وقد كان في نظر النقاد أول من افتتح القول في كذا وكذا من أساليب الشعر.
الثالث : سرقات ترجع إلى أسبابها إلى اختلاف رواية الشعر والإخفاق في الوصول إلى القائل الحقيقي أو أن الشاعر ينتحل شعر غيره انتحالا ويسمي بعض النقاد هذا النوع ا من السرقات اجتلابا ,وهي من السرقات الفاضحة التي يتميز بها الشعر الجاهلي والتي تخلو من أي تحوير فني وقد انشد ابن الإعرابي للراجز القديم في قوله :
يا أيها الزاعم إني اجتلب أو انني غير عضاهي انتجب
كذبت ان شر ماقيل الكذب ..(6)

وفكرة السرقات جاءت مع الشعر العربي الذي وصل الينا من العصر الجاهلي(( فابن سلام ))يقول :

( كان قراد ابن حنش من شعراء وكان جيد الشعر قليله وكانت شعراء غطفان تغير على شعره فتأخذه وتدعيه , ومنهم زهير ابن ابي سلمى أدعى هذه الابيات :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

1- الوساطة - ص 114
2- الموازنة - ص 276
3- المرجع السابق - ص123
4- طرفة بن العبد البكري، شاعر فحل من فحول شعراء الجاهلية، ومن أصحاب المعلقات ينتهي نسبة إلى عدنان الجد الأكبر للعرب. الأعلام:

5- مرجع سابق - مشكلة السرقات - ص 11.
6- فمعناه : أنني أجتلب الشعر من غيري فكأني إنما آخذ القشر لأدبغ به من عضاه غير عضاهي . والنجب بالفتح ذكر الفتح مستدرك : السخي الكريم كالنجيب وهو صريح في أنه صفة عليه كالضخم من ضخم ؛ قاله شيخنا . والنجب : بني كلاب كذا هكذا في النسخ وصوابه : لبني كلب هكذا في المعجم وقال القتال الكلابي – تاج العروس ص-1- 965


ومنهم زهير ابن أبي سلمى (1) أدعى هذه الأبيات:

إن الرزية لارزية مثلها ماتبتغي غطفان يوم أضلت (2)
إن الركاب لتبتغي ذا مرة بجنوب نخل إذا الشهور أحلت
ولنعم حشو الدرع أنت لنا إذا نهلت من العلق الرماح وعلت
يبغون خير الناس عند كريهة عظمت مصيبتهم هناك وجلت (3)


وذكر الرواة أن بيت امرئ القيس(4) :

وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لاتهلك أسى وتجمل (5)

قد أخذه طرفه فقال :
وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لاتهلك أسى وتجلد

فلم يغير في البيت غير قافيته فحسب ..(6)
(( يقول ابن وكيع وهناك من النقاد من قال انه من المواردة فلم يسمع طرفة عن امرؤ القيس وقال ابن رشيق)(لا أظن هذا ممايصح لأن طرفة في زمان عمرو بن هند شاب حول العشرين وكان امرؤ القيس في زمان المنذر الأكبر كهلا واسمه وشعره أشهر من الشمس فكيف يكون هذا مواردة إلا أنهم ذكروا أن طرفة لم يثبت له البيت , حتى استحلف انه لم يسمعه قط فحلف ,وإذا صح هذا كان مواردة وإن لم يكونا في عصر ) .(7)

وقول امرئ القيس
كأني لم اركب جوادا للذة ولم اتابطن كاعبا ذات خلخال (8)
ولم اسبأ الزق الروي ولم اقل كري كرة بعد اجفال

وقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي ..

كأني لم اركب جوادا ولم اقل لخيلي كرى نفسي عن رجاليا
ولم اسبأ الزق الروي ولم اقل لايسار صدق عظموا ضوء ناريا (10)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رياح بن قرّة بن الحارث بن إلياس بن نصر بن نزار، المزني، من مضر. حكيم الشعراء في الجاهلية , الأعلام 8\ 51
2- ديوانه ص 55
3- طبقات الشعراء 147 و 148
4- . امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي ، من بني آكل المرار ، أشهر شعراء العرب على الإطلاق ، يماني الأصل ، مولده بنجد ، أو بمخلاف السكاسك باليمن ، اشتهر بلقبه ، واختلف المورخون في اسمه ، فقيل : حندج ، وقيل : مليكة ، وقيل : عدي ، وهو من أصحاب المعلقات السبع ، والأبيات المذكورة في المتن قطعة من معلقته التي مطلعها : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحو مل , ويعرف امرؤ القيس بالملك الضليل ، لاضطراب أمره طول حياته ، وذي القروح ، لما أصابه من قروح ظهرت في جسده ، وهو في أنقرة حيث أودت بحياته هناك حوالي سنة 80 قبل الهجرة .الأعلام 2 : 11 .
5- ديوانه ص 24
6- الصناعتين 249 وقد ورد تحت باب قبح الاخذ
7- ..الشعر والشعراء ص 53 أيضا انظر العمدة 281ايضا انظر كتاب الحركة النقدية على أيام ابن الرشيق للدكتور بشير خلدون ص 218
8- العمدة ص 289 أيضا انظر السرقات الأدبية - بدوي طبانه - ص 33
9- ديوانه ص 138.(( الجواد الفرس اللاحق ولم اتبطن , أتابطن : الامس من البطانة.. والكاعب الجارية التي كعب ثديها وارتفع والخلخال من الحلي مثل السوار , سبأ الخمر : اشتراها والروي الذي يروي ))
10- عبد يغوث بن وقاص الحارثي (((( الايسار جمع ياسر هو الجازر والذي يلي قسمة جزور الميسر )) (الوساطة 195) .




بل إن الرواة قد ذكروا أن كثيرا من أبيات امرئ القيس قد اغتصبها الشعراء الذين أتوا من بعد وفيهم جاهليون فمن ذلك قول امرئ القيس :

فلأيا بلأي ماحملنا غلامنا على ظهر محبوك السراة محنب

أخذه زهير فلم يبدل غير لفظتين منه قال :

فلأيا بلأي ماحملنا غلامنا على ظهر محبوك ظمأه مفاصله ( 1)


وقول امرئ القيس :
وعنس كألواح الاران نسأتها على لاحب كالبرد ذي الحبرات (2)

أخذه طرفه فلم يغير فيه إلا اليسير قال ك
أمون كألواح الاران نساتها على لاحب كأنه ظهر برجد (3)

وقول امرئ القيس في وصف امرأة :

نظرت إليك بعين جازئة حوراء حانية على طفل (4)

أخذه المسيب فغير الفاظ العجز فحسب .

فقال :
نظرت إليك بعين جازئة في ظل باردة على السدر (5)


وقول امرئ القيس :

نَمُشّ بأعراف الجياد أكُفّنا إذا نحن قمنا عن شواء مضهب (6)


أخذ معناه عبد الطيب وغير لفظه فقال :
ثمت قمنا الى جرد مسومة أعرافهن لأيدينا مناديل
ولم يسلم امرؤ القيس نفسه من السرقة فابن رشيق يقول : (وكان امروء القيس يتوكأ عليه يقصد أبا داؤود الإيادي – ويروي شعره )(7)

1- مرجع سابق - مشكلة السرقات ص6
2- ديوانه ص.86
2- مرجع سابق -الشعر والشعراء 54
4- ديوانه 143
5- مرجع سابق - الشعر والشعراء ص 54
6- ديوانه 78
7- مرجع سابق - العمدة 1- 61



وقد ذكر ابو هلال العسكري إن بيت النابغة (1) الذي يقول فيه ..

تبدو كواكبه والشمس طالعة لا النور نور ولا الإظلام إظلام

مأخوذ من قول (( وهب بن الحارث بن زهرة )) حيث يقول :

تبدو كواكبه والشمس طالعة تجري على الكأس منه الصاب والمقر .

وكذلك اخذ النابغة قوله :

بأنك شمس والملوك كواكبه إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

من قول رجل من كنده في عمرو بن هند :

هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت على كل ضوء والملوك كواكب ..(2).

وإذا كان أبو هلال يقرر سرقة النابغة لبضعة أبيات فإن الأصمعي يشك في سرقة النابغة لقدر كبير من الشعر إذ يقول ( أفخم النابغة ثلاثين سنة بعد قوله الشعر ثم نبغ فقال , والشعر الأول ل حسن قوله جيد , والأخر كأنه مسروق وليس بجيد ) (3)
ويروي ابن قتيبة عن الأصمعي انه قال : إن بيت اوس بن حجر :

لعمرك إنا والأحاليف هؤلاء لفي حتبة أظفارها لم تقلم

قد اخذ معناه كل من زهير والنابغة قال زهير :

لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم

وقال النابغة :
وبنو قعين لامحالة إنهم أتوك غير مقلمي الأظفار

أما القاضي الجرجاني فهو يقرر أن (( زهير ابن أبي سلمى )) قد سرقا بيتا لقوس بمعناه ولفظه دون تغييره والبيت هو
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا أصبت حليما أو أصابك جاهل (4)
كما يقرر أيضا النابغة اخذ بيته الذي يقول فيه
لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبد (5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1- النابغة الذبياني (-604م) شاعر جاهلي، ظهر في زمن اشتبكت فيه قبيلة ذبيان مع عبس في حرب داحس والغبراء
. فكان عيناً ساهرة على قومه وأحلافهم. وقد حظي بمنزلة رفيعة عند المناذرة ملوك الحيرة، لكن الحساد كادوا له فلجأ إلى أعدائهم الغساسنة فأكرموا وفادته.الأعلام 8 \76
2- مرجع سابق - الصناعتين ص218
3- مرجع سابق - مشكلة السرقات - مصطفى هدارة ص8
4- الوساطة 194
5- اشمط : اختلط بياض شعره مع سواده .. ورجل صرور وصرورة لم يحج قط وهو المعروف في الكلام وأصله من الصر الحبس والمنع رجل صارورة وصارور لم يحج وقيل لم يتزوج الواحد.. مادة صرر اللسان (4/450)

بنت طيبه
29-06-2010, 04:41 AM
من قول ربيعة ابن مقروم :

لو انها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة(1) متبتل (2)


وأما ابن رشيق فيقرر أن بيتي عمرو ذي الطوق :

صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمين

وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذي لاتصبحينا

وقد أخذها عمرو بن كلثوم فهما قصيدته:

ويقول ابن رشيق أيضا إن بيت امرئ القيس في وصف الجبل

كأن ثبيرا في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل (3)

قد أخذه طرفه فنقله إلى صفة عقاب , فقال :

وعجراء دقت بالجناح كأنها مع الصبح شيخ في بجاد مقنع (4)

كما نقله النابغة في صفة النسور فقال :

تراهن خلف القوم خرزا عيونها جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب
ويذكر ابن رشيق أيضا أن عنترة قد اخذ قوله ( وكما علمت شمائلي وتكرمي )(5)
من بيت امرئ القيس :
وشمائلي ماقد علمت وما نبحت كلابك طارقا مثلي
ويعلل جورجي زيدان لفكرة الاجتلاب بقوله عن كثيرا من انه الأشعار تنسب لغير أصحابها اعتباطا لتشابه القافية والوزن والمعنى .
وهذا الرأي يناقضه الدكتور مصطفى هدارة بحجة أن السرقات ظاهرة طبيعية والشعراء الجاهليون ينفونها عن أنفسهم وعن شعرهم كما هو واضح من قول الراجز ولا نفي الحقيقة إلا بعد ثبوتها. بل انه يقال إن من أوائل من ذم السرقات هو طرفة ((6)
وبالرغم من ذلك فنحن نلحظ مبالغة في بعض الروايات وتزيد الرواة في بعض أقوالهم كما إن بعض السرقات في الجاهلية التي ذكرها النقاد لايمكن أن تعد سرقة وسيتم إيضاح ذلك في المباحث القادمة .(7)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ1- مرجع سابق - الوساطة 195
2- ورد ذكر المادة
3- ديوانه 67
4- ديوانه 65
5- مرجع سابق -العمدة ص 290 وقد ذكر ابن رشيق في كتابه انه من الشعر المجدود وعجزه وإذا صحوت فما اقصر عن ندى ) أيضا انظر كتاب مصطفى هدارة مشكلة السرقات ص 10
6- ورد ذكر البيت الذي قاله طرفة في ص3 (ولا أغير عــلى الأشعار أسرقها عنها غنيـــت وشرّ النّاس من سرقا)
7- مرجع سابق - مشكلة السرقات - ص 10



المبحث الرابع

السرقات في عصر صدر الإسلام

من الطبيعي أن تكون فكرة السرقات في العصر الجاهلي محدودة بالنسبة إلى لما تلاه من العصور لقلة الشعر الجاهلي الذي وصلنا , والروايات المتعلقة به كما إن اعتماد الشعر على الرواية واجتماع الشعراء والرواة في الأسواق جعل السرقة أمر غير خاف على الإطلاق ,
ومن الممكن أن نقول إن شيوع الرواية وتناشد الأشعار في الأسواق ظلا موجودين حتى العصر الأموي . ولكن لما كانت ظروف الشعر في ذلك العصر قد تغير أمرها بعد العصر الجاهلي كان من الطبيعي أن تكون فكرة السرقات أكثر شيوعا مما كانت في الجاهلية تبعا لهذه العوامل الجديدة التي طرأت على الشعر نفسه .

ففي عصر صدر الإسلام أصبحت السرقات أكثر شيوعا مما كانت في العصر الجاهلي وأصبح أمرها يكاد لايكون خافيا على احد من الشعراء أو الرواة فحسان بن ثابت (1).

لا اسرق الشعراء مانطقوا بل لايوافق شعرهم شعري (2)

فهو يوضح أن مايأتي به هي معاني مبتكرة وهذا دليل على تعود بعض الشعراء في عصر حسان على الأقل على سرقة أشعار الآخرين فهي معروفة لديهم ولهذا كان الشعراء يغضبون حين تسرق أشعارهم على نحو ما سيأتي:( 3)


ومع نفي هذه التهمة لم يسلم حسان من ذكر النقاد لسرقاته فابن وكيع يذكر انه سرق بيته :


ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ماينهنهنا اللقاء (4)

من عنترة إذ يقول :

فإذا سكرت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي.(5)


1- حسان بن ثابت الأنصاري شاعر وصحابي من الأنصار، ينتمي إلى قبيلة الخزرج من أهل المدينة،
الموشح ص
2- مرجع سابق - السرقات الأدبية - بدوي طبانة - ص35
3- مرجع سابق - الحركة النقدية على أيام ابن الرشيق - بشير خلدون - ص 218
4- مرجع سابق - مشكلة السرقات ص 12
5- يقول ابن وكيع في إن عنترة وفي الصحو والسكر صفتيهما وأفرد حسان الإخبار عن حال سكرهم دون صحوهم و فقبض ماهو من تمام المعنى لأنه قد يمكن أن يظن ظان بهم البخل والجبن إذا صحو لأن من شان الخمر تسخية البخيل وتشجيع الجبان مشكلة السرقات ص 12.







ويذكر القاضي الجرجاني أن الحطيئة (1) أخذ بيته الذي يقول فيه :

وماكان بيني لو لقيتك سالما وبين الغنى إلا ليال قلائل(2)

من قول النابغة الذبياني :
وماكان دون الخير لو جاء سالما أبو حجر إلا ليال قلائل . (3)

ويذكر النقاد أن بيت طرفة :
أرى قبر نحام بخيل باله كقبر غوي في البطالة مفسد (4)

أخذه ابن الزبعري فقال :
والعطيات خصاص بينهم وسواء قبر مثر ومقل

ويقول ابن قتيبة أن بيت امرؤ القيس في وصف الفرس :

ويخطو على صم صلاب كأنها حجارة غيل وارسات بطحلب (5)

أخذه النابغة الجعدي(6) فقال :

كأن حواقيه مدبرا خضبن وإن كان لم يخضب
حجارة غيل برضراضة كسين طلاء من الطحلب ..

ونقل النابغة الجعدي بيت أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي بنصه وهو :

تلك المكارم لاقعبان من لبن شيباء بماء فعاد بعد ابوالا

وسرق النابغة الجعدي ايضا :

ومولى جفت عنه الموالي كأنه إلى الناس مطلي به القار أجرب
من قول النابغة :
فلاتتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب
ويذكر الرواة أيضا أن النابغة الجعدي دخل على الحسن بن علي فقال له الحسن : أنشدنا من بعض شعرك فأنشده :
الحمد لله لاشريك له من لم يقلها فنفسه ظلما
فقال له : يا أبا ليلى , ماكنا نروي هذه الأبيات إلا لأمية بن أبي الصلت ! قال : يابن رسول الله : والله إني لأول الناس قالها , وإن السروق من سرق أمية شعره !(7)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
1-أبو مُلَيْكة جرول بن أوس بن مالك العبسي المشهور بـ الياس شاعر مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم الأعلام ص
2- ديوانه - ص
3- مرجع سابق الوساطة 195 و 196
4- ديوانه - ص
5- ديوانه - ص
5- النابغة الجعدي . واسمه حبان بن عبد الله بن قيس ، أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ,,,ويكنى بأبا ليلى ... ص الموشح
6- مرجع سابق - طبقات الشعراء 27
7- مرجع سابق - الشعر والشعراء 54
ويذكر ابن قتيبه ان بيت امرؤ القيس في وصف الفرس
سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا له حجبات مشرفات على الغال (1)
قد اخذه كعب بن زهير فقال :
سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا كان مطان الردف من ظهره قصر
وأخذه النجاشي أيضا فقال :
سليم الشظا عاري الشوى شنج النسا أقب الحشا مستذرع الندفان ( 2)
ويقول أيضا ابن قتيبه أن بيت الحطيئة :
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا ( 3)
قد أخذه من قول أبي الأيادي
ترى جارنا أمنا وسطنا يروح بعقد وثيق السبب
إذا ماعقدنا له ذمة شددنا العناج وعقد الكرب ( 4)

المبحث الخامس
السرقات في العصر الأموي :

ومن هذه الأمثلة لسرقات شعراء صدر الإسلام . نجد أن السرقات قد أخذت طريقها في الشعر العربي , وأخذت دائرتها تتسع باتساع دائرة الشعر نفسه وقد كان العصر الأموي حافلا بأنواعها بعد إن اتسع مجال الشعر وكثر التلاحي بين الشخ عراء للعصبيات القبلية والانقسامات السياسية التي حدثت في ذلك العصر . وقد جاءت في ذلك آراء كثيرة بعضها كان مصدره التعصب الكبير خاصة ضد الشعراء المحدثين وبعضهم الآخر مصدره الصدق والتحري للحقائق .. فالمرزبان يروي عن الأصمعي أن أبو حاتم سمعه يقول (( تسعة إعشار شعر الفرزدق(5) سرقة وكان يكابر .. وأما جرير فما علمته سرق إلا نصف بيت , قال : ولا ادري ولعله أوافق شي شيئا . قلت قال هجاء , ولم يخبرنا به )) (6) قال الشيخ أبو عبد الله المرزباني : وهذا تحامل شديد من الأصمعي وتقول على الفرزدق لهجائه بأهله وسنا نشك أن الفرزدق قد أغار على بعض الشعراء في أبيات معروفة , فأما أن نطلق أن تسعة أعشار شعره سرقه فهذا محال وعلى أن جرير قد سرق كثيرا من معاني الفرزدق ..)) (7))


ويروي المرزباني ايضا عن أحمد بن طاهر انه قال ( كان الفرزدق يصلت (8) على الشعراء ينتحل أشعارهم ثم يهجو من ذكر أن شيئا انتحله أو ادعاه لغيره وكان يقول ضوال الإبل وخير السرقة مالم تقطع به اليد ) (9)...

وقد ذكر الرواة كثيرا من الشواهد العملية على ماحكوه عن الفرزدق وكل هذه الشواهد تثبت أن للفرزدق تاريخا حافلا في السرقات الشعرية ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- ديوانه - ص
2- مرجع سابق - الشعر والشعراء 54
3- ديوانه - ص
4-مرجع سابق - الشعر والشعراء 123
5- الفرزدق
6- الموشح ص 167
7- المرجع السابق -الموشح ص 168 )
8- اللسان مادة صلت معني يصلت من اصلت السيف جرده من غمده فهو مصلت - ص
9- مرجع سابق - الموشح 168
.




فأبو يحي الضبي يذكر أن ذو الرمة قال يوما : لقد قلت أبياتا إن لها لعروضا وإن لها لمردا ومعنى بعيدا .فقال الفرزدق ماقلت ؟ قال : قلت
أحين أعاذت بي تميم نساءها وجردت تجريد اليماني من الغمد
ومدت بضبعي الرباب ودارم وجاشت ورامت من ورائي بنو سعد
ومن آل يربوع زها ء كأنه دجى الليل محمود النكاية والورد

فلما انشدها قال له الفرزدق : لا تعود فيها فأنا أحق بها منك . قال : والله لا أعود فيها ولا انشدها أبدا إلا لك .
فهي في قصيدة الفرزدق التي يقول فيها : (1)

وكنا إذا القيسي نب عقوده ضربنا فوق الاثنيين على الكرد .. (2)

وشبيه بهذه القصة ماروي عن الفرزدق انه سمع جميل ابن معمر ينشد قوله :

ترى الناس ماسرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا (3)

فقال الفرزدق : متى كان الملك في بني عذره ؟ إنما هو في مضر وأنا شاعرها .فغلب الفرزدق على البيت ولم يتركه جميلا ولا أسقطه من شعره ! (4)

وكما فعل الفرزدق مع جميل فعل كذلك مع الشمردل اليربوعي إذ كان ينشد في محفل قوله:

فما بين من لم يعط سمعا وطاعة وبين تميم غير حز الحلاقم

فقال الفرزدق : والله لتدعنه أو لتدعن عرضك ! فقال : خذه لابارك الله لك فيه . (5)
فجعله الفرزدق في قصيدته التي يقول في مطلعها :
تحن بزوراء المدينة ناقتي حنين عجول تبتغي البو رائم (( 6 )

وكذلك فعل الفرزدق مع ابن ميادة حين وجد واقفا في الموسم ينشد :

لو أن جميع الناس كانوا بتلعة وجئت بجدى ظالم وابن ظالم
لظلت رقاب الناس خاضعة لنا سجود على أقدامنا بالجماجم
قال الراوي وهو أبو عبيده وكان الفرزدق واقفا عليه في جماعة وهو متلثم فلما سمع هذين البيتين أقبل عليه ثم قال / أنت يا ابن أبرد صاحب هذه الصفة ! كذبت والله وكذب من سمع ذلك منك فلم يكذبك , فأقبل عليه مه يا أبا فارس فقال : أنا والله أولى بهما منك ثم أقبل على راويته فقال أضممها إليك !.
لو أن جميع الناس كانوا بتلعة وجئت بجدي دارم وابن دارم
لظلت رقاب الناس خاضعة لنا سجود على أقدامنا بالجماجم
قال : فأطرق ابن مياده فما أجابه بحرف , ومضى الفرزدق فانتحلهما .(7 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ1- مرجع سابق - الموشح 170 – 171
2- ديوانه
3- - الضبع وسط العضد بلحمه اخذت بضبعي وشدت ازري . واشتد بأسي ,,شالت : دافعت ,,العتود من أولاد المعزى هو الجدي إذا رعى وقوي وبلغ السفاد ونب التيس : صوت وصاح عند الهياج والسفاد .. ونب العتود : مثل لمن ظن في نفسه القوة فاستكبر . الاثنيين .. الاذنان ..الكرد العنق ))
3- ديوانه
5- مرجع سابق - السرقات الادبيه لبدوي طبانه ص 49
6- مرجع سابق - الموشح ص 171 – 172
7- مرجع سابق - الموشح 172

ويبدو الفرزدق في هذه الروايات شخصا ذا سطوة ونفوذ يرهبه الجميع ,ويخشون بأسه , وهو لايرى الفخر إلا لنفسه وقبيلته , فكل معنى رائع يلحقه الشعراء بأنفسهم وقبائلهم هو أحق منهم به , وهذه هي الصفة المشتركة في الأبيات السابقة التي اغتصبها من أصحابها فيما يرويه الرواة . على إنهم يذكرون له سرقات من نوع آخر غير ذلك النوع المغتصب من أصحابه .

