![]() |
|
|||||||
| سياسة وغلاسة ؛ و المقالات الصحفية يتناول المقالات السياسية و كذلك الاحداث العالمية والمحلية بتعريف ساخر من قاموس الكاتب ... ومن وجهة نظر الكاتب |
|
لوحه الشرف |
|||
| القسم المتميز | العضو المتميز | المشرف المتميز | الموضوع المتميز |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| نشاطات هادفة | همس الزهور | عزوني | صورة ومعلومة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#1 |
|
بقايا انسان
![]() ![]() تاريخ التسجيل: 11 / 9 / 2004
المشاركات: 392
معدل تقييم المستوى: 27 ![]() |
الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا
مصطفى انشاصي إن أي دولة أو منطقة أو إقليم في العالم، كأي شعب أو جماعة من الناس أو أمة من الأمم، يكتسب أهميته من خلال تميزه ببعض المزايا التي يكون لها أثراً إقليمياً أو عالمياً، سواء على صعيد الموقع الجغرافي، أو العطاء الإنساني والحضاري أو امتلاكها ثروة مادية ذات أهمية، وهنالك الكثير من الشعوب التي عاشت وانقرضت مع كثرة عددها ولم نسمع عنها إلا القليل، ولم تترك أي أثر ذا شأن من تاريخ البشرية، وهنالك بعض الشعوب التي تركت أثارا ذات شأن كبير أو قليل إلا إنها لم تستطع الحفاظ على وجودها وكيانها كأمة، فانقرضت أو ذابت وانصهرت في شعوب وأمم أكثر عدداً وأعظم شأناً حضارياً وثقافياً، وهنالك شعوب لا تزال حية منذ آلاف السنين، منذ ظهرت في التاريخ البشري ، ولا زالت تستقطب الأحداث وتؤثر فيها وتعتبر محط أنظار واهتمام العالم، مع كل ما مر بها من محن وابتلاءات وويلات ، واستطاعت أن تجمع إلى جانب تمتعها بالموقع الجغرافي والاستراتيجي الهام ، امتلاكها الثروات المادية والبشرية الكثيرة ، والقدرة على التأثير من مسيرة الحياة الإنسانية وأخذ موقع الصدارة من