فأحمد بن أبي طاهر يروي عن حماد ابن إسحاق عن محمد بن سلام عن كردين البصري إن عريفهم هون بن ثعلبة علق بالفرزدق وقال : ياعدو الله سرقتنا قول صاحبنا الأعلم العبدي :

إذا اغبر أفاق السماء وكشفت ستور بيوت الحي حمراء حر جف
وهتكت الأطناب كل ذا فرة لها تامك من عاتقي إلي اعرف

فهذه الأبيات للأعلم كلها أدخلها الفرزدق في قصيدته : (1)
(( عزفت بأعشاش وماكنت تعزف )) (2)
ومع جميل ما سرق منه قال له الفرزدق أذهب فخذها من الرواة قال فخلى سبيله , إشارة إلى ثقة بقوته وسلطته !! (3 )

وقد ظل أصحاب الأعم العبدي يتتبعون سرقات الفرزدق لشعر صاحبهم في كل موطن , فيحدثنا أبو عبيدة إن رجلا من قيس جاء إلى محمد بن رباط فاستعدى على الفرزدق (وقد سلم الفرزدق ثم خرج ) فقال محمد : أدعو الفرزدق , فجاء , فقال الفرزدق ك سل هذا فيم يستعدى علي ؟! فقال غلبني على قصيدة عمي الأعلم قال أشهدكم إني قد رددتها, فقال محمد : نحوها ! على أن هذا لم يحدث بطبيعة الحال .((4).
ويذكر أبو العلاء انه لقي الفرزدق في المربد فقال له : يا أبا فراس أحدثت شيئا ؟ فأنشده :
كم دون مية من مستعمل قذف ومن فلاه بها تستودع العيس
قال أبو عمرو: فقلت سبحان الله و هذا المتلمس ! قال : اكتمها فلضوال الشعر احي إلي من ضوال الإبل ! . (5),,

ويبدو أن الرواة كانوا يتتبعون الفرزدق بعد أن ذاعت سرقاته وشاع أمرها بينهم وهذا هو سبب الروايات الكثيرة التي تكشف عن مواطن سرقاته , والتي تبين أن الفرزدق لم يدع شاعرا معاصرا أو قديما إلا أغار عليه وسرق بيتا أو أكثر منه . ((6 )
وحتى هجاء الفرزدق لجرير (7) بسبب سرقه للأشعار في قوله
كم من أب لي ياجرير كأنه قمر المجرة أو سراج نهار
لن تدركوا كرمي بلؤم أبيكم وأوابدي بتنحل الأشعار
حتى هذا الهجاء يذكر الرواة أن الفرزدق سرقة من الراعي ! (8)
ويرمي جرير الفرزدق بأنه ينتحل شعر اخيه الأخطل بن غالب فيقول له :
ستعلم من يكون أبوه قينا ومن كانت قصائده اجتلابا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

1- مرجع سابق - مشكلة السرقات – د مصطفى - ص17- أيضا نظر الموشح ص 174.
2- الحرجف الريح الشديدة الهبوب او الريح الباردة ورد في اللسان مادة حرجف )) ,,( ذفيرة الذفرة من الابل النجيبة الغليظة الرقبة جاء في اللسان )) (( اعرف : طويل العرف ) (( يزف يعدو ))
3- مرجع سابق - الموشح ص -175-
4-المرجع السابق - 175- ايضا انظر مشكلة السرقات - ص 18.
5- المرجع السابق - 176,, المستعمل اسم للطريق ,, قذف : بعيده (اللسان ,الجمهرة )
6- مرجع سابق – مشكلة السرقات - مصطفى هدارة 19
7- جرير
8- مرجع سابق مشكلة السرقات - ص 20


ولكن الفرزدق يتهم جرير بسرقة شعره فيقول له :

إن استراقك ياجرير قصائدي مثل ادعاك سوى أبيك تنقل (1)
ولم يكن الفرزدق وحده موضع الاتهام من النقاد والرواة في العصر الأموي بل إن اغلب الشعراء المشهورين في عصر بني أمية قد واجهوا تهمة السرقة في أكثر من موطن . فعبد الله بن الزبير نفسه وهو من هو علو مكانة وشرف أرومة لم يتورع عن ارتكاب سرقة فاضحة مشهورة في كتب الأدب والنقد يذكر الرواة أنه دخل على معاوية بن أبي سفيان فأنشده ..

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل

ويركب حد السيف من أن تضيمه إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل

فقال له معاوية لقد شعرت بعدي يا اباخبيب ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معن بن اوس المزني فأنشد قصيدته التي أولها

لعمرك ما أدري واني لأوجل على أينا تغدو المنية أول

قال معاوية ك ماهذا يا أبا خبيب ؟ قال : هو أخي من الرضاعة وأنا أخوه وأحق بشعره (2)


وكان البعيث يسرق أبيات الفرزدق فحين قال في بني ربيع :

تمنت ربيع أن يجيء صغارها بخير وقد أعيا ربيعا كبارها

اخذه البعيث في بني كليب رهط جرير , ولذا هجاه الفرزدق بقوله :
إذا ماقلت قافية شرودا تنحلها ابن حمراء العجان

يعني البعيث وكان ابن سرية .(( 3))


واكتشف الفرزدق سرقة كثيرا احد أبيات جميل وذلك حين لقيه فقال الفرزدق : يا اباصخر انت انسب العرب حيث تقول :

أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل

فقال له : وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول :

ترى الناس ماسرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أو مانا إلى الناس وقفوا (4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- (( السرقات الادبيه بدوي طبانه ص 48 - أيضا انظر العمدة 284 - أيضا انظر- الوساطه 214
2- العمدة 218 انظر أيضا الوساطة 193
3- يذكر عبد القاهر الجرجاني أن البعيث غير بعض الألفاظ فقال أترجو كليب أن يجيء حديثها بخير وقد أعيا كليبا قديما دلائل الإعجاز- ص 361
4- مرجع سابق - الموشح 228


ويبدو أن كثيرا كان مشهور بالسرقات كثيرها حتى أننا نجد انه قد ألق كتابا فيه وحده دون باقي شعراء عصره وهو الكتاب الذي آلفه الزبير بن بكار بن عبد الله القرشي المتوفي سنة 256 هـ . وقد سماه كتاب إغارة كثير على الشعراء.
ولم يسلم الأخطل على علو مكانته من اتهامه بالسرقة بل إن الرواة يذكرون عنه انه كان يقول (( نحن معاشر الشعراء اسرق من الصاغة ).
ويذكرون إن قوله :

لذا تقبله النعيم كأنما مسحت ترائبه بما مذهب (1)

مأخوذ من قول لبيد بن ربيعة :

من المسبيلن الريظ لذا كأنما تشرب أضاحي جلده لون مذهب ..

أما جرير فكصاحبه الفرزدق , كثير السرقات فيما يذكره الرواة .فهم يقولون انه نقل بيته المعروف :

وإني لعف الفقر مشترك الغنى سريع إذا لم أرض داري احتماليا,,,,,,,,,,(2)

من قول حاتم :

واني لعف الفقر مشترك الغنى وتارك شكل لايوافقه شكل (3 )

ويذكرون أيضا انه انتحل قول طفيل الغنوي :

ولما التقى الحيان ألقيت العصا ومات الهوى لما أصيبت مقاتله

ويبدو إن جرير كان مغرما بانتحال أبيات غيره شان الفرزدق فالقاضي الجرجاني :

يذكر انه نقل بيتا من سويد كراع العكلي وهو:

ومابات قوم ضامنين لنا دما فنوفيها إلا دماء شوافع ..

وتذكر الرواية أن مر بن نجاة التميمي قد نبه عليه بذلك حين أنشد قصيدته وفيها هذا البيت
وكانت احد الأسباب التي أهاجت الشر بينهما (4 )

وهناك أبيات كثيرة متداوية بين جرير والفرزدق , يدعي كل منهما أنها له وأن الآخر سرقها منه , فحين قال الفرزدق :
أتعدل أحسابا لئاما حماتها بأحسابنا إني إلى الله راجع
قال جرير:
أتعدل أحسابا كرما حماتها باحسابكم إني إلى الله راجع ..( 5 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
1- مرجع سابق كتاب السرقات – مصطفى هدارة – ص22
2- مرجع سابق الوساطة 200
3- المرجع سابق –200
4- المرجع سابق –139
5- مرجع سابق – السرقات الأدبية – بدوي طبانه – 158

ويذكر أبو عبيده أن الفرزدق كان بالمربد فمر به رجل قدم من اليمامة موطن جرير فقال له :
من أين وجهك ! قال : من اليمامة قال فهل علقت من جرير شيئا ؟فأنشده :
هاج الهوى بفؤادك المهتاج
فقال الفرزدق : فانظر بتوضيح باكر الاحداج
فقال : هذه هوى شغف الفؤاد مبرح
فقال الفرزدق ونوى تقاذف غير ذات خلاج
ومازال الرجل ينشده صدرا من قول جرير وينشده الفرزدق عجزا حتى ظن الرجل أن الفرزدق قالها وان جرير سرقها !
وأمثال هذه الرواية كثير يرددها الكثير من الرواة محاولين بذلك عقد صلة بين خاطر كل من الشاعرين حتى لقد قيل أن الفرزدق وجريرا كان ينطقان في بع الأحوال على ضمير واحد ومن الطبيعي أننا نستبعد حدوث هذا الاتفاق
وكقول الفرزدق :
وغر قد وسقت مشمرات طوالع لاتطيق لها جوابا
بكل ثنية وبكل ثغر غرائبهن تنسب انتسابا
بلغن الشمس حين تكون شرقا ومسقط رأسها من حيث غابا
وذلك قال جرير من غير أن يزيد )1)
ومع ذلك كله نرى أن السرقات قد استفحل أمرها في العصر الأموي وأصبحت ظاهرة ( متعارفا عليها ) بين الشعراء والرواة والنقاد. ولاشك أن إلي ساعد على انتشارها ظهور كثرة من الشعراء ينتمون إلى أحزاب السياسة مختلفة يقاتل بعضها بعضا .هذا بالإضافة إلى وجود شعراء النقائض وهؤلاء جميعا بحاجة إلى فيض شعري معد على الدوام لاستخدامه في هذه المعارك الشعرية فكان على الشعراء أن يقرؤوا ويحفظوا كثيرا من أقوال أسلافهم ليطوع لهم القول بعد ذلك على أمثاله وكان عليهم أيضا أن يقرؤوا ويحفظوا كل مايكتبه منافسوهم ليتمكنوا من الرد عليهم . ومن هنا أيضا كان يتسرب بعض شعر منافسيهم إلى شعرهم . (2)

ويؤكد البيتي اطلاع شعراء العصر الأموي على الشعر القديم اطلاع الدارس الواعي بقوله (( دع عنك الخرافة السائدة من أن جرير والفرزدق والأخطل والراعي وذا الرمة أو الرجاز ومن لف لفهم كانوا جماعة من شعراء البادية نزلوا الحضر ببضاعة مزجاة من الشعر القديم اطلاع مقصود وليس فيهم إلا صاحب ثقافة واسع جدا نشأت عن التحصيل الدائب في بيئته كان همها في ذلك العصر تحصيل القديم وتصحيحه وتحقيقه ... وأن الشاعر فيهم ليقص ذلك عن نفسه فالفرزدق يقول
وهب النوابغ لي القصائد إذ مضوا وأبو يزيد وذو القروح وجرول
ويقول صاحب الأغاني يعني بأبي يزيد المخبل السعدي وجرول الحطيئة ) 3



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - السرقات الادبية - بدوي طبانه158
2- ويقال إن جرير والفرزدق كانا ينطقان على ضمير واحد قال ابن الأثير : وهذا عندي مستبعد فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه والباطن لايعلمه إلا الله وإلا فإذا رأينا شاعر متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده علمنا بشهادة الحال انه أخذه منه .وهب إن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغها الألفاظ ؟))
ونرى أن الذي دعا الرواة إلى هذه الفكرة استبعادهم إن يسرق جرير والفرزدق احدهما الآخر وهما متعاصران يتراشقان بالشعر في كل وقت ولكن يبدو أن النقائض التي كانت بينهما هي السبب في وجود هذه الفكرة وهي اتفاق الخواطر بينهما لأن كل منهما قد فهم مذهب الآخر في شعره فهما عميقا حتى إن الرواة قالوا إن الفرزدق انتحل بيتا من شعر جرير وقال : هذا يشبه شعري ! هذا سبب والسبب الآخر إن كلا منهما يقرأ قصيدة الآخر بيتا بيتا ومعنى معنى, ليستطيع أن يكتب نقضه عليها ومن هنا أيضا جاءت فكرة الاتفاق في هذه الأشعار المشتركة بينهما,,(مصطفى هدارة ص 28 )
3- مرجع سابق - مشكلة السرقات ص29

بنت طيبه
29-06-2010, 05:09 AM
المبحث السادس

السرقات في العصر العباسي

وفي العصر العباسي الذي يمتاز بتنوع ثقافته وكثرة معارفه وعلماءه وشعرائه وازدهار الحياة الاجتماعية والعلمية والأدبية والسياسية
حتى كان أميز العصور الأدبية فقد وصلوا إلى قمة الحضارة العربية نجد أن السرقات قد كثرت واتسعت دائرتها كثيرا بل كثيرا جدا إلى حد لم تبلغه في العصور الماضية والسبب في ذلك أن السرقات ترتبط بالأدب ارتباطا كبيرا فتتسع وتتنوع كلما اتسع الأدب وتنوع بالإضافة إلى إن السرقات الأدبية ظاهرة طبيعية في الفكر الإنساني , فشيوعها وتعقد أنواعها إنما يتبع ارتقاء الفكر الإنساني .
وتعقده بتطور الحياة الإنسانية ولهذا أثارت السرقات في العصر العباسي حركة نقدية ضخمه تناولها النقاد بالدرس والبحث ,والفت فيها الكثير من الكتب المتنوعة ونجد الشعراء قد زادوا من هذه الدراسات عن طريق تراشق التهم بينهم وتجمع المعارضين والمؤيدين عليهم والمعتدلين كذلك , وهذه الحركات النقدية التي دارت حول شعراء هذه الفترة كانت السرقات هي محورها وهي الفيصل في الحكم على شاعرية الشاعر ..
ومن الطبيعي أننا إذا كنا قد وجدنا كثير من الروايات في العصر الأموي حول سرقات الشعراء فإن هذه السرقات ستكثر كثرة مفرطة نجدها في كتب وبحوث مستقلة بموضوع السرقات . وسنرى من هذه الروايات إن شاعرا من شعراء العصر العباسي – مهما بلغت مكانته لم يسلم من اتهامه بالسرقة في مواطن عدة عن كذبا وإن صدقا .
ومن هذه الروايات مايذكره المرزباني بأن العتابي اخذ قول بشار بن برد في قوله :

في ناظري انقباض عن جفونها وفي الجفون عن الاماق تقصير

أخذه من قول بشار:

جفت عيني عن التغامض حتى كأن جفونها عنها قصا ر
يروعه السرار بكل فج مخافة أن يكون به السرار ( 1)

واخذ منه أيضا أبو هفان عندما هجى ابن أبي طاهر :

إذا أنشدكم شعرا فقولوا أحسن الناس .

من قول بشار :
إذا انشد حماد فقل أحسن بشار ( 2)

ويقول الرواة أن بشارا حين كتب بيته :
من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
ويقول أبو بكر الصولي : إن جميع المحدثين قد أخذوا من بشار واتبعوه أثره ومع هذا لم يسلم بشار من الطعن عليه بالسرقة فإسحاق الموصلي يذكر عن أبي عبيده أنه انشد ابن عروة الضبعي قول بشار :
إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلق الذي لم تعاتبه
فذكر انه للمتلمس وزعم آخرون انه قوله المشهور: :
إذا ماغضبنا غضبة مضرية هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما ... (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- السرار مصدر سار إذ تكلم سرا مع غيره الموشح ص 389
2- مرجع سابق -الوساطة 221).
3- مرجع سابق - المثل السائر 340

الجدير بالذكر إن بعض الروايات التي ذكرت سرقات بعض الشعراء العباسيين كان مبالغا فيها كل المبالغة تماما كرواية الأصمعي التي أوردناها في قوله (أن تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة) . ومن هذه الرويات المبالغ فيها مايذكره المرزبان عن أبي مالك الحنفي اليمامي أن شعر مروان بن أبي حفصة كان يؤخذ أكثره من دعامة بن عبد الله بن المسيب الطائي اليمامي (1)
ومن الواضح إن السبب في هذه الرواية المبالغ فيها إن غاية الراوية في إعلاء شأن مواطنه اليمامي عن طريق الادعاء الكاذب على مروان بن أبي حفصة
ومن الروايات المبالغة في ادعاء السرقة مارواه أبو الفرج الأصفهاني من أن رجلا قال لبشار(:أظنك أخذت قولك :
يروعه السرار بكل أرض مخافة أن يكون به السرار (2)
من قول أشعب : مارأيت اثنين يتساران إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء !

فقال بشار : إن كنت أخذت هذا من قول أشعب , فإنك أخذت ثقل الروح والمقت من الناس جميعا فانفردت به دونهم .(3)

وكما ذكرنا أن السرقات في هذا العصر تنوعت واتسعت باتساع دائرة الأدب فإنها لم تقتصر على سرقة الشعر فقط بل أصبحت تعتمد أيضا على سرقة الأمثال أقوال الفلاسفة والحكماء والعبارات المعتادة في المناسبات المتعددة. وكذلك الأخذ من القران الكريم والحديث الشريف
وفي هذا المجال تنسب لأبي العتاهية(4) الكثير من السرقات يقول المبرد ( وكان إسماعيل بن القاسم ( أبي العتاهية ) لايكاد يخلي شعره مما تقدم من الأخبار والمآثر فينظم ذلك الكلام المشهور ويتناوله اقرب متناول ويسرقه أخفى سرقة ...,,

ومن ذك قول أبي العتاهية :
وكانت في حياتك لي عظات وأنت اليوم أوعظ منك حيا
إنما أخذه من قول الموبذ لقباذ الملك حيث مات فإنه قال في ذلك الوقت :
كان الملك أمس أنطق منه اليوم , وهو اليوم أوعظ منه أمس .
واخذ قوله :
قد لعمري حكيت لي غصص الموت وحركتني لها وسكنتا
من قول نادب الإسكندر فإنه لما مات بكى من بحضرته , فقال ناد به : حركنا بسكوته . (4.)
ياعجبا للناس لو فكروا وحاسبوا أنفسهم أبصروا
أغلب أبياتها مأخوذة من أقوال الحكماء .
ويؤكد هذا الاتهام صاحب الأغاني فيقول في قصيدة أبي العتاهية في رثاء علي بن ثابت :
ألا من لي بأنسك يا أخيا ومن لي أن أبثك مالديا
((هذه المعاني أخذها كلها أبو العتاهية من كلام الفلاسفة لما حضروا تابوت الاسكندر ليدفن )
ويذكر الرواة أيضا أن أبا العتاهية كثيرا ماكان ينظم أبياته من معاني القران الكريم ويضربون مثلا لذلك قوله في المهدي :
أتته الخلافة منقادة إليه تجرر أذيالها
ولو رامها احد غيره لزلزلت الأرض زلزالها ..(( 5 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق – الموشح- 223
2- ديوانه ص 433
2- مرجع سابق - مشكلة السرقات -ص 33
4- الحركة النقدية على أيام ابن الرشيق المسييلي – د بشير خلدون – ط1- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع – الجزائر – 1981 م. 234
5- مرجع سابق - مشكلة السرقات 34


على أن هذه السرقات جميعها لم تكن في نطاق حركة نقدية متركزة حول احد الشعراء ’ ولكنها راويات مفردة يستدل بها النقاد على حدوث السرقات في العصر العباسي , أو يستدلون بها على أنواعها المتباينة في ذلك العصر . ولكن حين جاء أبو نواس(1) واستحدثت في الشعر طرائق جديدة سوف تتناولها فيما بعد بالتحليل أو التفصيل سلط عليه النقاد دراستهم وانقسموا فريقين مؤيد ومعارض ومن هؤلاء المؤيدين من تعصب له على باقي شعراء عصره ومن المعارضين من تعصب عليه وتغالى في ادعاءاته يقول مهلهل أن يموت في ذلك ( ورأيت من الناس كل من تعصب لشاعر من الشعراء قصد أخر بالعيب والإزراء على مقدار الشهوات ومكان العصبيات يختص واحد منهم شاعر بالمناقب فيعارضه آخر بإحالتها إلى المثالب كل عبد شهوته وخادم عصبيته )(( سرقات أبي نواس )(2)

ومن هؤلاء المتعصبين على أبي نواس من قال ( الشعر بين المدح والهجاء وأبو نواس لايحسنهما وأجود شعره في الخمر والطرد وأحسن مافيهما مأخوذ مسروق , وحسبك من رجل يريد المعنى ليأخذه فلا يحسن أن يعفى عليه ولاينقله حتى يجيء به نسخا )) الموشح ( أبي نواس ))(3)

ويذكر هؤلاء المتعصبين أمثله كثيرة لهذه السرقات منها قوله :

( وداوني بالتي كانت هي الداء )
فهو مأخوذ من قول الأعشى :
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها ) ( 4 )
وقول أبي نواس
( كان الشباب مطية الجهل )
مأخوذ من قول النابغة :
( فإن مطية الجهل الشباب ) (5)
وقول أبي نواس :
كطلعة الأشمط من جلبابه )
مأخوذ من قول أبي النجم :
(كطلعة الأشمط من كسائه)

وقد اتفق الكثير من الرواة والنقاد د على أن أبا نواس كثيرا ماكان يأخد أبياتا من الحسن بن الضحاك .
فمن ذلك ماقاله الحسين نفسه : أنشدت أبا نواس قصيدتي التي فيها :
كأنما يعب في كأسه قمر يكرع في بعض أنجم الفلك
قال فأنشدني أبو نواس بعد أيام قصيدته التي يقول فيها :
إذا عب فيها شارب القوم خلته يقبل في داج من الليل كوكبا

قال : فقلت له : يا أبا علي هذه مصالته ! فقال : أتظن أن يروى لك في الخمر معنى جيد وأنا حي ؟!(6)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق – مشكلة السرقات - مصطفى - ص 34
2- -أبو نواس (145هـ-198هـ) شاعر عباسي، ولد في الأهواز، فارسي الأصل، عربي الولاء. اتصل بالبرامكة فأفاد منهم. واتصل بهارون الرشيد، ثم قصد الخصيب والي مصر مادحاً. ولما أصبح الأمين خليفة جعله شاعره الخاص. الموشح ص
3- مرجع سابق - الموشح 398
4- مرجع سابق- الموشح 254 - انظر الوساطة
5- ديوانه ص
6- ويقول ابو بكر الباقلاني في هذه السرقة ( أما الخليع فقد رأى الابداع في المعنى فاما العبارات فانها ليست على ما اظنه لان قوله يكرع) ليس بصحيح وفيه ثقل وتفاوت بين وفيه احالة لأن القمر لايصح تصورا ان يكرع في نجم ..(اعجاز القران 337)


ويذكر ابو حاتم السجستاني أن أبا نواس قد سرق في قصيدته التي مطلعها :
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء
أكثر معاني قصيدة الحسين بن الضحاك التي مطلعها :
بدلت من نفحات الورد بالا ومن صبوحك در الإبل والشاء (1 )

ويذكر الرواة أن الحسين لما خاطب أبا نواس في ذلك قال له : ومتى ستعلم لمن يرويها الناس , إلى أم لك ؟ يقول الحسين : فكان الأمر كما قال . رأيتها في دفاتر الناس في أول أشعاره .
وإذا كان أبو نواس قد احدث حركة نقدية نشطة في ميدان السرقات فإن أبا تمام والبحتري كانا مبعث حركة نقدية أخرى أكثر نشاطا من سابقتها بقدر ما أحدثنا في ميدان الأدب بشعرهما من جدال وخصومات وبقدر ما انقسم الناس حيالهما فريقين : مؤيدين ومعارضين ومهاجمين ومدافعين . وقد كان لاختلاف مذهبي أبي تمام والبحتري في شعرهما الأثر الأكبر في هذا الجدال وتلك الخصومة التي انشات حول الشاعرين فقد وجد كل مذهب أنصاره ومعارضيه , ووجد الذوق الذي يتشربه والذوق الذي يمجه وكان طبيعيا أن يكون اتهام كل من الشاعرين بالسرقة على قدر الخصومة التي أحدثاها بين النقاد , تماما كما رأينا في عرضنا التاريخي لسرقات جرير والفرزدق في العصر الأموي وسنجد أيضا في الرويات التي تتعرض لسرقات البحتري وأبي تمام مغالاة شديدة وتعنتا قبيحا تغذيه حركة الخصومة حول الشاعرين
فنرى الامدي يقول ( الذي خفي من سرقاته أكثر مما قام منها على كثرتها !!))

ومن الشعراء الذين اخذ منهم أبو تمام .
الكميت الأكبر :
ولاتكثروا فيه اللجاج فانه محا السيف ماقال ان داره اجمعا (2)

أخذه أبو تمام فقال :
السيف اصدق أنباء من الكتب (3)

وقال النابغة يصف يوم الحرب(4) :

تبدو كواكبه والشمس طالعة لاالنور نو ولا الإظلام إظلام
أخذه أبو تمام
ضوء من النار والظلماء عاكفة وظلمة من دخان في ضحى شحب
فالشمس طالعة من ذا وقد افلت والشمس واجبة من ذا , ولم تجب (5)
وقال الأعشى
وإن صدور العيس سوف يزوركم ثناء على أعجازهن معلق
أخذه أبو تمام فقال
من القلاص اللواتي في حقائبها بضاعة غير مزجاة من الكلم (6)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
1- مرجع سابق – الصناعتين -192
2- كان ابن دره وهو سالم بين مسافع بن عقبة بن يربوع – قد هجا فزارة هجاء مقذعا فبلغ هجاءه زميل بن ابير احد بني عبد الله بن ناف الفزاري ,فحلف آلا ياكل لحما ولايغسل راسه ولا يأتي امراه حتى يقت لابن دارة . ثم امكنته فيه الفرصة فقتله وي مقتل ابن دارة يقول الكميت بن ثعلبة هذا البيت وهو الكميت الاكبر( الموازنة ص 52.
3- ديوانه 342
4- وذكر صاحب الصناعتين ص197 أن النابغة اخذ هذا البيت من قول وهب ابن الحارث بن زهره
5- في ذكر ضوء النهار وظلمة الدخان في حريق - الموازنة ص 53
6- مرجع سابق - الموازنة 54 - البيت من قصيدة يمدح فيها مالك بن طوق أولها سلم على الربع من سلمى بدي سلم عليه وسم من الأيام والقدم


وقال البعيث :
وإنا لنعطي المشرفية حقها فتقطع في إيماننا وتقطع

أخذه أبو تمام فقال :
فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة فقطعها ثم انثنى فتقطعا

وقال أبو تمام :

وركب كأطراف الأسنة عرسوا على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبه (1)

أخذ صدر البيت الأول من قول كثير : وركب كأطراف الأسنة عرجوا قلائص في اصلابهن نحول
واخذ معنى البيت الثاني من قول الآخر :
غلام وغى تقحمها فأبلى فخان بلاءه الدهر الخؤون
فكان على الفتى الاقدام فيها وليس عليه ماجنت المنون

وقال ابو تمام :
والشيب ان طرد الشباب بياضه كالصبح احدث للظلام افولا

اراد قول الفرزدق :
والشيب ينهض بالشباب كأنه ليل يصيح بجانبيه نهار(2)

سئل دعبل عن أبي تمام فقال ثلث شعره سرقة وثلثه غث وثلثه صالح ((3)
وعن موسى بن حماد قال : كنت عند دعبل .. فذكرنا أبا تمام فجعل يثلبه ويزعم انه يسرق الشعر .. وانه سرق قصيدة مكنف أبي سلمي من ولد زهير ابن أبي سلمى في رثاء ذفافة العبسي :
أبعد أبي العباس يستعذب الدهر ومابعده للدهر حسن ولاعذر
ألا أيها الناعي ذفافة والندى تعست وشلت من أناملك العشر
أتبغني لنا من قيس عيلان صخرة تفلق عنها من جبال العدى الصخر ((4 ) مشكلة السرقات الأدبية مصطفى 38 )

ثم قال دعبل سرق أبو تمام أكثر هذه القصيدة فأدخلها في شعره .

وليس دعبل وحده الذي يهاجم أبو تمام ويتتبع سرقاته بل إن كثيرا من النقاد فعلو ذلك أيضا فالمرزباني يقول ( وللطائي – يقصد أبا تمام – سرقات كثيرة أحسن في بعضها وأخطأ في بعضها الآخر . ولما نظرت في الكتاب الذي ألفه في اختيار الأشعار وجدته قد طوي أكثر إحسان الشعراء وإنما سرق بعض ذلك فطوى ذكره , وجعل بعضه عدة يرجع إليه في وقت حاجته , ورجاء أن يترك أكثر أهل المذاكرة أصول أشعارهم على وجوهها ). الموشح
ويذكر ابن الرشيق أيضا أن أبا تمام كان يسرق شعر ديك الجن يقول : (( وديك الجن وهو شاعر الشام – لم يذكر مع أبي تمام إلا مجازا وهو أقدم منه . وقد كان أبو تمام اخذ عنه أمثلة من شعره يحتذى عليها فسرقها ). (5)العمدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
1- مرجع سابق – العمدة - 287
2- مرجع سابق – الموشح – ص 200
3-مرجع سابق – مشكلة السرقات – مصطفى 38
4- هامش الموشح ص ((..الموازنة قال ثلث شعره محال وثلثه مسروق وثلث صالح ))
5- مرجع سابق – العمدة 278




هذه هي بعض هجمات المتعصبين على ابي تمام مع انه ينفي السرقة عن شعره فيقول في قصيدة له :
منزهة عن السرق المورى مكرمة عن المعنى المعاد

وعلى الرغم من ذلك نجد أن سرقات أبي تمام كثيرة متنوعة لايستطاع إنكارها كما انه ليس في المستطاع إنكار بدائعه ,
وقد كان موقف النقاد من البحتري شبيها إلى حد كبير بموقفهم من أبي تمام , فهناك المتغالون المتعصبون عليه كابن أبي طاهر الذي ادعى انه اخرج للبحتري ستمائة بيت مسروق منها ما أخذه من أبي تمام خاصة مائة بيت ) (1)

وموضع سرقة البحتري من أبي تمام يؤكده أغلب النقاد ولهم على ذلك أدلة عملية وكثيرا ماهوجم البحتري من هذه السبيل , فالامدي يقول إن ( من أقبح المساوئ أن يعتمد الشاعر على ديوان رجل واحد من الشعراء فيأخذ من معانيه ما اخذ البحتري من أبي تمام ولو كان عشرة أبيات فكيف والذي أخذه منه يزيد على مائة بيت !!)( 2 )

ومن المتعصبين على البحتري أيضا أبو الضياء بشر بن تميم الكاتب , وقد استقصى سرقات البحتري ( حتى جاوز ماليس بمسروق ) كما يقول الامدي ويقول في موضع آخر ( إنه ل يقنع بالمسروق الذي يشهد التأمل الموازنة

الصحيح بصحته حتى تعدى ذلك إلى التكثير والى أن ادخل في الباب ماليس منه ) (3)

هذا مع أن البحتري يقول إن الشعراء يسرقونه ويهاجمهم لذلك فيقول (4)

رمتني غواة الشعر من بين مفحم ومنتحل مالم يقله مدعي
ويروي النقاد د مثالا يصدق قول البحتري فهم يذكرون أنه حين كتب قصيدته في أبي العباس بن سطام والتي أولها :
من قائل للزمان ما أربه في خلق منه قد خلا عجبه
عارضه فيها أبو احمد عبيد الله بن طاهر بقصيدة يمدح بها الموفق أولها :
أجد هذا المقام أم لعبة أم صدق ماقيل فيه أم كذبه
فاستعار من ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري فيه :
ما الدهر مستنفذ ولاعجبه تسومنا الخسف كله نوبه
نال الرضا مادح وممتدح فقل لهذا الأمير ما غضبة
أجلى لصوص البلاد يطردهم وظل لص القريض ينتبه
اردد علينا الذي استعرت وقل قولك يعرف لغالب غلبه ,,, (5)

وعلى الرغم من هذا كله يهاجم النقاد البحتري ويتهمونه بسرقات كثيرة .
ومن هذه السرقات سرقته من أبي تمام تلك التي يؤكدها النقاد والرواة – قوله
وسألت من لايستجيب فكنت في استخباره كمجيب من لايسأل

أما بيت أبي تمام فهو قوله :

فواء إجابتي غير داع ودعائي بالقفر غير مجيب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ1- مرجع سابق – الموازنة – ص 55
2- المرجع السابق – ص56
2- المرجع السابق –ص56
3- المرجع السابق - ص57
4- : يقول ابن رشيق انه قسمهم ثلاثة أقسام : مفحم قد عجز عن الكلام فضلا عن التحلي بالشعر غير انه يتبع الشعراء , والآخر منتحل لأجود من شعره , الثالث مدع جملة لايحسن شيئا هامش العمدة 334
5- مرجع سابق - مشكلة السرقات - ص 51
واخذ من بيت أبي تمام :

رأيت رجائي فيك وحدك همه ولكنه في سائر الناس مطمع الورد (1)

فقال البحتري (2:)
ثني أملي فاختاره عن معاشر يبيتون والآمال فيهم مطامع

قال أبو تمام : (3)
وقد قرب المرمى البعيد رجاؤه وسهلت الأرض العزاز ركائبه
فقال البحتري :4
أدار رجاه فاغتدى جندل الفلا ترابا وقد كان التراب جنادلا من قصيدة له يمدح فيها محمد بن يوسف والجندل ههنا الصخر

وقال أبو تمام (:5)
رافع كفه لسبري فما احسبه جاءني لغير اللطام من قصيدة له يمدح فيها سليمان بن نصر واللطام المضاربة على الخد

وقال أبو تمام :6)

فوفرت يافوخ الجبان على الردى وزدت غداة الروع في نجدة النجد
هامش.

فقال البحتري( 7):

ويغدو ونجدته في الوغى تدرب نجدات فرسانه .

وقد اعقبت الحركة النقدية التي أحدثها البحتري وأبو تمام حركة نقدية أخرى كان المتنبي صاحبها وكان موضوع السرقات هو الجانب الأساسي فيها تماما كالحركات النقدية التي سبقتها .
وقد ظهر المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس كما يقول الثعالبي . ونشط النقاد في تتبع محاسنه أو مساوئه أو التوسط بينه وبين مخاصميه. ولعل الحركة النقدية التي أحدثها المتنبي تعد أضخم الحركات التي مرت بنا في تاريخ النقد العربي يشهد على ذلك الكم الهائل من الدراسات والبحوث التي قام بها العلماء الذين عاصروه والذي جاءوا من بعده
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - الموازنة ص 288 ,,الورد الأسد الذي لونه لون الورد الذي يشم.
2- من قصيدة له يمدح فيها الفتح بن خاقان.
3- من قصيدة له يمدح فيها أبا العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب العزاز الأرض الصلبة
4- من قصيدة له يمدح فيها محمد بن يوسف والجندل هنا الصخر
5- من قصيدة له يمدح فيها سليمان بن نصر واللطام : المضاربة على الخد
6- من قصيدة يمدح فيها حفص بن عمر الأزدي ووثرت : ثبت واليفوخ مابين عظم الجبهة والجدارن من الرأس والمراد بهذه العبارة انه شجع الجبان على اقتحام الاهوال والردى الهلاك والنجد الشجاع يعني انه كان كثيرا للجبان حتى تشجع ومعينا للشجاع ليزداد في اقدامه
7- من قصيدة له يمدح فيها احمد بن سلمان بن اخت أبي الصقر... الوغى : الحرب .


ولئن كنا قد رأينا من قبل تغاليا في الروايات التي تتناول سرقات أحد شعراء الكبار الذين عرضنا لهم في هذا المبحث فاننا سنجد في الروايات التي تناولت سرقات المتنبي مغالاة فاقت الحد والسبب في ذلك هي مكانة المتني العظيمة التي احتلها بين أدباء عصره وهذه المكانة أوغرت صدور كثير من النقاد والشعراء فحاولوا هدم أدبه بدافع الغيرة والباطل في ثوب العلم والتحري عن الحقائق .

وأول المهاجمين للمتنبي هو أبو القاسم اماعيل بن عباد الذي إلف رسالة موضوعها ( الكشف عن مساوئ شعر المتنبي ) ويتهم فيها المتنبي لابسرقة الشعر القديم فحسب , بل انه يغير أيضا على شعر المحدثين ويدعي الجهل بهم .
والسرقة ليست اتهاما عند الصاحب ولكن نكرانها هو موضع الاتهام ( فأما السرقة فما يعاب بها الاتفاق شعر الجاهلية عليها , ولكن يعاب إن كان يأخذ من الشعراء المحدثين – كالبحتري وغيره – جل المعاني , ثم يقول : لا اعرفهم ولم أسمه بهم , ثم ينشد أشعارهم فيقول ك هذا شعر عليه أثر التوليد !).

ومن الذين هاجموا المتنبي من هذه الناحية أيضا أبو سعيد محمد ابن احمد العميدي صاحب كتاب ( الإبانة عن سرقات المتنبي لفظا ومعنى ) فهو يقول عن المتنبي : ( ولقد تأملت أشعاره كلها فوجدت الأبيات التي تفتخر بها أصحابه وتعتبر بها آدابه من أشعار المتقدمين منسوخة ومعانيهم من معانيهم المخترعة مسلوخة )


ومن المعروف أن اتهام المتنبي بسرقة أشعار الطائيين وعلى الأخص شعر أبي تمام اتهام شائع بين الكثير من النقاد, وقد أوردوا على ذلك الكثير من الشواهد
يقول الجرجاني في الوساطة ( وقلت إنما عمد إلى شعر أبي تمام فغير ألفاظه , وأبدل نظمه , فأما المعاني فهي
تلك بأعيانها أو ماسرقه من غيرها) .(2)

ومن الشواهد التي استشهد بها الرواة في سرقات المتنبي
قول أبي تمام

ولولم يكن في كفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله
فقال أبو الطيب :
يأيها المجدي عليه روحه إذ ليس يأتيه لها استجداء (3)

قال أبو تمام :
لوحار مرتاد المنية لم يجد إلاالفراق على النفوس دليلا

قال أبو الطيب
لولا مفارقة الأحباب ماوجدت لها المنايا إلى أروحنا سبلا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق – مشكلة السرقات - ص 56
2- مرجع سابق - الوساطة ص179 .
3- إعطاءه العفات جمع عاف هو الفقير السائل وهو طالب المعروف
ويقول صاحب الوساطة (( وبيت أبي تمام املح لفظا واصح سبكا وزاد أبو الطيب بقوله انه يجدي عليه روحه ..ولكن في اللفظ قصور والأول نهاية الحسن ثم نقل المعنى عن الروح إلى الجسد فقال :
أو اشتهت لحم قاربها لبادرها خرادل منه في الشيزي وأوصال (( القاري المضيف حرادل بالذال والدال القطع ,,والأوصال جمع وصل وهو كل عظم لايكسر ولايخلط به غيره الشيزى جفان تصنع من خشب اسود
وهذا هو الأول فمن جاد بأوصاله فقد جاد بروحه .



وقال الأعشى

لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر

وقال أبو الطيب :
فذقت ماء حياء من مقبلها لو صاب تربا لاحيا سالف الأمم ..1
(( كل ماسبق الوساطه ص 224-225))
ويقول ابن الأثير أن بيت المتنبي فيها :
لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته إن كان أسلمها الأصحاب والشيع

مأخوذ من بيت أبي تمام في قصيدته تلك :

ماغاب عنكم من الأقدام أكرمه في الروع إذ غابت الأنصار والشيع 2

ويذكر النقاد انه قد سرق من قول جرير
فلا يمنعنك من ارب لحاهم سواء ذو العمامة والخمار

وبيت المتنبي
مابال هذي النجوم حائرة كأنها العمى مالها قائد

مأخوذ من قول العباس بن الأحنف :
والنجم في كبد السماء كأنه أعمى تحير مالديه قلائد



ولعل المتنبي كان أكثر الشعراء استهدافا لاتهامه بسرقة معانيه من أقوال الفلاسفة والحكماء حتى إن أبا علي محمد بن الحسن الحاتمي قد كتب رسالة خاصة في ذلك .أورد فيها من معاني المتنبي ماجاء موافقا لقول ارسطو في حكمته ولم يكن هدفه من ذك التجني على المتنبي ( ولكن ليستدل بها على فضله في نفسه وفضل علمه وأدبه وإغراقه في طلب الحكمة ) كما يقول..
وقد أورد الحاتمي خمسين حكمة لأرسطو وما يقابلها في شعر المتنبي , فمن ذلك قول ارسطو (آخر التوقي أول موارد الحتوف ) وقول المتنبي :
وغاية المفرط في سلمه كغاية المفرط في حربه ..4


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - الوساطه ص 224-225
2- المرجع السابق 226
3-ويعقب ابن الأثير على هذه السرقة بقوله (( وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة فإنه لم يكتف الشاعر بان يسرق المعنى حتى ينادي علي نفسه انه قد سرق )) المثل السائر.
ويعقب القاضي الجرجاني على هذه السرقة فيقول ( وهذا من أقبح مايكون من السرق لانه يدل على نفسه باتفاق المعنى والوزن والقافية
4- ويعقب الثعالبي على هذه السرقة بقوله (وهذه مصالته لاسرقة وهي مذمومة جدا عند النقاد ).



المبحث السابع
السرقات في العصر الحديث :
السرقات في الفكر النقدي الحديث تهتم بالكليات، فالنقاد الغربيون لا ينظرون إلا في السرقات من الجانب الكلي أي النص بكامله أو بتحوير طفيف، عكس النقاد العرب المتقدمين، الذين كانوا يركزون على السرقات الجزئية لندرة وقلة السرقات في جانبها الكلي، وفي عصرنا هذا أصبحت السرقات على مستوى المعاني والجمل لا تكاد تأخذ حيزا كبيرا في الفكر النقدي، اللهم ما ندر على مستوى التناص، والذي أصبح يدرج ضمن الوظائف الجمالية لا السرقات الأدبية، ويقول محمد مندور: "وأخيرا هناك السّرقات، وهذه لا تطلق اليوم إلاّ على آخذ جمل أو أفكار أصلية، وانتحالها بنصّها دون الإشارة إلى مأخذها، وهذا قليل الحدوث في العصر الحديث، وبخاصّة في البلاد المستنيرة " ، فالنقد الحديث لا يولي أهمية لسرقة تتم على مستوى الجزئيات، والاهتمام البالغ هو حول السرقة المجملة، وإن كنا نجد في النقد التناص اهتماما ببعض الجزئيات، ولكنها لا تنزل إلى مانزل إليه النقد القديم إلى أبسط المعاني.
ونجد محمد مندور يضع حدودا للسّرقة لكنّها أقل مما قلناه عند العلماء المتقدمين، ويصنفها إلى
(استيحاء، استعارة الهياكل، التّأثر، السّرقة)
- "الاستيحاء: وهو أن يأتي الشّاعر،أو الكاتب بمعان جديدة تستدعيها مطالعاته فيما كتب الغير.
- استعارة الهياكل: كأن يأخذ الشّاعر أو الكاتب موضوع قصيدة، أو قصّة من أسطورة شعبية،أو خبر تاريخي،ويبعث فيها الحياة في هذا الهيكل حتّى ليكاد يخلقه من العدم.1
- التّأثّر: وهو أن يأخذ شاعر، أو كاتب بمذهب غيره في الفنّ، والأسلوب، ولقد يكون هذا التّأثّر تتلمذا، كما قد يكون عن غير وعي، إنّما النّقد هو الذي يكشف عنه.
- وأخيرا هناك السّرقات، وهذه لا تطلق اليوم إلاّ على آخذ جمل أو أفكار أصلية، وانتحالها بنصّها دون الإشارة إلى مأخذها، وهذا قليل الحدوث في العصر الحديث،وبخاصّة في البلاد المستنيرة" .2
فالسّرقة في النّقد العربيّ القديم كانت في أخذ الألفاظ، والمعاني حتّى وإن حورت قليلا أو كثيرا، أو أخذ المعنى بلفظه، أما في عصرنا هذا فحسب محمد مندور، وهو ما نراه أنّ السّرقة أصبحت لا تسمّى سرقة أدبيّة إلاّ بأخذ العمل كلّه، أو تحويره قليلا من قبيل الانتحال والسّرقة لا على طريق الاقتباس المشروع، والّذي يدلّ على صاحبه،ويستأذن منه في ذلك.
أما محمد مفتاح فإنّه يضع مفاهيم (التّطابق، التّحاذي، التّداخل، التّفاعل، القلب)،كمفاهيم ذات وظائف جمالية وإيديولوجية، وهي ستتركنا نعتبر أنّ ما استند إليه الشّاعر ليست نقولا مبعثرة هلهلت نسيج الكتاب، وهي تبرير لهذا
2- "التّحاذي: [ومعنى هذا أنّ النّصوص السّابقة تكون] متحاذية مع نصّ الشّاعر،أو نصّ غيره،وقد تكون في البداية، أو الوسط،أو النّهاية، ومقياسه هو أنّ النّصّ الّذي جيء به ليحاذي غيره يحافظ عليه كما هو في أصله بدون تبديل أو تغيير أو تحويل أو حذف" .
3- "التّداخل: ونعني به تداخل نصوص الآخرين مع نصوص الشّاعر مع تغييرها، وتبديلها، وتحويلها،والحذف منها، وقد تحتل فضاء معيّنا في النّصّ،وقد تكون مثبتة في فضائه كلّه" ..3








ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ


1- ـ النقد.. والدلالة: نحو تحليل سيميائي للأدب ـ محمد عزام - وزارة الثقافة ـ دمشق 1996- ص 33
2- النص الغائب تجليات التناص في الشعر العربي – محمد عزام – اتحاد الكتاب العرب – دمشق 2001-ص 57
3-المرجع السابق 58ص



- "التّفاعل: هذا النّوع من التّداخل إلى أقصى صوّره إلى تفاعل النّصوص بدمج بعضها في بعض حتّى تستحيل تلك النّصوص إلى نصّ واحد متماسك متّسق، ونستطيع أن ندرج هذا التّفاعل إلى درجتين على الأقلّ:
 أوّلهما تفاعل مزدوج: ونعني به تفاعل الشّاعر مع كاتب آخر حتّى يصيرا كأنّهما واحد.
 ثانيهما تفاعل متعدّد: أي تفاعل نصوص الشّاعر مع النّصوص المتعلقة بموضوعة الحب" أي كلّ النّصوص التي لها علاقة بالحبّ على تعدّد قائليها.
5- "القلب: الرّسام أو الشّاعر في كتاب الحبّ هدفا إلى تبليغ رسالة تصوّر وضعا مقلوبا فيتبين هذا الوضع المقلوب بالمقارنة بين الرّسمين الأوّل والأخير،والقصائد الأولى والقصيدة الأخيرة إنّها رسالة عن انقلاب،وتبدّل الأحوال" 1

ويشير محمد مفتاح إلى أنّ المفاهيم (التّطابق، التّحاذي، التّداخل، التّفاعل) لو اعتمد عليها الشّاعر لكانت رسالة عملها محدودة القيمة، ولتماثل عملها مع الأعمال القديمة، والحديثة، ويعطي أهمية لعملية القلب ،وما نعقب به على القول الأخير القائل بأنّ القلب له أهمية أكثر من التّطابق، والتّحاذي، والتّفاعل، والتّداخل، فمحمد مفتاح أهمل جانبا مهمّا، وهو أنّ الشّاعر إذا عمل بمفهوم القلب، وتبعه كلّ الشّعراء بهذا المفهوم، فإن أعمالهم تقع متطابقة،فمثلا الجيل الأول قال معنى، الجيل الثاني يقلبه، الجيل الثالث يقلب معنى الجيل الثاني، وهنا يتطبق معنى الجيل الثالث والجيل الأول وهكذا دواليك، وما قلناه عن الأجيال يقال عن الكتاب في عصر واحد أو أعصر متباعدة، أمر آخر هنا وجب ذكره وهو أنه وفق مبدأ محمد مفتاح الكتاب والشعراء سيقلبون معنى واحدا، أو غيره، فستتطابق حتما هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ القلب لمفهوم سيقع في تطابق مع نصّ أو نصوص هي عكس النّصّ المقلوب الأصلي، وهو ما سيجعل التّطابق بالقلب إن صّح التعبير عملية دورية قد يكون طول موجتها جيل أو أقل، وهذا بالتّعبير الرياضي والفزيائي، وندرج ما قاله محمد مفتاح في خانة التّبرير عند الأخذ لا أكثر، وتطابق النّصوص والتّعابير.
وما قاله محمد مندور، ومحمد مفتاح في تقسيمات السرقات الأدبية لا يخرج لما قاله النقاد المتقدمون العرب، بل هو وجه من أوجه اختصارها فقط، ويمكن للقارئ المقارنة بينها وبين ما أوردنا من تقسيمات عند النقاد المتقدمين.
وفي عصرنا الحالي أصبح السّارق الأدبيّ لا يختلف عن سارق الذّهب والمال، وقد يعاقب بغرامة أو ما وضعه القانون من مواد لمعاقبته إذا أدين، وأصبح بإمكان صاحب النّصّ الأصلي أن يجرّ من رآه تعدى على نصّه إلى المحاكم، وأصبح ما يعرف بحقوق الملكية الفكرية، وديوان يحفظ هذه الحقوق، وهناك دواوين خاصة بالملكية الفكرية، وتمنح شهادات تؤكد ملكيتها لصاحبها، وكأنها عقار أو مال،...، أو غيرها من الملكيات العينية، وإن رأى صاحبها الاعتداء عليها بالاقتباس دون إذن أو أخذها بتحوير ولو كان طفيفا، أو توظيف جزء من الفكرة،...، فله أن يطالبه في المحاكم،.2
وحل التناص في الفكر النقدي الحديث محل السرقات الأدبية، " وجذور التّناصّ ترجع إلى مفهوم الحوارية التي وضعها النّاقد الرّوسي ميخائيل باختين- 1975م)، وكان قد وضع هذا النّوع في العقود الثّلاثة الأولى من القرن الماضي ، فلقد وجدنا عدة تعاريف ومنها تعريف الدكتور سمير سعيد حجازي الذي عرفه بقوله :" التناص هو مفهوم يدل على وجود نص أصلي في مجال الأدب والنقد أو العلم على علاقة بنصوص أخرى وأن هذه النصوص قد مارست تأثيرا مباشرا أو غير مباشر على النص الأصلي في مرحلة تاريخية محددة" ، وعرفه صبري حافظ بما نصه :"التناص هو" التفاعل بين النصوص من خلال الإحلال أو الإزاحة أو الترسيب" ، وعرفه محمد عزام بقوله:" التناص تشكيل نصّ جديد من نصوص سابقة أو معاصرة، بحيث يغدو النّص المتناصّ خلاصة لعدد من النصوص التي تمحي الحدود بينها، وأعيدت صياغتها بشكل جديد، بحيث لم يبق من النصوص السابقة سوى مادتها، وغاب (الأصل) فلا يدركه إلا ذوو الخبرة والمران" . 3
وبعد هذه التعاريف ، يخلص لنا أن التناص: هو دخول نصين أو أكثر في علاقات مختلفة ( شرح وتفسير، معارضة، استشهاد،...)، وبكيفيات مختلفة ( ظاهرة، خفية )، وهذه النصوص المتفاعلة قد تكون لنفس الكاتب، أو لكتاب آخرين باختلاف الزمان والمكان، وبطريقة عفوية (اعتباطية)، أو بطريقة مقصودة، وبأشكال متنوعة بين الاجترار، الامتصاص، والمعارضة والحوار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - ـ النقد.. والدلالة: نحو تحليل سيميائي للأدب - 43
2- المرجع السابق -44
3- المرجع السابق - 45

بنت طيبه
29-06-2010, 05:11 AM
الفصل الثاني

( موقف النقاد حول قضية السرقات وأهم الدراسات المنهجية في السرقات الأدبية)


أهم الدراسات المنهجية للسرقات

يذهب بعض الباحثين الى أن دراسات السرقات دراسة منهجية لم تظهر إلا عندما ظهر أبو تمام ويميل محمد مندور إلى هذا الرأي استنادا لأمرين :

أولا : قيام خصومة عنيفة حول أبي تمام , والثابت لدينا أن مسألة السرقات قد اتخذت سلاحا قويا للتجريح حتى الفت كتب عدة لاحراج السرقات .
ثانيا : أن مؤيدي أبي تمام , وأصحابه عندما قالوا أن شاعرهم اخترع مذهبا جديدا وأصلح إماما فيه , لم يجد خصوم هذا المذهب سبيلا إلى رد ذلك الادعاء . خيرا من أن يبحثوا للشاعر عن سرقاته ليدلوا على أنه لم يجدد شيتا إنما اخذ من غيره وأفرط . ( 1)

ويرى الدكتور مصطفى هدارة إن هذا الرأي صحيحا فالدراسة المنهجية قد ظهرت قبل وجود الحركة النقدية حول أبي تمام . فأول كتاب ألف في السرقات هو كتاب (( سرقات الكميت من القران وغيره ).(2)
. وتبعه ابن السكيت توف 240هـ .فألف كتاب ( سرقات الشعراء وما اتفقوا عليه ) وبعد ذلك ألف الزبير بن بكار عبد الله القرشي ( توفي سنة 256 هـ ( إغارة كثير على الشعراء ) (3) .
.
وكل هذه الكتب تدل على أنها قامت على دراسة منهجيه , وكانت هذه الحركة قبيل الحركة النقدية التي واكبت أبي تمام

ومادمنا بصدد الحديث عن مناهج النقاد , فقد يكون من المفيد للبحث العلمي إن نتناول هذه المناهج بحسب نوع الكتب التي تتصدى للحديث عن السرقات – وان كنا في الوقت ذاته لن نهمل التتابع التاريخي في تأليف هذه الكتب..
ويمكننا أن نقسم هذه المؤلفات التي تعرضت للسرقات الأقسام التالية : (4)
1- كتب الطبقات والتراجم
2- كتب الأدب
3- كتب البلاغة
4- كتب إعجاز القران
5- كتب السرقات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- مرجع سابق - مشكلة السرقات ص 75
2- لابي محمد عبد الله بن يحيى المعروف بابن كناسة المتوفي سنة 207 ه
2- مرجع سابق - السرقات الأدبية - بدوي طبانه ص
4- مرجع سابق – مشكلة السرقات ص 75





المبحث الأول
أولا : كتب الطبقات والتراجم :
من البديهي أن لانجد دراسة منهجية للسرقات في كتب التراجم والطبقات وبالتحديد طبقات الشعراء لأنها لاتختص بالحديث في مثل هذه المشكلات النقدية وإنما يعرض فيها الحديث عن السرقات عند الكلام على اتجاهات الشعراء في معانيهم ولعل كتاب طبقات الشعراء لمحمد سلام الجمحي هو أول كتب النقد التي وصلتنا ,

وقد عرض للسرقات بصورة عابرة في حديثة عن الشعراء وفي الوقت نفسه هناك نظرات له في موضوع السرقات يمكن حصرها فيما يلي :
أولا : ابن سلام(1) يقر أن هناك سرقات حدثت في العصر الجاهلي بقوله ( كان قراد بن حنش من شعراء غطفان وكان جيد الشعر وقليله وكانت شعراء غطفان تغير على شعره وتدعيه ) (2) ويؤكد ذلك بأبيات سرقها زهير بن أبي سلمى من هذا الشاعر
ثانيا : فطن ابن سلام إلى فكرة الاقتباس والتضمين , فهو يروي عن خلف انه سمع أهل البادية من بني سعد يروون بيت النابغة للزبرقان بن بدر :
تعدو الذئاب على من لاكلاب له وتتقي مربض المستنفر الحامي(3)
فسأل أن سلام أيضا عن البيت : ( هو للنابغة أظن الزبرقان استزاده في شعره كالمثل حين جاء موضعه , ولامجتلبا له . وقد تفعل ذلك العرب ليريدون به السرقة ) (4)
فطن ابن سلام أيضا إلى اختلاف الرواية يؤدي أحيانا إلى فكرةالسرقات . فبنو عامر تروي بيتا للنابغة الجعدي في حين أن بعض الرواة ينسبونه إلى أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي . وبعض الرواة ينسبون أبيات لأمية بين أبي الصلت في حين أن بعضهم الأخر يرونها للنابغة الجعدي .(5)
رابعا : تنبه ابن سلام إلى فكرة المعنى الذي تداول حتى استفاض وصار كالمشترك فهو يقول أن امرئ القيس ( سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنها العرب واتبعته فيها الشعراء منه استيقاف صحبه , والبكاء في الديار , ورقة النسيب وثرب الأخذ , وشبه النساء بالضباء والبيض , والخيل بالعقبان والعص وقيد الآوابد ...) (6)
هذه هي نظرات ابن سلام في موضوع السرقات وهي نظرات ستؤثر فيمن أتى بعده من النقاد كما سنرى .
الشعر والشعراء لابن قتيبة
والكتاب الذي وصل إلينا بعد كتاب ابن سلام هو كتاب ابن قتيبه (الشعر والشعراء ) ويعد من كتب الطبقات أيضا لايعتمد السرقات بالدراسة والبحث ولكنه يعرض لها في أكثر من موضع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- ابن سلام الجمحي
2- مرجع سابق - طبقات الشعراء 147-
3- ديوانه
4- مرجع سابق - طبقات الشعرء 17
5- المرجع السابق 27.
6- المرجع السابق 16.





ويمكن حصر نظراته في السرقات فيما يلي :

ردد مقاله ابن سلام فيما يتعلق بفكرة المعنى الذي تتداول حتى استفاض وصار كالمشترك . ولكنه وسع من معنى هذه الفكرة بعدد أن حدد طريقتها وواضح منهجها , (1). وردد أيضا ماقاله ابن سلام عن امرئ القيس , وأورد كثيرا من الامثله ليؤكد كيف أن الشعراء اتبعوه واخذو ا منه . وهو يكاد يحصر الآخذين منه في الجاهليين والإسلاميين فحسب ..(2) .
2- تنبه ابن قتيبه (3) إلى السرقات الخفية , فهو حين يعرض لأخذ الشعراء معنى بيت امرئ القيس :
له أيطلا ظبي وساقا نعامة . (4)
يقول عن المعذل ( وكان أشدهم إخفاء لسرقه )
3- وتنبه أيضا إلى أن زيادة الأخذ على المعنى المأخوذ يتيح له فضل الزيادة فهو يقول ( وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله :
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
حتى قال أبو نواس :
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء
فسلخة وزاد فيه معنى آخر اجتمع له به الحسن في صدره وعجزه فللأعشى فضيلة السبق عليه ولأبي نواس فض الزيادة فيه . (5)
4- أكد ابن قتيبة مافطن إليه ابن سلام من أن اختلاف الرواية قد يؤدي إلى فكرة السرقة فهو يذكر أبياتا لأبي كبير الهذلي ويقول عن الرواة ينسبونها لتأبط شرا ((6))
ويذكر أيضا أن الرواة ينسبون إلى أبي الطمحان القيني أبياتا للقيط ابن زراره (7 )

5- يتضح من السرقات التي أوردناها ابن قتيبه انه كان منتبها إلى قسمين منها لأنه كان يجمع أمثلتها الموحدة .وان كان لايشير إلى القسم الذي تتبعه هذه الأمثلة .فابن قتيبه يشير إلى سرقة الألفاظ كقول امرئ القيس
فلأيا بلأي ماحملنا غلامنا على ظهر محبوك السراة محنب
وقول زهير :
فلأيا بلاى ماحملنا غلامنا على ظهر محبوك ظماء مفاصلة ( 8)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
1- مرجع سابق الشعر والشعراء 14 – 18
2- المرجع السابق 53 – 55
3- ابن قتيبه
4- ديوانه ص
5- مرجع سابق - الشعر والشعرا 134
6- المرجع السابق - 421
7- المرجع السابق - 54
8- المرجع السابق - 447



وهو أيضا يشير إلى سرقة المعاني فهو يقول إن زهير والنابغة أخذا معنى بيت أوس بن حجر :
لعمرك إنا والاخاليف هؤلاء لفي حتبة أظفارها لم تقلم
فقال زهير :
لذى أسد شاكي مقذف له لبد أظفاره لم تقلم
وقال النابغة :
وبنو قعين لامحالة أنهم آتوك غير مقلمي الأظفار (1)
6- تنبه ابن قتيبه إلى أن الإتباع والأخذ يكونان في الطريقة والنهج أيضا دون اللفظ والمعنى , فهو يقول عن مسلم بن الوليد ( وهو أول من ألطف في المعاني ورقق القول , وعليه يعول الطائي (2)
ولعل الجدير بالذكر إن ابن قتيبة لم يستخدم لفظ السرقة في الإسلاميين ومن قبلهم وانه لم يجاري معاصريه في هذا الاستعمال الذي أكثروا منه نقد المحدثين . ولابد أن في صده عن هذا الاصطلاح من حكمة ولعله يرى مايراه القاضي الجرجاني أن ذلك عند القدماء أدنى إلى التوارد منه إلى الإغارة والسلب , أو لعله لايرى لنفسه بت الحكم على شاعر بالسرقة كما فعل القاضي بعده (3 ).
وهذه هي نظرات ابن كتيبة في موضوع السرقات وهي أوسع دائرة من نظرات ابن سلام وإن كانت لاتزال بعيدة عن أن تكون منهجا محددة.
المبحث الثاني
كتب الأدب

وهذه الكتب عامها وخاصها لن تجد فيها دراسة منهجية منظمة لمشكلة السرقات . لأنه لم يكن من شأنها أن تقوم بذلك ولكننا سنجد فيها نظرات عامة تفيد في تتبع مناهج النقاد الذين تعرضوا لمشكلة السرقات نفسها بالدرس والتحليل:
ومن أوائل هذه الكتب

أخبار أبو تمام :
مؤلفة أبي بكر محمد يحيى الصولي ( سنة 335) وأهمية هذا الباحث في تاريخ الأدب والنقد تدعونا إلى الاهتمام بنظراته في مشكلة السرقات كما تفرقت في كتابه ويمكن حصر هذه النظرات وتأليفها في النقاط التالية :
1- يرى الصولي أن الشاعر إذا اخذ معنى ولفظا وزاد عليه ووشحه ببديعه وتمم معناه كان أحق به
2- إذا تعاور الشاعر أن معنى ولفظا أوجمعا هما يجعل السبق لأقدمهما سنا ,وينسب الأخذ إلى المتأخر لأن الأكثر كذا يقع ز وإن كانا في عصر الحق أشبهما كلاما ,فإن أشكل ذك تركوه لهما .
3- يفرق الصولي في السرقات التي ذكرها بين ثلاثة أنواع : سرقة لفظ ,,سرقة معنى ,,,سرقة اللفظ ولامعنى .(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- مرجع سابق الشعروالشعراء- 101
2- المرجع السابق - 528
3- تاريخ النقد الأدبي – احسان عباس – ط1- دار الأمانه ومؤسسة الرسالة – بيروت – 1971 م- ص 177
4- مرجع سابق - مشكلة السرقات - 78

4- وكما يحبذ الصولي زيادة الأخذ على المأخوذ منه يعترض عليه إذا أورد المعنى المأخوذ في بيتين مع وجود أصله في بيت واحد كبيت النابغة الذي زاد معناه ابن جبله , ولكنه جعله في بيتين
ونلاحظ أن كلام الصولي هو صدى للكتب التي تكلمت عن هذا الموضوع ..

المبحث الثالث
ثالثا: الكتب العامة في النقد والبلاغة :
ليست هذه الكتب كسابقتها بعيده عن أن يكون لها منهج معين في دراسة السرقات بل على العكس من ذلك فإننا نتوقع أن تعنى جميعا بدارسة السرقات ويكون لها اتجاه في درسها ..فهذه الكتب تبحث في أمور عامه من النقد والبلاغة وتحاول
استيفاء مافيهما من مشكلات وأبرزها بطبيعة الحال مشكلة السرقات .
1- البديع لابن المعتز ( 296هـ):

ولعل من أوائل الكتب التي وصلت إلينا ,كتاب البديع لابن المعتز وهو من كتب البلاغة الخاصة . ولما كانت مشكلة السرقات لاتزال من مسائل النقد ومشكلاته – في عصر ابن المعتز – ولم تصر بعد إلى البلاغة , ولهذا م يتناولها بدراسته كجزء من علم البديع . ومع ذلك فقد فطن ابن المعتز إلى أن السرقة قد تكون لون من الوان البديع , وذلك حين قرر في كتابه أن أبا تمام سرق قوله :
جلا ظلمات الظلم عن وجه أمه أضاءها من كوكب الحق آفله
من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( الظلم ظلمات ) ولعل هذه الإشارة الأولى لهذا اللون من السرقات الذي شاعر أمره في العصور التأخره . (1)

2- عيار الشعر لابن طباطبا العلوي ( سنة 322 هـ)
ويعتبر هذا الكتاب من أوائل الكتب النقدية التي وصلتنا وصاحبه هو أبو الحسن محمد بن احمد بن طباطبا العلوي
من نقاد القرن الثالث وأوائل الرابع . وقد تعرض في كتابه للسرقات فالتمس العذر للمحدثين (لأنهم قد سبقوا إلى كل معنى بديع ولفظ فصيح , وحيلة لطيفة ,وخلابة ساحرة ) ولهذا السبب أباح للشاعر الاقتداء بأشعار الأقدمين ولكن ( ليس الاقتداء بالمسيء , وإنما الاقتداء بالمحسن )(2) .
ولايبيح ابن طباطبا السرقة على إطلاقها ,أو تصنع المهارة في إخفائها بل ينبغي على الشاعر ألا يغير ( يغير على معاني الشعر فيودعها شعره , ويخرجها في أوزان مخالفة لأوزان الأشعار التي يتناول منها مايتناول , ويتوهم أن تغييره للألفاظ والأوزان مما يستر سرقته أو يوجب له فضيلة ) (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- مرجع سابق - مشكلة السرقات ص 80
2- عيار الشعر ص 12
3- المرجع السابق –ص 3

بنت طيبه
29-06-2010, 05:12 AM
الفصل الثاني

( موقف النقاد حول قضية السرقات وأهم الدراسات المنهجية في السرقات الأدبية)


أهم الدراسات المنهجية للسرقات

يذهب بعض الباحثين الى أن دراسات السرقات دراسة منهجية لم تظهر إلا عندما ظهر أبو تمام ويميل محمد مندور إلى هذا الرأي استنادا لأمرين :

أولا : قيام خصومة عنيفة حول أبي تمام , والثابت لدينا أن مسألة السرقات قد اتخذت سلاحا قويا للتجريح حتى الفت كتب عدة لاحراج السرقات .
ثانيا : أن مؤيدي أبي تمام , وأصحابه عندما قالوا أن شاعرهم اخترع مذهبا جديدا وأصلح إماما فيه , لم يجد خصوم هذا المذهب سبيلا إلى رد ذلك الادعاء . خيرا من أن يبحثوا للشاعر عن سرقاته ليدلوا على أنه لم يجدد شيتا إنما اخذ من غيره وأفرط . ( 1)

ويرى الدكتور مصطفى هدارة إن هذا الرأي صحيحا فالدراسة المنهجية قد ظهرت قبل وجود الحركة النقدية حول أبي تمام . فأول كتاب ألف في السرقات هو كتاب (( سرقات الكميت من القران وغيره ).(2)
. وتبعه ابن السكيت توف 240هـ .فألف كتاب ( سرقات الشعراء وما اتفقوا عليه ) وبعد ذلك ألف الزبير بن بكار عبد الله القرشي ( توفي سنة 256 هـ ( إغارة كثير على الشعراء ) (3) .
.
وكل هذه الكتب تدل على أنها قامت على دراسة منهجيه , وكانت هذه الحركة قبيل الحركة النقدية التي واكبت أبي تمام

ومادمنا بصدد الحديث عن مناهج النقاد , فقد يكون من المفيد للبحث العلمي إن نتناول هذه المناهج بحسب نوع الكتب التي تتصدى للحديث عن السرقات – وان كنا في الوقت ذاته لن نهمل التتابع التاريخي في تأليف هذه الكتب..
ويمكننا أن نقسم هذه المؤلفات التي تعرضت للسرقات الأقسام التالية : (4)
1- كتب الطبقات والتراجم
2- كتب الأدب
3- كتب البلاغة
4- كتب إعجاز القران
5- كتب السرقات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- مرجع سابق - مشكلة السرقات ص 75
2- لابي محمد عبد الله بن يحيى المعروف بابن كناسة المتوفي سنة 207 ه
2- مرجع سابق - السرقات الأدبية - بدوي طبانه ص
4- مرجع سابق – مشكلة السرقات ص 75





المبحث الأول
أولا : كتب الطبقات والتراجم :
من البديهي أن لانجد دراسة منهجية للسرقات في كتب التراجم والطبقات وبالتحديد طبقات الشعراء لأنها لاتختص بالحديث في مثل هذه المشكلات النقدية وإنما يعرض فيها الحديث عن السرقات عند الكلام على اتجاهات الشعراء في معانيهم ولعل كتاب طبقات الشعراء لمحمد سلام الجمحي هو أول كتب النقد التي وصلتنا ,

وقد عرض للسرقات بصورة عابرة في حديثة عن الشعراء وفي الوقت نفسه هناك نظرات له في موضوع السرقات يمكن حصرها فيما يلي :
أولا : ابن سلام(1) يقر أن هناك سرقات حدثت في العصر الجاهلي بقوله ( كان قراد بن حنش من شعراء غطفان وكان جيد الشعر وقليله وكانت شعراء غطفان تغير على شعره وتدعيه ) (2) ويؤكد ذلك بأبيات سرقها زهير بن أبي سلمى من هذا الشاعر
ثانيا : فطن ابن سلام إلى فكرة الاقتباس والتضمين , فهو يروي عن خلف انه سمع أهل البادية من بني سعد يروون بيت النابغة للزبرقان بن بدر :
تعدو الذئاب على من لاكلاب له وتتقي مربض المستنفر الحامي(3)
فسأل أن سلام أيضا عن البيت : ( هو للنابغة أظن الزبرقان استزاده في شعره كالمثل حين جاء موضعه , ولامجتلبا له . وقد تفعل ذلك العرب ليريدون به السرقة ) (4)
فطن ابن سلام أيضا إلى اختلاف الرواية يؤدي أحيانا إلى فكرةالسرقات . فبنو عامر تروي بيتا للنابغة الجعدي في حين أن بعض الرواة ينسبونه إلى أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي . وبعض الرواة ينسبون أبيات لأمية بين أبي الصلت في حين أن بعضهم الأخر يرونها للنابغة الجعدي .(5)
رابعا : تنبه ابن سلام إلى فكرة المعنى الذي تداول حتى استفاض وصار كالمشترك فهو يقول أن امرئ القيس ( سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنها العرب واتبعته فيها الشعراء منه استيقاف صحبه , والبكاء في الديار , ورقة النسيب وثرب الأخذ , وشبه النساء بالضباء والبيض , والخيل بالعقبان والعص وقيد الآوابد ...) (6)
هذه هي نظرات ابن سلام في موضوع السرقات وهي نظرات ستؤثر فيمن أتى بعده من النقاد كما سنرى .
الشعر والشعراء لابن قتيبة
والكتاب الذي وصل إلينا بعد كتاب ابن سلام هو كتاب ابن قتيبه (الشعر والشعراء ) ويعد من كتب الطبقات أيضا لايعتمد السرقات بالدراسة والبحث ولكنه يعرض لها في أكثر من موضع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- ابن سلام الجمحي
2- مرجع سابق - طبقات الشعراء 147-
3- ديوانه
4- مرجع سابق - طبقات الشعرء 17
5- المرجع السابق 27.
6- المرجع السابق 16.





ويمكن حصر نظراته في السرقات فيما يلي :

ردد مقاله ابن سلام فيما يتعلق بفكرة المعنى الذي تتداول حتى استفاض وصار كالمشترك . ولكنه وسع من معنى هذه الفكرة بعدد أن حدد طريقتها وواضح منهجها , (1). وردد أيضا ماقاله ابن سلام عن امرئ القيس , وأورد كثيرا من الامثله ليؤكد كيف أن الشعراء اتبعوه واخذو ا منه . وهو يكاد يحصر الآخذين منه في الجاهليين والإسلاميين فحسب ..(2) .
2- تنبه ابن قتيبه (3) إلى السرقات الخفية , فهو حين يعرض لأخذ الشعراء معنى بيت امرئ القيس :
له أيطلا ظبي وساقا نعامة . (4)
يقول عن المعذل ( وكان أشدهم إخفاء لسرقه )
3- وتنبه أيضا إلى أن زيادة الأخذ على المعنى المأخوذ يتيح له فضل الزيادة فهو يقول ( وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله :
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
حتى قال أبو نواس :
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء
فسلخة وزاد فيه معنى آخر اجتمع له به الحسن في صدره وعجزه فللأعشى فضيلة السبق عليه ولأبي نواس فض الزيادة فيه . (5)
4- أكد ابن قتيبة مافطن إليه ابن سلام من أن اختلاف الرواية قد يؤدي إلى فكرة السرقة فهو يذكر أبياتا لأبي كبير الهذلي ويقول عن الرواة ينسبونها لتأبط شرا ((6))
ويذكر أيضا أن الرواة ينسبون إلى أبي الطمحان القيني أبياتا للقيط ابن زراره (7 )

5- يتضح من السرقات التي أوردناها ابن قتيبه انه كان منتبها إلى قسمين منها لأنه كان يجمع أمثلتها الموحدة .وان كان لايشير إلى القسم الذي تتبعه هذه الأمثلة .فابن قتيبه يشير إلى سرقة الألفاظ كقول امرئ القيس
فلأيا بلأي ماحملنا غلامنا على ظهر محبوك السراة محنب
وقول زهير :
فلأيا بلاى ماحملنا غلامنا على ظهر محبوك ظماء مفاصلة ( 8)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
1- مرجع سابق الشعر والشعراء 14 – 18
2- المرجع السابق 53 – 55
3- ابن قتيبه
4- ديوانه ص
5- مرجع سابق - الشعر والشعرا 134
6- المرجع السابق - 421
7- المرجع السابق - 54
8- المرجع السابق - 447



وهو أيضا يشير إلى سرقة المعاني فهو يقول إن زهير والنابغة أخذا معنى بيت أوس بن حجر :
لعمرك إنا والاخاليف هؤلاء لفي حتبة أظفارها لم تقلم
فقال زهير :
لذى أسد شاكي مقذف له لبد أظفاره لم تقلم
وقال النابغة :
وبنو قعين لامحالة أنهم آتوك غير مقلمي الأظفار (1)
6- تنبه ابن قتيبه إلى أن الإتباع والأخذ يكونان في الطريقة والنهج أيضا دون اللفظ والمعنى , فهو يقول عن مسلم بن الوليد ( وهو أول من ألطف في المعاني ورقق القول , وعليه يعول الطائي (2)
ولعل الجدير بالذكر إن ابن قتيبة لم يستخدم لفظ السرقة في الإسلاميين ومن قبلهم وانه لم يجاري معاصريه في هذا الاستعمال الذي أكثروا منه نقد المحدثين . ولابد أن في صده عن هذا الاصطلاح من حكمة ولعله يرى مايراه القاضي الجرجاني أن ذلك عند القدماء أدنى إلى التوارد منه إلى الإغارة والسلب , أو لعله لايرى لنفسه بت الحكم على شاعر بالسرقة كما فعل القاضي بعده (3 ).
وهذه هي نظرات ابن كتيبة في موضوع السرقات وهي أوسع دائرة من نظرات ابن سلام وإن كانت لاتزال بعيدة عن أن تكون منهجا محددة.
المبحث الثاني
كتب الأدب

وهذه الكتب عامها وخاصها لن تجد فيها دراسة منهجية منظمة لمشكلة السرقات . لأنه لم يكن من شأنها أن تقوم بذلك ولكننا سنجد فيها نظرات عامة تفيد في تتبع مناهج النقاد الذين تعرضوا لمشكلة السرقات نفسها بالدرس والتحليل:
ومن أوائل هذه الكتب

أخبار أبو تمام :
مؤلفة أبي بكر محمد يحيى الصولي ( سنة 335) وأهمية هذا الباحث في تاريخ الأدب والنقد تدعونا إلى الاهتمام بنظراته في مشكلة السرقات كما تفرقت في كتابه ويمكن حصر هذه النظرات وتأليفها في النقاط التالية :
1- يرى الصولي أن الشاعر إذا اخذ معنى ولفظا وزاد عليه ووشحه ببديعه وتمم معناه كان أحق به
2- إذا تعاور الشاعر أن معنى ولفظا أوجمعا هما يجعل السبق لأقدمهما سنا ,وينسب الأخذ إلى المتأخر لأن الأكثر كذا يقع ز وإن كانا في عصر الحق أشبهما كلاما ,فإن أشكل ذك تركوه لهما .
3- يفرق الصولي في السرقات التي ذكرها بين ثلاثة أنواع : سرقة لفظ ,,سرقة معنى ,,,سرقة اللفظ ولامعنى .(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- مرجع سابق الشعروالشعراء- 101
2- المرجع السابق - 528
3- تاريخ النقد الأدبي – احسان عباس – ط1- دار الأمانه ومؤسسة الرسالة – بيروت – 1971 م- ص 177
4- مرجع سابق - مشكلة السرقات - 78

4- وكما يحبذ الصولي زيادة الأخذ على المأخوذ منه يعترض عليه إذا أورد المعنى المأخوذ في بيتين مع وجود أصله في بيت واحد كبيت النابغة الذي زاد معناه ابن جبله , ولكنه جعله في بيتين
ونلاحظ أن كلام الصولي هو صدى للكتب التي تكلمت عن هذا الموضوع ..

المبحث الثالث
ثالثا: الكتب العامة في النقد والبلاغة :
ليست هذه الكتب كسابقتها بعيده عن أن يكون لها منهج معين في دراسة السرقات بل على العكس من ذلك فإننا نتوقع أن تعنى جميعا بدارسة السرقات ويكون لها اتجاه في درسها ..فهذه الكتب تبحث في أمور عامه من النقد والبلاغة وتحاول
استيفاء مافيهما من مشكلات وأبرزها بطبيعة الحال مشكلة السرقات .
1- البديع لابن المعتز ( 296هـ):

ولعل من أوائل الكتب التي وصلت إلينا ,كتاب البديع لابن المعتز وهو من كتب البلاغة الخاصة . ولما كانت مشكلة السرقات لاتزال من مسائل النقد ومشكلاته – في عصر ابن المعتز – ولم تصر بعد إلى البلاغة , ولهذا م يتناولها بدراسته كجزء من علم البديع . ومع ذلك فقد فطن ابن المعتز إلى أن السرقة قد تكون لون من الوان البديع , وذلك حين قرر في كتابه أن أبا تمام سرق قوله :
جلا ظلمات الظلم عن وجه أمه أضاءها من كوكب الحق آفله
من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( الظلم ظلمات ) ولعل هذه الإشارة الأولى لهذا اللون من السرقات الذي شاعر أمره في العصور التأخره . (1)

2- عيار الشعر لابن طباطبا العلوي ( سنة 322 هـ)
ويعتبر هذا الكتاب من أوائل الكتب النقدية التي وصلتنا وصاحبه هو أبو الحسن محمد بن احمد بن طباطبا العلوي
من نقاد القرن الثالث وأوائل الرابع . وقد تعرض في كتابه للسرقات فالتمس العذر للمحدثين (لأنهم قد سبقوا إلى كل معنى بديع ولفظ فصيح , وحيلة لطيفة ,وخلابة ساحرة ) ولهذا السبب أباح للشاعر الاقتداء بأشعار الأقدمين ولكن ( ليس الاقتداء بالمسيء , وإنما الاقتداء بالمحسن )(2) .
ولايبيح ابن طباطبا السرقة على إطلاقها ,أو تصنع المهارة في إخفائها بل ينبغي على الشاعر ألا يغير ( يغير على معاني الشعر فيودعها شعره , ويخرجها في أوزان مخالفة لأوزان الأشعار التي يتناول منها مايتناول , ويتوهم أن تغييره للألفاظ والأوزان مما يستر سرقته أو يوجب له فضيلة ) (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- مرجع سابق - مشكلة السرقات ص 80
2- عيار الشعر ص 12
3- المرجع السابق –ص 3

بنت طيبه
29-06-2010, 05:14 AM
ويخرج ابن طباطبا بفكرة جديدة لها قيمتها حقا في ميدان الأدب والنقد , وهي فكرة التمرس بآثار السابقين لانقلها , أو محاولة السرقة منها . فابن طباطبا يطلب إلى الشاعر أن ( يديم النظر في الأشعار ....لتلصق معانيها بفهمه ,وترسخ أصولها في قلبه , وتصير مواد لطبعه , ويذوب لسانه بألفاظها , فإذا جاش فكرة بالشعر , أدى إليه نتائج ما استفاد مما نظر فيه , من تلك الأشعار ,فكانت تلك النتيجة كسبيكة مفرغة من جميع الأصناف التي تخرجها المعادن , وكما قد اغترف من واد قد مدته سيول جارية من شعاب مختلفة , وطيب تركب من أخلاط من الطيب الكثيرة ,فيستغرب عيانه ويغمض مستنبطه , ويذهب في ذلك إلى مايحكي عن خالد بن عبد الله القسري , فإنه قال : ( حفظني أبي ألف خطبة ثم قال لي تناسها , فتناسيتها , فلم أر بعد شيئا من الكلام إلا سهل علي )فكان حفظه لتلك الخطب رياضة لفهمه , وتهذيبا لطبعه ,وتلقيحا لذهنه , ومادة لفصاحته , وسببا لبلاغته ولسنه وخطابته )(1)
هذه هي الفكرة الجديدة التي قررها ابن طباطبا العلوي وقد كان من المعتقد أن القاضي الجرجاني هو أول من قررها فيما سماه (الدربة ) . ولكننا الآن نعرف المصدر الذي استقى منه القاضي فكرته , لكن القاضي الجرجاني لم يربط فكرة الدربة بالسرقة كما فعل ابن طباطبا ..مشكلة السرقات.
ويضع ابن طباطبا قواعد للسرقة الحسنة فيقرر أن الشاعر إذا تناول ( المعاني قد سبق إليها فأبرزها في أحسن من الكسوة التي عليها , لم يعب بل وجب له فضل لطفه وإحسانه له ) (2)
ووسيلة ابن طباطبا إلى ذلك تنحصر في : (3)
1- ألطاف الحيلة في الأخذ
2- تدقيق النظر في تناول المعاني واستعارتها .
3- تلبيسها حتى تخفى على نقادها والبصراء بها .
4- استعمال المعاني في غير الجنس الذي تناوله منه الشاعر .
5- تناول المعنى اللطيف في المنثور وجعله شعرا .
وقد جعل ابن طباطبا في النقطة الاخيرة من نظم المنثور سرقة حسنه وهو أول من جعلها سرقة حسنه , وقد لاحظ النقاد قبله هذا النوع من السرقة لكنهم لم يجعلوه من السرقات الحسنة .

كتاب الموشح للمرزبان:

وهذا الكتاب للمزرباني (4)(هامش هو أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني ...)
وهو لايعرض في كتابه دراسة منهجية للسرقات لكنه يكثر من أخبارها ويستخدم في سرد هذه الأخبار المصطلحات التي سبق أن استخدمها النقاد المتقدمون عليه كالنسخ والمصالته والانتحال والاجتلاب والاحتذاء والنقل ولكنه يزيد اصطلاحا جديدا وهو ( المسخ ) ويقصد به تقصير الشاعر عن المعنى الذي أخذه من سابقه . يقول المرزباني مثلا إن بيت بشار :
جفت عين يعن التغميض حتى كان جفونها عنها قصار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
- مرجع سابق - عيار الشعر 13او 12
2- المرجع السابق - ص 14
3- المرجع السابق 14ص
3- هو ابو عبيد الله محمد بن عمران المزرباني – الموشح - ص

قد مسخه العتابي فقال :
وفي المآقي انقباض عن جفونهما وفي الجفون عن الاماق تقصير الموشح (1)
ويعيد المرزباني ماسبق أن قرره النقاد من قبل بشأن السرقة الممدوحة والسرقة القبيحة ( ولايعذر الشاعر في سرقته حتى :
1- يزيد في إضاءة المعنى
2- يأتي بأجزل من الكلام
3- يسنح له بذلك معنى يفضح به ماتقدمه ولايفتضح به .
4- وينظر إلى ماقصده نظر مستغن عنه لافقير إليه . (2)

4- كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري.
اهتم أبو هلال بدراسة السرقات في كتابه اهتمام كبير . وقد جعل دراسته في فصلين : الأول في حسن الأخذ والثاني في قبح الأخذ .
ويمكن تلخيص منهج أبو هلال في السرقات فيما يلي
1- جعل أبو هلال المعاني على ضربين : الأول يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إلمام يقتدي به فيه , والآخر يحتذيه على مثال تقدم .(4)
2- يقرر أبو هلال أن الناس لاغنى لهم عن تناول معاني المتقدمين , كما يقرر أن المعاني مشتركة بين العقلاء , فربما وقع المعنى الجيد للسوقي والنبطي والزنجي وإنما يتفاضل الناس في الألفاظ ووصفها وتأليفها ونظمها ,(5)
3- يؤمن أبو هلال بتوارد الخواطر ( فقد يقع للمتأخر معنى سبق إليه المتقدم من غير أن يلم به) (6)

يؤمن أبو هلال بالأخذ الحسن , ويضع له القواعد التالية :
1- أن يكسو المتأخر معنى المتقدم ألفاظ من عنده .
2- أن يصوغه صياغة جديدة ويورده في غير حليته الأولى .
3- أن يزيد في حسنه تأليفه , وجودة تركيبه , وكمال حليته .
4- أن يأخذ معنى من النثر فينظمه
5- أن ينقل المعنى من غرض لآخر .
6- أن يخفي الشاعر سرقته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

1- مرجع سابق الموشح ص 12 و 293 ,106
2- المرجع السابق - 312
3- المرجع السابق 113
4- مرجع سابق الصناعتين – 69
5- المرجع السابق – 196
6- المرجع السابق - 196


يحصر أبو هلال الأخذ القبيح فيما يلي :
1- أخذ المعنى بلفظه
2- اخذ المعنى بأكثر لفظه
3- عرض المعنى الجميل في معرض مستهجن .
4- أخذ البين الواضح بإخفائه .
5- أخذ الموجز المختصر بإطالته من غير زيادة في معناه .

فطن أبو هلال إلى اثر البيئة في تشابه المعاني , وجواز توارد الخواطر , فهو يقول ( وإذا كان القوم في قبيلة واحدة , وفي ارض واحدة فإن خواطرهم تقع متقاربة , كما إن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة ) 0 (1)

وهذه هي القواعد التي ارتكز عليها أبي هلال العسكري في تناوله لمشكلة السرقات والملاحظ أنها مستقاة من الكتب التي تناولت المشكلة عند من سبقوه..

العمدة في صناعة الشعر ونقد لابن رشيق _456)

تناول المشكلة في كتابيه العمدة وقراضة الذهب , ونجد أن منهجه في كتاب العمدة قد استوعب جميع الأفكار التي سبقته ولم يكن له إلا فضل تجميعها وتأكيدها بالأمثلة المختلفة وهذا لاينفي أن له نظرات في السرقات لها قيمتها . فقد قسم المعاني إلى قسمين مخترع : لم يسبق قائله إليه , ومولد يستخرجه من معنى شاعر تقدمه ويزيد فيه زيادة ولايقال له سرقة (2)..
على أن ابن رشيق يضيف إلى ذلك أن الشعراء لازالوا يخترعون إلى عصرنا هذا – أي انه يؤمن بان المعاني لم تنفد – كما يقرر بعض النقاد .
وابن رشيق يهتم بالمصطلحات اهتماما كثير , فهو يبدأ دراسته بإظهار الفرق بين الاختراع والإبداع ويمضي ابن رشيق في تحليل اللفظتين حتى يصل إلى أن الاختراع للمعنى , والإبداع للفظ (3).
ذكر ابن رشيق أن السرق يكون في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر , لافي المعاني المشتركة .

ويذكر ابن رشيق بعد ذلك مواضع الأخذ الحسن هي
1- اختصار المعنى إذا كان طويلا.
2- بسطه إذا كان غامضا .
2- تبيينه إذا كان كزا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1-مرجع سابق – الصناعتين ص 130
2- مرجع سابق – العمدة – ص 176
3- المرجع السابق - 177

3- أن يختار له حسن الكلام إن كان سفسافا .
5- أن يختار له رشيق الوزن إن كان جافيا .
6- صرفه عن وجهه الى وجه آخر .
أما قبح الأخذ عنده فهو ( أن يعمل الشاعر معنى رديا ولفظا مستهجنا ثم يأتي بعده فيتتبعه فيه على رداءته ) (1)
ويهتم ابن الرشيق في سرقة النثر أو نظمه .. وذكر عليها أمثلة كثيرة ..
أورد ابن رشيق مصطلحات كثيرة لأنواع السرقات ..

أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني (471 )

منهج عبد القاهر للسرقات في كتابه (أسرار البلاغة ) تفرق في فصلين يكمل كل منهما الآخر . وهو يجعل المعاني قسمين :

الأول عقلي : ( تتفق العقلاء على الأخذ به والحكم بموجبه في كل جيل ويوجد له أصل في كل لسان ولغة ) (2) ويكون مجراه في الكتابة الأدبية ( مجرى الأدلة التي تستنبطها العقلاء والفوائد التي تثيرها الحكماء ولذلك تجد الأكثر من هذا الجنس منتزعا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضي الله عنهم , ومنقولا من أثار السلف الذين شأنهم الصدق , وقصدهم الحق أو ترى له أصلا في الأمثال القديمة والحكم المأثورة عند القدماء ) (3) .
فمثلا قو المتنبي :
لايسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم .
(معنى معقول لايزال العقلاء يقضون بصحته , ويرى الغارفون بالسياسة الأخذ بسنته ....)(4)

تخييلي : وهو الذي لايمكن أن يقال انه صدق ,وأن ما أثبته ثابت ومانفاه منفي ) ويقول عبد القاهر أن هذا القسم لايحيطه تقسيم لأنه كثير المسالك .
ويمثل له بفول أبي تمام :
لاتنكري عطل الكريم من الغنى فالسيل حرب للمكان العالي
( فهذا قد خيل إلى السامع أن الكريم إذ كان موصوفا بالعلو والرفعة في قدره ,وكان الغني كالغيث في حاجة الخلق إليه وعظم نفعه ,وجب بالقياس أن ينزل عن الكريم نزول السيل عن الطود العظيم . ومعلوم انه قياس تخييل وإيهام ,لاتحصيل وإحكام ..) (5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- المرجع السابق – ص 77
2- اسرار البلاغة - 298
3- المرجع السابق ص 301
4- المرجع السابق ص 302

ومن هذا القسم نوع (يجيء مصنوعا قد تلطف فيه , واستعين عليه بالرفق والحذق حتى أعطى شيئا من الحق , وغشى رونقا من الصدق ) (1)
ويضرب مثلا عبد القاهر بقول بشار :
الشي كره وكره أن يفارقني أعجب بشيء على البغضاء مودود

( هو من حيث الظاهر صدق وحقيقة , لأن الإنسان لايعجبه أن يدركه الشيب ,فإذ أدركه كره أن يفارقه , فتراه لذلك ينكره ويكرهه .....إلا أنك إذا رجعت إلى التحقيق كانت الكراهة والبغضاء لاحقة للشيب على الحقيقة .فإما كونه مرادا ومودودا فمتخيل فيه وليس بالحق والصدق ...)(2)

هذا هو تقسيم عبد القاهر للمعاني وكأنه بذلك قصد المعاني المشتركة والمعاني الخاصة التي تكلم فيها النقاد قبله ..فقد أطلق على المعنى العام (عقلي ) وعلى المعني الخاص( تخييلي )وعلى هذا الأساس ينفي ظن السرقة عن المعنى العقلي , ولايكون إلا في المعنى التخييلي .
وان كان عبد القاهر سينفي السرقة عن هذا أيضا .

ويجعل الاتفاق بين الشاعرين على وجهين :

الأول:أن يكون في الغرض على العموم .وهذا الاتفاق لايدخل في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانه كوصف الممدوح بالشجاعة والسخاء ,وأحسن الوجه والبهاء .


الثاني : الاشتراك في وجه الدلالة على الغرض ,وذلك بأن يذكر مايستدل به على إثباته له الشجاعة والسخاء مثلا . وهذا النوع ينقسم أقساما: منها التشبيه بما يوحد هذا الوصف على الوجه البليغ, والغاية البعيدة كالتشبيه بالأسد

ولهذا فالمستوى الأول (المشترك) لا تقع فيه السرقة ، لأنه ظاهر جلي بحيث لا يصح فيه التفاوت، ولا يحق فيه التفاضل (3) أسرار البلاغة 252.
أما الثاني فهو الخاص الذي يُملّك بالفكر والتعمّل، ويُتوصل إليه بالتدبر والتأمل،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1- المرجع السابق – ص 302
2- المرجع السابق – ص 302
3- المرجع السابق – ص 252





ولذا فقد رأى الجرجاني أن التناص يكمن في عملية صناعة الكلام، وهذا ما يشبه عملية صناعة الجواهر فالمادة الخام هي نفسها، لكن عملية تشكيلها تختلف من صانع إلى آخر، فيصبح الصانع مالكاً لما صنع، لأنه استعار معنى عارياً وكساه بلفظ من عنده(1)
وعند قراءة نص الجرجاني في ميدان الأخذ والاستعانة (2) ، يلاحظ أنه لا يتحدث إلا عن صناعة الشعر، وأثر تشكيله، ثم دوره في تقديم المعاني، ومع أن المقام مقام حديث عن السرقة والأخذ، إلا أن القارئ لا يدرك أن الجرجاني يتحدث عن شيء يمت بصلة إلى (السرقة)، وكل ما ذكره يندرج في قدرة النص الشعري في توظيف معطيات سابقة، وتشكيلها بصورة مختلفة، بحيث يغدو المعنى المشكل مبنى جديداً يوحي بأفق دلالي غير معهود في النص السابق.
وفي ذلك يقول الجرجاني : " فالاحتفال والصنعة في التصويرات التي تروق السامعين وتروعهم والتخيلات التي تهز الممدوحين وتحركهم، وتفعل فعلاً شبيهاً بما يقع في نفس الناظر إلى التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط والنقش، أو بالنحت والنقر، فكما إن تلك تُعجب وتُخلب، وتروق وتُونق، وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها، ويغشاها ضرب من الفتنة، لا ينكر مكانه ولا يخفى شأنه "((3).
) ، ثم يربط الجرجاني بشكل علامي دلالي عجيب بين الافتتان بالأصنام والافتتان بالشعر، فيقول : " فقد عُرفت قضية الأصنام وما عليه أصحابها من الافتتان بها، والإعظام لها، كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور، ويشكله من البدع، ويُوقعه في النفوس من المعاني التي يُتوهم بها الجامد الصامت في صورة الحي الناطق، والموات الأخرس في قضية الفصيح المُعرّب والمبين المُميز، والمعدوم المفقود في حكم الموجود المشاهد "(4.) .
بحيث تغدو تلك الصور في سياقها التركيبي جسماً حاملاً للدلالة المتسقة والمنتظمة بتأثير المعطيات المكونة لها، وفي هذا يقول الجرجاني : " يُصنع من المادة الخسيسة بِدعاً يغلو في القيمة ويعلو، ويفعل من قلب الجواهر، وتبديل الطبائع، ما ترى به الكيمياء وقد صحت، ودعوى الأكسير وقد وُضحت، إلا أنها روحانية تتلبس بالأوهام والأفهام . (5



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1- حول اللغة المحولة المجازية للنقاد العرب، عبد الفتاح كليليطو، المجلة العربية للثقافة، العدد 32 لسنة 1997 : 114.
2- مرجع سابق : أسرار البلاغة : 250ـ258
3- المرجع السابق : 253ـ254.
4- المرجع السابق : 254
5- المرجع السابق : 254

بنت طيبه
29-06-2010, 05:15 AM
دلائل الاعجاز

ابرز النقاد العرب على الاطلاق هو الامام ابو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني وقد ذاعت شهرة عبد القاهر واستفاضت بسبب رقي منهجه النقدي , وتقدم فكرته البلاغية .وقد تناول السرقات بدراسته في كتابيه :دلائل الاعجاز , واسرار البلاغة .
وكما عرضنا منهجه في الاسرار سأحاول عرض منهجه في كتابه الدلائل >: .(1)

1- يتحدث عبد القاهر في هذا الكتاب عن فكرة الاخذ , ويتناولها من نواحيها المختلفة , من وجهة نظر منهجه البلاغي .وهو لذلك يهاجم النقاد الذين يأخذون بظواهر الكلم , حتى إنهم يرون خيال الشي فيحبونه الشيء.

وذاك أنهم قد اعتمدوا في كل امرهم على النسق الذي يرونه في الألفاظ , وجعلوا لايحفلون بغيره ولايعولن الفصاحة والبلاغة على شيء سواه , حتى انتهوا الى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصيخ فقرأه , ونطق بألفاظه على النسق , الذي وضعه الشاعر عليه , كان قد أتى بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته وبلاغته . إلا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا ) . وعبد القاهر هنا يهاجم النقاد الذين بالغوا في السرقة والإحتذاء ,ونسوا في سبيل ذلك أن الإحتذاء عند أهل العلم بالشعر فيقول (أن يبتدئ الشاعر في معنى له وغرض وأسلوبا ( والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه ) فيعمد شاعر آخر الى ذلك الأسلوب , فيجيئ به في شعره فيشبه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها , فيقال قد احتذى على مثاله ). وينكر عبد القاهر على النقاد وصمهم الشاعر بالسرقه مادام محتذيا , وذلك لأنه يفرق بين الإحتذاء والسرقة , كما يتبين من تفسيره العلمي السليم ,
ويتناول عبد القاهر هذه الفكرة مرة أخرى فيقول ( فاما أن يجعل إنشاد الشعر وقراءته احتذاء فما لايعلمونه كيف . وإذا عمد عامد إلى بيت شعر فوضع مكان كل لفظه لفظة في معناه , كمثل أن يقول في قوله :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

**
ذر المآثر لاتذهب لمطلبها واجلس فإنك أنت الآكل اللابس .

لم يجعلوا ذلك احتذاء , ولم يؤهلوا صاحبه لأن يسموه محتذيا , ولكن ولكن يسمون هذا الصنيع سلخا , ويرذلونه ويسخفون المتعاطي له . فمن أين يجوز لنا أن نقول في صبى يقرأ قصيدة امرئ القيس إنه احتذاه في قوله :( 2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1- مرجع سابق مشكلة السرقات - – ص 138
2- مرجع سابق – شرح دلائل الإعجاز - ص
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف إعجازا وناء بكلكل ؟!
2- ويقرر عبد القاهر بعد ذلك أن علة الخلط الذي وقع فيه النقاد , ترجع الى جهلهم (أن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصور,وتحدث فيها خواص ومزايا من بعد أن لاتكون . فإنك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل ,فصنع فيه مايصنع الصانع الحاذق إذ هو أغرب في صنعة خاتم وعمل شنف ,وغيرها من أصناف الحلي فإن جهلهم بذلك من حالها هو الذي اغواهم واستهواهم وورطهم فيما تورطوا فيه من الجهالات ,وأدهم الى التعلق بالمحلات , وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصورة وضعوا لأنفسهم أساسا , وبنوا على قاعدة فقالوا غنه ليس إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث ) . (1)
ولاشك أن عبد القاهر قد وصل إلى علة حقيقية في مشكلة السرقات , ولم يتنبه إليها النقاد من قبل .فليس الأمر مجرد لفظ ومعنى ةإنما هو صياغة وتصويرا أيضا . ولهذا كان المبدأ الذي أخذ به النقاد في السرقات وهو (إن من اخذ معنى عاريا فكساه لفظا من عنده ,كان أحق به ) ليس مبدئا صحيحا طبقا لنظرية عبد القاهر . وهو يرد على هذا المبدا عند النقاد فيقول ( الإستعارة عندكم مقصورة على مجرد اللفظ ,ولاترونالمستعير يصنع بالمعنى شيئا ,وترون أنه لايحدث فيه مزية على وجه من الوجوه , وإذا كان كذلك فمن أين – ليت شعري – يكون أحق به ؟!)(2)

ويجمل عبد القاهر فكرته في حقيقة الأخذ طبقا لنظرية النظم التي نادى بها . فيقول : ( كما لا تكون الفضة والذهب خاتما أو سوارا أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسهما , ولكن بما يحدث . فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النح وأحكامه . فإذن ليس لمن يتصدى .لما ذكرنا من أن يعمد إلى بيت فيضع مكان كل لفظه في معناها إلا أن ,يترك عقله ويستخف ,ويعد معد الذي حكى أنه قال : إني قلت بيتا هو أشعر من بيت حسان ,قال حسان :

يغشون حتى ماتهر كلابهم لايسألون عن السواد المقبل

وقلت :

يغشون حتى ماتهر كلابهم أبدا ولايسألون من ذا المقبل!
فقيل : هو بيت حسان ولكنك قد أفسدته ! )(3)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ

1- مرجع سابق – دلائل الإعجاز – ص
2- المرجع السابق - ص
3- المرجع السابق - ص




وعلى أساس ما تقدم يجعل عبد القاهر المعنى المتداول بين الآخذ والمأخوذ منه ,قسمين :
الأول : ( ترى فيه أحد الشاعرين قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا ,وترى الآخر قد أخرجه من صورة تروق وتعجب . ويكون ذلك إما لأن متأخر قصر عن متقدم ,وإما لأن هدى متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم ) .(1)
الثاني : (ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصور , وهذا يدل على أن المعنى ينتقل من صورة ال صورة ) (2) . ويهتم عبد القاهر بهذا النوع اهتماما كبيرا – يظهر في إيراده كثيرا من الأمثلة التطبيقية – باعتبار أن النوع الأول ليس مجال دراسة البلاغيين لأنه أمر ظاهر للعيان , ولكن هذا القسم هو الميدان الذي يصول فيه البلاغي ليستخدم أدواته في الحكم على أي الصورتين أجمل من الأخرى ما دام المعنى واحدا , وعبد القاهر هنا لايهتم بالبحث عن سارق المعنى من الآخر ,ولكنه يحصر إهتمامه في فكرة تصوير المعنى باعتبار أن ( الشعر صناعة وضرب من التصوير ) كما سبق أن قرر الجاحظ ,واتبعه عبد القاهر في هذا المبدأ , ويعتبر عبد القاهر المعنى الواحد الذي يفرغه كل شاعر في صورة تختلف عن الأخرى وكالأشياء يجمعها جنس واحد ثم تفترق بخواص ومزايا وصفات ,كالخاتم والخاتم , والشنف والشنف , وسائر اصناف الحلي التي يجمعها جنس واحد وثم يكون بينهما الإختلاف الشديد في الصنعة والعمل .
هذه هي المسائل الرئيسية التي ناقشها عبد القاهر لتوضيح فكرة الأخذ طبقا لنظرية النظم التي نادى بها , ووضع لها الأساس والقواعد الثابته . ولاشك أن عبد القاهر قد أوصل هذه الفكرة إلى غايتها التي كان يجب على النقاد الوصول اليها منذ زمن بعيد ليستقيم الكثير من أحكامهم المضطربة , التي اصدروها خلال بحثهم في انواع الأخذ الحسن والقبيح .











1- مرجع سابق – دلائل الإعجاز - ص
2- المرجع السابق - ص








المبحث الرابع
مواقف النقاد تجاه قضية السرقات:

يمكن تصنيف مواقف النقاد العرب تجاه قضية (السرقات) في موقفين متباينين: التعقب المضني، والتسامح الكثير.
ولعل أسباب البحث في هذه القضية عديدة، أولها: محاولة الناقد إثبات كفايته الشعرية، وحفظه الجم للموروث. ثم تطور الأمر فأصبح تعصباً للقديم على الجديد،حيث أشيع أن المعاني استنفدها الشعراء الأقدمون، وأنه لم يعد أمام الشاعر المحدث سوى أن يأخذ عنهم. وبهذا فهو مقصر في نظر أسياد التقليد والتراث.(1) كتاب النص الغائب تجليات التناص في الشعر العربي محمد عزام ص 85
وبما أن الشاعر القديم لم يكن يسرق، (فالجاهلي مثلاً لم تصلنا مصادره التراثية) فإن تهمة السرق ينبغي أن تلصق بالشاعر المحدث الذي ليس عليه سوى أن يترسم خطى الأوائل. وهكذا جعل بعض النقاد المتعصبين قمم الشعر العربي الذين نفاخر بهم (أمثال أبي نواس وأبي تمام والبحتري والمتنبي… الخ) سراقاً! و"هذا يعني أن قضية (السرقة) ما كان من حقها أن توجد، لأنها استطاعت أن تتحول بالنقد في وجهة غير مثمرة أبداً"(2).
والأدلة على تعصبهم كثيرة، فقد كان أبو عمرو بن العلاء مثلاً يرفض الاستشهاد بشعر المحدثين قائلاً: "لو أدرك هذا المحدث يوماً واحداً من الجاهلية ما قدمت عليه أحداً". وهذا تفضيل للعصر على العصر، وليس للشعر على الشعر. وهو موقف نقدي متعسف، ومن ذلك أيضاً أنه عرضت على ابن الأعرابي أرجوزة أبي تمام اللامية التي مطلعها:
وعاذلٍ عذلتُهُ في عذلـهِ فظنَّ أني جاهلٌ من جهلهِ


وقيل له: هذه لفلان من شعراء العرب، فاستحسنها، وقال: هذا هو الديباج الخسرواني. ثم استكتبها. فلما انتهى قيل له: هذه لأبي تمام، فقال: إن أثر الكلفة عليها ظاهرة، يا غلام خرّق خرّق.
ومن ذلك أيضاً موقف الأصمعي، فقد أنشده إسحاق الموصلي قوله:
هل إلى نظرةٍ إليكِ سبيلُ فيُروى الصدى ويشفى الغليلُ

إنّ ما قلّ منكِ يكثر عندي وكثيرٌ مما تحبُّ القليلُ

فقال الأصمعي: لمن تنشدني؟ قال: لبعض الأعراب: فقال الأصمعي: والله هذا هو الديباج الخسرواني. قال إسحاق: إنهما لليلتهما! فقال الأصمعي: لا جرم والله إن أثر الصنعة بيّن عليهما.(3)
هذه أمثلة على تعصب بعض علماء العربية ونقاد الشعر على الشعراء، دون وجه حق، فقد كانوا ينتصرون للقديم، ويتعصبون له، دون أن ينظروا روعة المحدث وإبداعه. وبهذا ينبغي ألا تؤخذ أقوالهم على علاتها، لأن الإبداع لا يختص بزمن دون آخر، وليس من حق القدماء وحدهم.





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - النص الغائب تجليات التناص في الشعر العربي- محمد عزام ص 85
2 - -– تاريخ النقد الأدبي عند العرب- إحسان عباس- دار الأمانة ومؤسسة الرسالة – بيروت 1971-ص41
3- مرجع سابق - النص الغائب تجليات التناص في الشعر العربي- محمد عزام ص 86

ولعل سبب إيثارهم الشعر القديم والتعصب له هو حاجتهم إلى الشاهد النحوي واللغوي، وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون، ثم صارت لجاجة. يقول الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء: جلست إليه ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت شعر إسلامي. وعندما سئل عن المحدثين أجاب: ما كان من حسن فقد سُبقوا إليه، وما كان من قبح فهو من عندهم!
وهكذا انقسم العلماء في الشعر إلى فريقين: فريق يناصر الشعر القديم، وفريق يناصر الشعر المحدث. وطغى هذا الخصام على الحق، وأصبح النقاد ينظرون إلى العصر أكثر مما ينظرون إلى الشعر، ويغلبون الانطباعية الذاتية على الدقة الموضوعية، وقل منهم من نظر إلى الشعر ولم ينظر إلى الشاعر. نجد مصداق هذا لدى ناقد موضوعي كابن قتيبة الذي حاول أن ينزع رداء العصبية و "ألا ينظر إلى المتقدم من الشعراء بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر بعين الاحتقار لتأخره، بل ينظر بعين العدل إلى الفريقين، ويعطي كلا حظه، فقد رأى من العلماء من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله. ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصّ به قوماً دون قوم، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثاً في عصره، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدّون محدثين، ثم صار هؤلاء قدماء عندما بَعُدَ العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا"(1).
ويؤكد هذا نقاد آخرون من مثل ابن الأثير في كتابه (المثل السائر)، والقاضي الجرجاني في كتابه (الوساطة) الذي يقول: "ولو أنصف أصحابنا هؤلاء لوجد يسيرهم أحق بالاستكثار، وصغيرهم أولى بالإكبار، لأن أحدهم يقف محصوراً بين لفظ قد ضيق مجاله، وحذف أكثره، وقل عدده، وحظر معظمه، ومعان قد أخذ عفوها، وسبق إلى جيدها. فأفكاره تنبعث في كل وجه، وخواطره تستفتح كل باب. فإن وافق بعض ما قيل، أو اجتاز منه بأبعد طرف قيل: سرق بيت فلان، وأغار على قول فلان، ولعل ذلك البيت لم يقرع سمعه، ولا مر بخلده، كأن الشوارد عندهم ممتنع، واتفاق الهاجس غير ممكن! وإن اخترع معنى بكراً أو افتتح طريقاً مبهماً، لم يرض عنه إلا بأعذب لفظ وأقربه إلى القلب، وألذه في السمع. فإن دعاه حب الإغراب وشهوة التنوع إلى تزيين شعره، وتحسين كلامه، فوشحه بشيء من البديع، وحلاّه ببعض الاستعارة، قيل: هذا ظاهر التكلف، بيّن التعسف. وإن قال ما سمحت به النفس، ورضي به الهاجس، قيل: لفظ فارغ وكلام غسيل"(3) وهذا أعدل كلام رأيته.
هكذا يمكن تصنيف مواقف النقاد العرب في موقفين: ففريق حافظ على تسميتها (السرقات)، ورأى في السرق غضاضة تحط من قدر الشاعر، كي لا تصبح الأمور فوضى ينهب الشاعر ما يشاء من شعر غيره. وبهذا استطاع أن يصون الأعمال الأدبية من العبث والسرقة، حتى لقد بلغ من حرصهم على الشعر أن يقرنوا كل شعر براويه، وكل خبر أدبي بسلسلة طويلة من الرواة، كما كانوا يفعلون في توثيق الحديث النبوي الشريف. وكان من أثر هذه العناية أن وصفوا (الأخذ) من شعر غيره بأوصاف قاسية كالسرقة، والانتهاب، والغصب، والإغارة، والمسخ.. الخ.
وأما الفريق الثاني فقد رأى في (الأخذ) جهداً فنياً مشروعاً يضاف إلى جهود التجديد والابتكار وقد اعترف بعض الشعراء على أنفسهم بالأخذ، ولو كان في ذلك عار ما فعلوا ولأنكروا، وكأنهم باعترافهم يجيزون لأنفسهم الأخذ من غيرهم، ويعتبرون الأخذ عملاً أدبياً مشروعاً، فحين قال أبو تمام في مديحه:
وما سافرتُ في الآفاق إلاّ ومن جدواك راحلتي وزادي
مقيمُ الظنّ عندك والأماني وإن قلقت ركابي في البلاد
سأله ابن أبي داود عن هذا المعنى، أهو من المعاني التي اخترعها؟ فقال أبو تمام: أخذته من قول الحسن بن هانئ:
وأن جرت الألفاظ يوماً بمدحة لغيرك إنساناً، فأنت الذي نعني


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1--ابن قتيبة – الشعر والشعراء ص1/7
2- الجرجاني – الوساطة- 188

وهذا يدل على أن الأخذ لم يكن عيباً كبيراً، وإنما بعض النقاد هم الذين أطلقوا عليه التسميات والمصطلحات الحادة من مثل: النهب، والسرقة، والغصب.. الخ، وكأنهم بذلك يضللون الآخرين بمثل هذه التسميات، ويخدعونهم عن الحقيقة، حين يصورون أنفسهم عالمين بالمعاني، وكيف تتوالد عن سالف إلى خالف، مثلهم في هذا مثل بعض المترجمين اليوم عن اللغات الأجنبية الذين يلتقطون فكرة من هنا، ثم ينسبونها إلى أنفسهم، متناسين الأمانة العلمية.
وهذا الفريق من النقاد تلطفوا في مصطلحاتهم، فسموا الأخذ (اقتباساً)، و(تضميناً)، و(استشهاداً)، و(توارداً)، و(تلميحاً)، و(عقداً)، و(حلاً)… الخ. يقول الآمدي في (الموازنة): "إن من أدركته من أهل العلم بالشعر لم يكن يرى سرقات المعاني من مساوئ الشعراء، وخاصة المتأخرين منهم، إذ كان هذا باباً ما تعرى منه متقدم ولا متأخر". (1) ويقول أبو هلال العسكري في (الصناعتين) إنه قد يقع للمتأخر معنى سبقه إليه المتقدم من غير أن يلم به، ولكن كما وقع للأول وقع للآخر، وهذا أمر عرفته بنفسي، فلست أفتري فيه، وذلك أن عملت شيئاً في صفة النساء:
سفرن بدوراً وانتقبن أهلّةً
وظننت أن سبقت إلى جمع هذين التشبيهين في نصف بيت، إلى أن وجدته بعينه لبعض البغداديين، فكثر تعجبي، وعزمت على ألا أحكم على المتأخر بالسرق من المتقدم". (2) وقال القاضي الجرجاني في (الوساطة): "وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر، ويستمد من قريحته، ويعتمد على معناه ولفظه. وكان أكثره ظاهراً كالتوارد". (3).
وهكذا أجمع معظم النقاد على رفض (السرق) والتهوين من أمره، واعتباره (توارد خواطر)، فقد سئل أبو عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى، ويتواردان في اللفظة، لم يلق واحد منهما صاحبه، ولم يسمع بشعره؟ قال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها. وسئل أبو الطيب المتنبي عن مثل ذلك فقال: الشعر جادّة، وربما وقع الحافر على الحافر.
بالإضافة إلى أنه ينبغي على الشاعر أن يكون عالماً بمذاهب الشعراء، عارفاً بمعانيهم وأساليبهم، واعياً التقاليد الأدبية، مطلعاً على التراث. وقد اشتهر من الشعراء بالعلم أبو تمام الذي شغف بالشعر، وله فيه مختارات مشهورة: الحماسة، والاختيار القبائلي الأكبر، واختيار الشعراء الفحول، واختيار المقطعات، وأشعار المحدثين. وهذه المختارات جميعاً إنما تدل على عنايته بالشعر، واشتغاله به. ومثله أبو العلاء المعري الذي تظهر سعة اطلاعه على الشعر ومعرفته بالشعراء في رسالته (رسالة الغفران)، وفي شعره أيضاً. يقول ابن رشيق في (العمدة): "اتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز، وتركه كل معنى سُبق إليه جهل، والمختار له أوسط الحالات". 4).
وهذا يعني أن الإبداع لا يكون من لا شيء، وإنما يبني اللاحق على السابق.






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق الوساطة - ص131
2- مرجع سابق – الوساطة - ص196
3-المرجع السابق 0ص207
4- ا لمرجع السابق - ص2/166

بنت طيبه
29-06-2010, 05:18 AM
الفصل الثالث

(( أنواع السرقات الأدبية ))






أنواع السرقات الأدبية :

كما وسبق وأن ذكرنا بأن من العلماء من ألف كتبا في سرقات عند شاعر معين، وهناك من ألف في أنواع السرقات الأدبية على العموم، وضربوا لها أمثلة من أشعار مختلفة، وإن كنا لا نستطيع إيراد كل الأنواع عند كل العلماء، وهذا لن يتحقق مهما أوتينا من قوة، وخصصنا أنواع السرقات عند الحاتمي، ابن رشيق القيرواني، عبد القاهر الجرجاني، ابن الأثير، والخطيب القزويني، وما تبعه من الشراح لكتابه الشهير الإيضاح.
وبعد النظر في هذه الأنواع وجدنا أن هناك أنواعا مشتركة بين العلماء السابقين، وأسماءها مختلفة، وعلى هذا لا نذكر الأنواع عند كل عالم بل سنذكر كل نوع وما سماه كل عالم من اسم، لأن بعض الأنواع وإن تعددت فهي واحدة، وإن اختلفت التسميات من عالم إلى آخر، وحتى لا نقع في التكرار سندرج هذه الأنواع تحت أربع أقسام، ثلاثة من تقسيم بعض الدارسين المحدثين،

وهي 1- سرقات أسلوبية،2- سرقات لفظية،3- سرقات معنوية ، وقسم رابع من عندنا وهو4- المواردة والمساعدة،

لأننا رأينا بأن هناك نوع رابع لا ينتمي لا للسرقات المعنوية ولا اللفظية ولا الأسلوبية، وهو ما سميناه بالمواردة والمساعدة حتى يكون شاملا للأنواع المنطوية عليها، وإن كنا نجد من المتقدمين من يجعل السرقات على نوعين فقط مثلما فعل القزويني عنما قسم السرقات إلى نوعين ظاهرة وغير ظاهرة (1)، ونفصل هذه الأقسام الأربعة كما يلي :

المبحث الأول

أولا - سرقات معنوية:

بدأنا بالسرقات المعنوية لأن السرقات الأدبية في جانب المعنى هي الأكثر تناولا عند النقاد المتقدمين، وأكثرها شيوعا عند السارقين، لأن أخذ الألفاظ والمعاني معا هي الأسهل اكتشافا، لكن أخذ المعنى وطمس معالمه، يصعب من عملية الاكتشاف بل حتى أن السارق يعمد لإخفاء مسروقه، فكذلك السارق الأدبي يعمد لإخفاء مسروقه بأخذ المعنى فقط، وتغييره، حتى لا يكشف أمره، وأنواع السرقات المعنوية أكثر من السرقات اللفظية والأسلوبية، وهي أخطر أنواع السرقات عموما.
وأبو هلال العسكري عندما يتكلم عن حسن الأخذ، وتناول المعاني يقول: "ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممّن تقدمهم والصّبّ على قوالب من سبقهم، ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظا من عندهم، ويبرزوها في معارض من تأليفهم، ويوردوها في غير حلّتها الأولى، ويزيدوها في حسن تأليفها، وجودة تراكيبها، وكمال حليتها، ومعرضها فإذا فعلوا ذلك فهم أحقّ بها ممّن سبق إليها" ، ويقول أيضا :"وقد أطبق المتقدّمون، والمتأخّرون على تداول المعاني بينهم فليس على أحد فيه عيب إلاّ إذا أخذه بلفظه كلّه أو أخذه فأفسده، وقصر فيه عمن تقدمه، وربّما أخذ الشّاعر القول المشهور ولم يبال"(2) ، فالمبرّد(285هـ) أيضا لا يرى عيبا في أن يؤخذ المعنى، ويزاد عليه بتعبير أحسن مما كان عليه ، وعبد القاهر الجرجاني يرفض هذا لأنّ أخذ المعنى لا يمكن أن نكسوه لفظا من عندنا، ويبقى قائما بذاته إلاّ إذا غيرنا لفظا بمرادفه، وهذا ما نلمسه من قوله: "وممّا إذا تفكر فيه العاقل أطال التّعجب (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1- مقال للدكتور عبد الحليم ريوقي - مجلة دراسات أدبية العدد الخامس فيفري -2010 - من مجلة دراسات أدبية - مركز البصيرة للدراسات والبحوث بالجزائر
2- مرجع سابق - الصناعتين 217
3- مرجع سابق - دلائل الاعجاز - ص




من أمر النّاس، ومن شدّة غفلتهم قول العلماء حيث ذكروا السّرقة، والأخذ أنّ من أخذ معنى عاريا فكساه لفظا من عنده كان أحقّ به"، وهو كلام مشهور مبتذل" ، "لأنّه لا يتصور أنّ يكون صورة المعنى في أحد الكلامين، أو البيتين مثل صورته في الأخذ لبيت، اللّهم أن يعمد عامد إلى البيت فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها، ولا يعرض لنظمه،وتأليفه" (1) . فمثل أن يقول في بيت الحطيئة :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فأنــت الطّاعم الكاسي (2)

[فيقول]:

دع المفاخر ولا تذهب لمطلبها واجلس فإنّك أنت الآكل اللابس

هذا إن كان باللغة العربية مترادفات، غير أن الكثير من العلماء يؤكدون بأن لكل كلمة دلالتها، ولا يمكن لكلمة أخرى حتى وإن كانت مرادفة لها أن تشغل الحيز الدلالي لكلمة أخرى بشكل كلي، فلكل كلمة مقامها ودلالتها.

وأنواع السرقات المعنوية

هي: الاختلاس، الإلمام، النظر والملاحظة، الاهتدام، المجدود، كشف المعنى، الإغارة، الالتقاط والتلفيق عند ابن رشيق القيرواني والحاتمي (3)

، والمسخ،السلخ، عند ابن الأثير،(4)

وجعلها القزويني على نوعين الإغارة والمسخ، والإلمام والسلخ،(5)

قصد القزويني بهذا التقسيم أي هناك سرقات على مستوى المعنى ظاهرة سهلة الكشف، وأخرى غير ظاهرة صعبة الكشف، ومن هذا التقسيم الأخير نقسم السرقات المعنوية على قسمين هما :

السرقات المعنوية الظاهرة: وهي سرقات سهلة الكشف، ويمكن الوقوف على أمرها، ومصدرها، بيسر وسهولة، هذا طبعا لمن يمتلك رصيدا لا بأس به من المرجعيات الثقافية، والفكرية والأدبية.، وهي "إن كان مع تغيير لنظمه،وكان المأخوذ بعضه سمّي إغارة، ومسخا" . (6)

وهو على ثلاث أضرب :

- عندما يكون الثاني أبلغ من الأوّل.

- وقد يكون أدوّن منه.

- وقد يكون مثله أو مساويا له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - دلائل الإعجاز - ص
2- ديوانه - ص
3- مرجع سابق -العمد - ص 282 الى 291
4- مرجع سابق - المثل السائر - ص
5- الإيضاح- ص
6-المرجع السابق- ص


وهذا القول والتفصيل لا يخرج عن ما قاله عبد القاهر الجرجاني حيث يقول :"وإن كان ممّا ينتهي إليه المتكلّم بنظر، وتدبر،ويناله بطلب، واجتهاد 1، وبهذا الشّرط يكون إمكانه، فهو الذي يجوز أن يدعي فيه الاختصاص، والسّبق، والتّقدّم، والأولية، وأن يجعل فيه سلف، وخلف، ومفيد، ومستفيد، وأن يقضي بين القائلين فيه بالتّفاضل، والتّباين، وأن أحدهما فيه أكمل من الآخر، وأنّ الثّاني زاد على الأوّل أو نقص عنه، وترقى إلى غاية أبعد من غايته، أو انحطّ إلى منزلة هي دون منزلته" .2
الإغارة : "أن يضع الشّاعر بيتا، ويخترع معنى مليحا فيتناوله من هو أعظم منه ذكرا، وأبعد صوتا فيروى له دون قائله . 3

كما فعل الفرزدق بجميل[بن معمر]، وقد سمعه ينشد:4

ترى النّاس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا للنّاس أوقفوا (5)

فقال [الفرزدق]: متى كان الملك في بني غدرة ؟، إنّما هو في مضر، وأنا شاعرها، فغلب الفرزدق على البيت، ولم يتركه جميل، ولا أسقطه من شعره" ، فالإغارة والسلب وجهان لعملة واحدة، غير أن الإغارة هي أخذ من غير أن يتنازل صاحبه عن مأخوذه، والسلب هو أخذ مع تنازل صاحب المأخوذ عنه، وسنأتي على ذكر السلب.

المسخ " أمّا المسخ: فهو قلب الصّورة الحسنة إلى صورة قبيحة، والقسمة تقتضي أن يقرن إليه ضدّه، وهو قلب
الصّورة القبيحة إلى صورة حسنة .(6)

فالأوّل كقول أبي تمّام:
فتى لا يرى أنّ الفريضة مقتل ولكن يرى أن ّالعيوب مقاتل
وقول أبي الطّيّب المتنبّي :
يرى أنّ ما بان منك لضارب بأقتل ممّا بان منك لعائب (7)

فهو وإن لم يشوّه المعنى فقد شوّه الصّورة.

أما قلب الصّورة القبيحة إلى صورة حسنة، فهذا لا يسمّى سرقة بل يسمّى إصلاحا، وتهذيبا، فمن ذلك قول أبي الطّيّب المتنبّي:

لو كان ما تعطيهم من قبل أن تعطيهم لم يعرفوا التّأميلا(8)

وقول ابن نباتة السّعدي:

لم يبق جودك لي شيئا أومله تركتني أصحب الدّنيا بلا أمل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - دلائل الاعجاز- ص
2- المرجع السابق - ص
3- مرجع سابق - العمده 284
4- المرجع السابق 282
5- ديوانه - ص
6- مرجع سابق -المثل السائر- ص
7-ديوانه - ص
8- ديوانه - ص

فالصّورة عند ابن نباتة أحسن وأجمل إذ أن جود ممدوح ابن نباتة السّعدي هو الّذي قضى على الأمل فكلّ ما يطلب موجود من غير أمل منه، أما جود ممدوح المتنبّي هو دافع الأمل بل به وجد ليطلب أكثر.

وإن كان المأخوذ المعنى وحده سمّي إلماما، وسلخا، وهو ثلاثة أقسام كذلك [أبلغ، أقصر، مساو] أوّلها،

كقول البحتري:
قصد حياء أن تراك بأوجه أتى الذّنب عاصيها قليم مطيعها

وقول أبي الطّيّب المتنبّي:
وجرم جره سفهاء قوم وحلّ بغير جارمه العذاب

فإنّ أبا الطيـّب أحـسن سبـكا,,

الإلمام : وهو ضرب من النّظر والملاحظة، وهو مثل قول أبي الشيص:

أجد الملامة في هواك لذيذة

وقول أبي الطّيّب المتنبّي : أأحبه وأحبّ الملامة فيه .

وضع ابن رشيق القيرواني الإلمام ضرب من النظر والملاحظة، وهو نوع أيضا من السرقات المعنوية، وجعلنا الإلمام في باب السرقات المعنوية الظاهرة، وجعلنا النظر والملاحظة في باب السرقات المعنوية غير الظاهرة بسبب أن الإلمام ظاهر أمره ويمكن الكشف عن جانب السرقة فيه ببساطة، لكن النظر والملاحظة عكس ذلك. (1)

السرقات المعنوية غير الظاهرة : وهي صعبة في كشفها، فالسارق يعمد لإخفائها بشكل جيد محكم، ولا يقف عليها إلا الحصيف من الناس، قال فيها القزويني : ((وأمّا غير الظّاهر فهو على عدّة أضرب، أولا- فمنه أن يتشابه معنى الأوّل، ومعنى الثّاني،)) كقول أبي العلاء المعرّي في مرثية (2)

وما كلفة البدر المنير قديمة ولكنّها في وجهه أثر اللطم

وقول القيسراني:
وأهوى الّذي أهوى له البدر ساجدا ألست ترى في وجهه أثر التّرب .

ثانيا- "ومنه النّقل، وهو أن ينقل معنى الأوّل إلى غير محلّه".

ثالثا-" ومنه أن يكون المعنى الثّاني أشمل من معنى الأوّل".

رابعا-" ومنه القلب، وهو أن يكون معنى الثّاني نقيض معنى الأوّل يسمّى ذلك لقلب المعنى إلى نقيضه".

خامسا-" ومنه أن يؤخذ بعض المعنى، ويضاف إليه زيادة حسنة".
سادسا- "ومنها ما أخرجه حقّ التّصرف من قليل الأخذ، و الإتباع إلى حيّز الاختراع، والابتداع، وكلّما كان أشدّ خفاء كان أقرب إلى القبول" . (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - السرقات الأدبية - - مقال للدكتور عبد الحليم ريوقي - مجلة دراسات أدبية العدد الخامس فيفري -2010 - من مجلة دراسات أدبية - مركز البصيرة للدراسات والبحوث بالجزائر
2- مرجع سابق - الايضاح127
3- المرجع السابق : 379

السلخ: "أما السّلخ فإنّه ينقسم إلى اثني عشر ضربا، وهذا تقسيم أوجبته القسمة، وإذا تأملته أنّه لم يبق شيء خارج عنه.

- فالأوّل : أن يؤخذ المعنى، ويستخرج منه ما يشبهه، ولا يكون هو إيّاه، وهذا من أدقّ السّرقات مذهبا، وأحسنها صورة، ولا يأتي إلاّ قليلا، فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة [الطّرماح بن حكيم الطّائي : (1)

لقد زادني حبّا لنفسي أنّني بغيض إلى كلّ امرئ غير طائل

أخذ المتنبّي هذا المعنى، واستخرج منه معنى آخر غيره إلاّ أنّه شبيه به فقال :

وإذا أتتك مذمّتي من ناقص فهي الشّهادة لي بأنّي فاضـل ( 2)

] فذمّ النّاقص إيّاه كبغض الّذي هو غير طائل ذلك الرّجل [الطّرماح]، وشهادة ذمّ النّاقص إيّاه بفضله كتحسين بغض الّذي هو غير طائل نفس ذلك الرّجل عنده [أي عند الطّرماح] .

الضّرب الثّاني: أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ، وذلك مما يصعب جدا، ولا يكاد يأتي إلاّ قليلا .
الضّرب الثّالث: وهو أخذ المعنى، ويسير من اللفظ، وذلك من أقبح السّرقات، وأظهرها شناعة على السّارق.
الضّرب الرّابع: وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس، وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حدّ السّرقة.
الضّرب الخامس: أن يؤخذ بعض المعنى".
الضّرب السّادس: وهو أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر".
الضّرب السّابع: وهو أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى.
الضّرب الثّامن: وهو أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا، وذلك أحسن من السّرقات لما فيه من الدّلالة على بسطة النّاظم في القول، وسعه باعه في البلاغة"
الضّرب التّاسع: وهو أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصّا، أو خاصّا فيجعل عاما.
الضّرب العاشر: وهو زيادة البيان مع المساواة في المعنى، وذلك بأن يؤخذ المعنى فيضرب له مثال يوضحه
الضّرب الحادي عشر : وهو اتّحاد الطريق، واختلاف المقصد، ومثاله أن يسلك الشّاعران طريقا واحدة فتخرج بهما إلى موردين أو روضتين، و هناك يتبين فضـل أحـدهما على الآخر" –( 3 )

النّظر والملاحظة: قال أبو علي الحاتمي:" وهذه ضروب من الإشارة إلى المعنى، وإخفاء السّرّ

فمثل قول المهلهل :
انتضوا معجس القسي وابرقـ ـا كما توعد الفحول الفحولا

نظر إليه زهير بقوله :
يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا طعنوا ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا

وأبو ذؤيب بقوله :
ضروب لهامات الرجال بسيفه إذا حنّ نبع بينهم وشريح .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - المثل السائر- ص
2- ديوانه - ص
3- مرجع سابق - المثل السائر- ص




فالنظر والملاحظة هو أخذ بعض المعنى، والإلمام الذي مر معنا هو أخذ جل المعنى، فالنظر والملاحظة هنا هو بمثابة تركيز نظرك على أمر ما فتأخذ عنه الكثير من الملامح والأوصاف.

كشف المعنى:"وإبرازه بزيادة منه تزيده نصاعة وبراعة" . العمدة( 1)

نحو قول امرئ القيس :

نمش بأعراف الجياد أكفنا إذا نحن قمنا عن شواء مضهب (2)

وقال عبدة بن الطبيب:
ثمت قمنا إلى جرد مسوّمة أعرافهن لأيدينا مناديل
فكشف المعنى،وأبرزه" ، وكشف المعنى هو أخذ المعنى بزيادة حسنة عليه، وإظهاره في صورة أحسن مما كان عليه.
الالتقاط والتّلفيق :"وهي ترقيع الألفاظ، وتلفيقها، واجتذاب الكلام من أبيات حتّى ينظم بيتا" ( 3)
مثل قول يزيد بن طثرية:

إذا ما رآني مقبلا غضّ طرفه كأنّ شعاع الشّمس دوني يقابله
فأوّله من قول جميل [بن معمر]:

إذا ما رأوني طالعا من ثنية يقولون : من هذا ؟ وقد عرفوني

ووسطه من قول جرير:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا

وعجزه من قول عنترة الطّائي :

إذا أبصرتني أعرضت عني كأنّ الشّمس من حولي تدور (.4)










ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق – العمدة
2- ديوانه – ص
3-المرجع السابق -ص
4- المرجع السابق - ص



الالتقاط والتلفيق : هو أن يكون في البيت أكثر من معنى واحد، من معاني أخرى سبقت معناك. العمدة (1(

الاختلاس : "فهو كقول أبي نواس:

ملك تصور في القلوب مثاله فكأنّه لم يخل منه مكان
اختلسه من قول كثير [عزّة]:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما تمثل لي ليلى بكلّ سبيل" .

الاختلاس : هنا بمثابة اختلاس النظر في أمر ما، فتأخذ بعضا مما اختلست النظر فيه. العمدة 2

الاهتدام :"وهو افتعال من الهدم فكأنه هدم البيت من الشّعر تشبيها بهدم البيت من البناء" " العمدة 3

نحو قول النّجاشي :
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمت فيها يد الحدثان

فأخذ كثير [عزة] القسم الأوّل، واهتدم باقي البيت فجاء المعنى في غير لفظ فقال:

ورجل رمى فيها الزّمان فشلت" .

المجدود : "وأمّا المجدود من الشّعر فنحو قول عنترة العبسي: 4

وكما علمت شمائلي وتكرمي

رزق جدّة واشتهارا على قول امرئ القيس:

وشمائلي ما قد علمت وما نبحت كلابك طارقا مثلي"

المبحث الثاني

ثانيا - سرقات لفظية:

يقصد بالسرقات اللفظية أخذ بيت أو أكثر أو ما دونه بلفظه ودون تغيير وصرفه للنفس، على أن الآخذ هو القائل، وليس عن طريق التضمين، والذي هو إدراج بيت من الشعر أو ما دونه أو أكثر منه في الشعر على أنه هو قائله، لكن من الشعر المشهور، والذي لا يمكن إدعاؤه للنفس وإن لم يكن مشهورا وجب التنبيه عليه كما قال العلماء المتقدمون، والسرقات اللفظية من هذا الشكل الأول وليس الثاني، سماه العلماء بعدة أسماء، فسماه الحاتمي اصطرافا واجتلابا، وسماه ابن الأثير نسخا، ووضعه القزويني في السرقات أو الأخذ الظاهر إن لم يغير فيه، وابن رشيق سماه الغصب إن أخذ تحت التهديد بالقوة من صاحبه وتهديده بهجائه مثلا، ويسميه محمد مفتاح بالتطابق، وهذه بعض الشواهد لهذا النوع من السرقات وتفصيل بيانه: 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق- العمدة
2- المرجع السابق ص
3-المرجع السابق- ص
4-المرجع السابق –ص
5- مرجع سابق – السرقات الأدبية - - مقال للدكتور عبد الحليم ريوقي - مجلة دراسات أدبية العدد الخامس فيفري -2010 - من مجلة دراسات أدبية - مركز البصيرة للدراسات والبحوث بالجزائر

سمى ابن الأثير السرقات اللفظية بالنسخ وجعله على ضربين وقال فيه :" فإنه لا يكون إلاّ في أخذ المعنى، واللفظ جميعا، أو في أخذ المعنى، وأكثر اللفظ لأنّه مأخوذ من نسخ الكتاب، وعلى ذلك فإنّه ضربان :
الضّرب الأوّل : ويسمّى وقوع الحافر على الحافر

كقول الفرزدق:

أتعدل أحسابا لئاما حماتها بأحسابنا إني إلى الله راجع

وكقول جرير :

أتعدل أحسابا لكراما حماتها بأحسابكم إني إلى الله راجع"

وقوع الحافر على الحافر هو من باب المواردة، وهذا المثال الذي ضربه ابن الاثير ضربه

ابن رشيق في باب المواردة، وهو ما سنذكره في حينه.

الضّرب الثّاني :" من النّسخ، وهو أن يؤخذ فيه المعنى، وأكثر اللفظ كقول بعض المتقدّ مين يمدح معبدا صاحب الغناء:

أجاد طويس والشّريحي بعده وما قصبات السّبق إلاّ لمعبد

ثمّ قال أبو تمّام:
محاسن أصناف المغنين جمّة وما قصبات السّبق إلاّ لمعبد" (1) المثل السائر


وسمى ابن الرشيق هذا النوع من السرقات بالاصطراف وجعله على نوعين :

اجتلاب وانتحال وقال فيه :" الاصطراف : أن يعجب الشّاعر ببيت من الشّعر، فيصرفه إلى نفسه، فإن صرفه إليه على جهة المثل فهو اجتلاب، واستلحاق،

وإن ادّعاه جملة فهو انتحال، ولا يقال منتحل إلاّ لمن ادّعى شعرا لغيره، وهو يقول الشّعر، وأما إن كان لا يقول الشّعر فهو مدّع غير منتحل" . (2) العمدة

- فالاصطراف الذي هو اجتلاب واستلحاق :
"كما قال زياد الأعجم :
ولو لم يكن في كفّه غير نفسه لجاد بها فليتّق الله ســائله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ



1- مرجع سابق - المثل السائرص
2- مرجع سابق – العمدة- ص
3- المرجع السابق – ص

بنت طيبه
29-06-2010, 05:19 AM
ويروى هذا لأخت يزيد بن طثرية، واستلحق البيت الأخير أبو تمام فهو في شعره .

البيت في قصيدة أبي تمـّام قالها في مدح المعتصم بالله قال في مطلعها:

أجل أيعاد الرّبع الّذي حف أهله لقد أدركت فيك النّوى ما تحاوله .

- أمّا الاصطراف الذي هو بمثابة انتحال كقول جرير:

إنّ الّذين غذوا بلبك غـادروا وشلا بعينيك لا يزال معينا
غيّضن من عبراتهن وقلنّ لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا

فإنّ الرّواة مجمعون على أنّ البيتين للمعلوط السّعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضا قول طفيل الغنوي :
ولما التقى الحيّان ألقيت العصى ومات الهوى لما أصيب مقاتله" (1) العمدة

أما الخطيب القزويني فأدرج هذا النوع ضمن السرقات أو الأخذ الظاهر، وقال فيها :أمّا الظّاهر فهو أن يؤخذ المعنى كلّه إمّا مع اللفظ أو بعضه، وإمّا وحده ، فإن كان المأخوذ كلّه من غير تغيير لنظمه فهو مذموم مردود لأنّه سرقة محضة، ويسمّى نسخا،وانتحالا.
وقد روي للأمير اليربوعي:
فتى يشتري حسن الثّناء بماله إذا السّنة الشّهباء أعوزها القطر
ولأبي نواس:
فتى يشتري حسن الثّناء بماله ويعلم أنّ الدّائـــرات تدور
وفي هذا المعنى ما كان التّغيير فيه بإبدال كلمة أو أكثر بما يراد فيها ، كقول العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه:
وما النّاس بالنّاس الّذين عهدتهم ولا الدّار بالدّار الّتي كنت تعلم
وقول الفرزدق:
وما النّاس بالنّاس الّذين تعهدتهم ولا الدّار بالدّار الّتي كنت تعرف (2)

وابن رشيق القيرواني ذكر نوعا يصب في هذا الوادي وهو الغصب، وهو أخذ بيت أو أكثر عن طريق الغصب بالتهديد والوعيد بالهجاء مثلا وقال فيه: "وأما الغصب فمثل صنيعه بالشّمردل اليربوعي، وقد أنشد في محفل :
فما بين من لم يعط سمعا وطاعة وبـين تميم غير حزّ الحلاقم
فقال الفرزدق : والله لتدعنّه أو لتدعنّ عرضك، فقال [اليربوعي]: خذه لا بارك الله لك فيه (.3)






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ

1- مرجع سابق – العمدة
2- مرجع سابق – المثل السائر
3- مرجع سابق – الايضاح – ص - ورد ذكر القصة ص


المبحث الثالث :
ثالثا - سرقات أسلوبية:
السرقات الأسلوبية لا يقصد بها سرقات اللفظ والمعنى، وإنما سرقات تتم على مستوى الأسلوب، وبالتحديد بناء الأبيات، وإن كنا نستبق الأحداث ونقول بأن هذا النوع لم يتناول بالشكل الكافي عند النقاد المتقدمين، فلقد ركزوا على سرقات المعاني، والألفاظ، وبالشكل الكبير على النوع الأول أكثر، ولا نكاد نجد أكثر من ابن رشيق القيرواني(1) تكلم عن نوعين للسرقات من حيث الأسلوب، وإن لم يسمها بهذا الاسم، وإنما ذكرهما في جملة أنواع السرقات التي تكلم عنها، وسار على طريق ما ذكر الحاتمي، وذكر أنواعا أخرى، على ما غفل عليها الحاتمي، ومما يندرج ضمن السرقات الأسلوبية نجد ثلاثة أنواع ( 2)
العكس:
والاسم دال على معناه أي أن يأخذ الشاعر بيتا أو ما دونه أو أكثر، ويقلب معناه، ويمكن أن يقول البعض هذا سرقات للمعاني، ونقول بأن السرقة ها هنا في الأسلوب أغلب، لأن الشاعر يبني على نفس الأسلوب المسروق منه، ونقدم هذا المثال حتى تتضح الرؤى:
كقول ابن قيس، ويروي لأبي حفص البصري:
ذهب الزّمان برهط حسان الأولى كانت مناقبــهم حديث الغابر
وبقيت في خلق يحلذ ضـيوفهم منهم بمـــنزلة اللئيم الغادر
سود الوجوه لئيمة أحسابــهم فطس الأنوف من الطّراز الآخر
فالبيت الأخير هو عكس بيت حسان بن ثابت رضي الله عنه :
بيض الوجوه كريمة أحسابهم شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل (3)

ومما يلاحظ في هذا البيت هو أن الشاعر عكس كل الألفاظ في البيت المأخوذ منه، ولكن حافظ على نفس الأسلوب في البيت المأخوذ منه، وهو ما يعزز الأمر بأن ما كان على شاكلة هذا المثال هو سرقة أسلوبية، وهذا النوع إلى جانب التحاذي، التطابق، التفاعل، التداخل، سماه محمد مفتاح بالقلب، ومحمد مفتاح يضع هذه المفاهيم كمفاهيم ذات وظائف جمالية وإيديولوجية، ولم يعطها صبغة السرقات الأدبية .

الموازنة:
الموازنة هو أن يأخذ الشاعر وزنا واحدا مع شاعر آخر في بيته، ليس من باب الوزن الشعري، ولكن من باب البناء الواحد من حيث الأسلوب، لا من حيث الألفاظ والمعاني، وهذا المثال سيزيح الغموض، ويبسط الفكرة، وهو مثل قول كثير[ عزة] :
تقول مرضنا فما عدتنا وكيف يعود مريض مريضا

وزان في القسم الآخر قول نابغة بني تغلب:

بخلنا لبخلك قد تعلمين وكيف يعيب بخيل بخيلا

فمن الشطر الأخير في كلا البيتين يتضح جليا أن أسلوبهما وبناؤهما واحد، وإن اختلفا في الألفاظ والمعاني.

وقول أبي الطّيّب [المتنبّي]:

وإنّي عنك بعد غــــــد لغـاد وقلبي عن فنائك غير غاد
محبك حيثما اتّجهت ركابي وضيفك كـنت في البلاد .(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق – العمدة ص245
2- مرجع سابق – السرقات الأدبية - - مقال للدكتور عبد الحليم ريوقي - مجلة دراسات أدبية العدد الخامس فيفري -2010 - من مجلة دراسات أدبية - مركز البصيرة للدراسات والبحوث بالجزائر
3- مرجع سابق – الوساطة 299
4- المرجع السابق - 299ص

وما يمكن قوله في هذا الباب هو أننا ذكرنا ثلاثة أنواع فقط في السرقات من حيث الأسلوب، ويمكن أن يكون هناك أكثر مما ذكرنا، وما أوردناه هو ما وجدنا في أقسام السرقات عند، القزويني، وابن رشبق، وابن الأثير، والحاتمي، ويمكن أن يكون هناك أنواع تصب في هذا الجانب عند غيرهم .( 1 )

المبحث الرابع

رابعا – المواردة والمساعدة:

قصدنا بالمواردة والمساعدة، وهو ما استدركناه على أقسام السرقة في اللفظ والمعنى والأسلوب، فمن الشعراء من تنزل أفكارهم متساوية في المعنى، أو حتى اللفظ والمعنى معا، عن طريق المواردة أي توارد الأفكار، أو عن طريق مساعدة بعضهم بعضا بيت أو بيتين، وفي هذا وذاك لا سرقة لأن في الأولى تنتفي السرقة بتوارد الأفكار، وفي الثانية هناك مساعدة والشاعر يتنازل عن بيته أو أبياته إلى صاحبه، وهذا يدخل باب الهبة وليس السرقة، بنوعيها المحمودة والمذمومة، وهنا نذكر أربعة أنواع هي : المواردة، الإجازة، التمليط، المرافدة، وتفصيلها كالتالي:


المــــواردة :

وهي أن تأتي الأفكار والأبيات متوافقة في معانيها، وحتى ألفاظها ومعانيها معا، دون أن يكون الثاني قد اطلع على ما قاله الأول، وهذا الأمر يتم عن طريق توارد الأفكار، وتكلم عنها ابن رشيق القيرواني فقال فيها : " وأمّا المواردة فقد ادّعاها قوم في بيت امرئ القيس،وطرفة،ولا أظنّ هذا ممّا يصّح " .(1)
والمقصود هنا بيت امرئ القيس حين قال في معلقته:

وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم يقولون لا تهلك أسى وتجمّل

وبيت طرفة بن العبد في معلقته عندما قال:

وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم يقولون لا تهلك أسى وتجلّد (2)

.
الإجازة :

وهو أن يقول شاعر بيتا أو شطرا، ويجيز للآخر تملكه، وضمه بالإضافة لما قال، والإجازة قال فيها ابن رشيق ما نصه: " الإجازة فإنّها بناء الشّاعر بيتا أو قسما يزيده عما قبله، وربّما أجاز بيتا أو قسما بأبيات كثيرة، فأمّا ما أجيز فيه قسيم بقسيم فقول بعضهم لأبي العتاهية: أجز(3)

برد الماء وطـابا
فقال :
حبّذا الماء شرابا "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1- مرجع سابق - العمدة - ص
2- ورد ذكر الابيات ص
3- - مرجع سابق – السرقات الأدبية - مقال للدكتور عبد الحليم ريوقي - مجلة دراسات أدبية العدد الخامس فيفري -2010 - من مجلة دراسات أدبية - مركز البصيرة للدراسات والبحوث بالجزائر



"وأمّا ما أجيز فيه بيت فقول حسان بن ثابت وقد أرق ذات ليلة فقال :

متاريك إذ ناب الأمور إذا اعتزلت أخذنا الفروع واجتنبنا أصولها

وأجبل [أي انقطع عن الكلام]، فقالت ابنته : يا أبت ألاّ أجيز عنك، فقال :

أو عندك ذلك ؟، قالت : بلى، قال : فافعلي : فقالت :

مقاويل للمعروف خرس عن الخنا كرام يعافون العشيرة سولها

ثم أضاف حسان بن ثابت رضيّ الله عنه بيتا وأضافت ابنته بيتا بعده" .

والإجازة في هذا الموضع مشتقة المعنى من الإجازة في السّقي يقال :أجاز فلانا إذا سقى له أو سقاه .( 1 )


التّمليط :
وهو أن يقول شاعر بيتا ثم يقول الآخر بيتا آخر، أو يقول هذا شطر وهذا شطر، إلى أن تتم القصيدة، من باب التساجل والتباري مثلا، وعرف ابن رشيق التمليط بقوله:" وهو أن يتساجل الشّاعران فيضع هذا قسيما، وهذا قسيما لينظر أيّهما ينقطع قبل صاحبه، وفي الحكاية أن امرأ القيس قال للتّوأم اليشكري: إن كنت شاعرا كما تقول فملّط أنصاف ما أقول فأجزها، قال: نعم، قال امرؤ القيس: (2

قال امرؤ القيس
:
أحار ترى بريقا هبّ وهناً

فقال التّوأم :

كنار المجوس تستعر استعارا.

فقال امرؤ القيس :

أرقت له ونام أبو شريح

فقال التّوأم :

إذا ما قلت قد هدأ استطارا

ولا يزالان هكذا، يضع هذا قسيما، وهذا قسيما إلى آخر الأبيات" (1)


1- مرجع سابق – السرقات الأدبية - - مقال للدكتور عبد الحليم ريوقي - مجلة دراسات أدبية العدد الخامس فيفري -2010 - من مجلة دراسات أدبية - مركز البصيرة للدراسات والبحوث بالجزائر
2- مرجع سابق : العمدة في محاسن الشعر وآدابه - ابن رشيق القيرواني- ص 276



"واشتقاق التّمليط من أحد الشّيئين، أوّلهما أن يكون من الملاطين، وهما جانبا السّنام في مرد الكتفين، قال جرير:
ظللن حوالي خدر أسماء وانتحى بأسماء موّار الملاط أروح
فكأنّ كلّ قسيم ملاط، أي جانب من البيت، وهما عند ابن السّكيت العضدان، والآخر وهو الأجود، أن يكون اشتقاقه من الملاط، وهو الطّين يدخل في البناء يملط به والحائط ملطا، أي يدخل بين اللبن حيث يصير شيئا واحدا" ، فيكون طينا والآخر لبنة لصنع قصيدة على شاكلة جدار.)) ايضا من المرجع السابق (1)

المرافدة :

المرافدة تدخل في باب المساعدة عندما يعجز شاعر آخر لسبب أو آخر، فيعينه شاعر آخر بما يفك عقدة لسانه أو تفكيره، ويصبح ما أعانه به ملكا له، والمرافدة طرقها ابن رشيق ومثل لها وقال فيها: "وأمّا المرافدة : فأن يعين الشّاعر صاحبه بأبيات يهبها له كما قال جرير لذي الرمّة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي فأنشده قصيدته :


بنت عيناك عن طلل بحزوى محته الريح وامتنح القطارا
فقال [جرير] :ألا أعينك ؟

قال: بلى بأبي وأمي،

قال: قل له
:
يعدّ النّاسبون إلى تميــم بيوت المجد أربــعة كبارا
يعدون الرباب وآل سـعد وعمرا ثم حــنظلة الخيارا

ويهلك بينها المرئي لـغوا كما ألغيت في الدّية الحوارا (2)







ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

1- نقد الشعر في القرن الرابع – د قاسم مومني – دار الثقافة للطباعة والنشر – القاهرة – 1995 – ص78
2-مرجع سابق - العمدة ص235

بنت طيبه
29-06-2010, 05:22 AM
الخـــــاتمــــــــــة
الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات , والصلاة على الهادي الامين سيد الغر المحجلين , توقفت عند ماقال (لاينسون ) العالم الالماني في عبارته ((ثلاثة أرباع المبدع مكون من غير ذاته ) , فالإبداع جذوة الأدب وماتبحث عن النفوس تكونه عوامل بعيده عن نفس المبدع تتكون في أرضه بعد أن وجدت الأرض الخصبة المساعدة لها ان تعيش وترتفع ليراها الآخرون وهي في قمة جمالها ربما أتت منهم لكنها تألقت لدى المبدع , وهذا هو حال الكثير من الأدباء المبدعين في أفكارهم وصياغتهم وانساقهم التعبيرية ..
فالنفس الإنسانية تبحث عن الاصالة والابتداع أين كان ؟!! وتبحث عن الأفكار الجديدة فهي الدليل الأول على أصالة الأديب , وتمكنه من فنه وإذ كانت هذه الأفكار والابتداع هي مجال التفاضل بين أديب وأديب فكان من المهم أن يحفظ لكل اديب فكره وفنه وتميزه , من سرقة وأخذ الأخرين لها ..
لذا ارجو ان يجد هذا الموضوع المترامي الأطراف اهتماما كبيرا في تتبعه من قبل كل باحث ويخصصة في كل فن من الفنون الأدبية من شعر وقصص وخطب وروايات ومقالات ..الخ
وايضاح التأثر بين الآداب المختلفة كماهو في الأدب المقارن او من خلال الموازنات بين الأدباء النوابغ ..
فإلى جانب حفظ الأصاله لكل أديب أيضا إمتاع النفس بتذوق كل إبداع ..
بالتأكيد أنني مقصرة في عملي البسيط لكنني أمني النفس ببحث أفضل في هذا الموضوع المتشعب ..

.








أهم المراجع والمصادر 1- الموشح مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر – المرزباني – تحقيق علي محمد البجاوي – ط1- 1965 م – دار النهضة في مصر .
2- مشكلة السرقات في النقد العربي دراسة تحليلية مقارنة – د مصطفى هدارة – ط1 – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – 1958
3- النص الغائب تجليات التناص في الشعر العربي – محمد عزام - ط1 – منشورات اتحاد كتاب العرب – دمشق 2001.
4- الموازنة بين الطائي والبحتري – للآمدي – تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد – ط1 – مكتبة العلمية – بيروت –
5- العمدة في - لابن رشيق القيرواني – تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحيد – ج1 – ط 1- دار الجيل – بيروت –
6- الحركة النقدية على أيام ابن الرشيق المسييلي – د بشير خلدون – ط1- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع – الجزائر – 1981 م.
7- دلائل الإعجاز
8- شرح دلائل الإعجاز – محمد ابراهيم شادي – ط1- دار اليقين – مصر – 1431 هـ
9- اسرار البلاغة
10 – الإيضاح
11- الشعر والشعراء – ابن قتيبه
12- طبقات الشعراء – ابن سلام الجمحي
13- السرقات الأدبية - مقال للدكتور عبد الحليم ريوقي - مجلة دراسات أدبية العدد الخامس فيفري -2010 - من مجلة دراسات أدبية - مركز البصيرة للدراسات والبحوث بالجزائر
14- المثل السائر – ابن الاثير – تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد – ج 3- ط1 – المكتبة العصرية – صيدا – 1990
15- السرقات الأدبية – بدوي طبانه – ط1- مكتبة نهصة مصر بالفجالة – 1376 م-
16- الوساطة بين المتنبي وخصومه – للقاضي على الجرجاني – تحقيق وشرح : مجد ابو الفضل ابراهيم وعلى محمد البجاوي – مطبعة عيسى البابي وشركاءه – 1386هـ.
17- معجم لسان العرب
18- تاج العروس
19- الأعلام
20- ديوان الحطيئة
21- ديوان المتنبي - دار الجيل والنشر
22- الفرزدق
23- امروء القيس
24- تاريخ النقد الأدبي – احسان عباس – ط1- دار الأمانه ومؤسسة الرسالة – بيروت – 1971 م –
25- عيار الشعر – ابن طباطبا
26- نقد الشعر في القرن الرابع – د قاسم مومني – دار الثقافة للطباعة والنشر – القاهرة
27- معجم البلاغة العربية

28- المعجم المفصل في اللغة والادب
29- السرقات الشعرية بين الآمدي والجرجاني
30 – القاموس المحيط
31- الحطيئة
32- اعجاز القران
33- اللغة المحولة المجازية للنقاد العرب – عبد الفتاح كاليليطو – المجلة العربية للثقافة – العدد 32 لسنة 1997
34- الصناعتين الكتابة والشعر – ابو هلال العسكري – تحقيق : مفيد قميحة – ط1- دار الكتب العلمية –
35- زهير شاعر الحق والخير والجمال – د سعد اسماعيل
36- النقد.. والدلالة: نحو تحليل سيميائي للأدب ـ محمد عزام ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1996- ص 33





فهرس الموضوعات

- المقدمة ..........................................
2- الفصل الاول .......................................
تاريخ السرقات الأدبية على مر العصور...........................
1- معنى السرقة وتطوره..................................
2- السرقات الأدبية عند الأمم القديمة ..........................
3- السرقات الأدبية في العصر الجاهلي ..........................
4- السرقات الأدبية في عصر صدر الإسلام .......................
5- السرقات الأدبية في العصر الأموي............................
6 – السرقات الأدبية في العصر العباسي ..........................
7- السرقات الأدبية في العصر الحديث ...........................
3 – الفصل الثاني.......................................
موقف النقاد حول قضية السرقات وأهم الدراسات المنهجية في السرقات الأدبية....
4- الدراسات المنهجية في السرقات ...........................
1- كتب الطبقات والتراجم ............................
2- كتب الأدب...................................
3- كتب البلاغة والنقد...............................
5- موقف النقاد حول قضية السرقات ...........................
6 – الفصل الثالث ......................................
أنـــواع السرقات .....................................
1- السرقات المعنوية ....................................
2- السرقات اللفظية .....................................
3- السرقات الاسلوبية ....................................
7- الخاتمة ...........................................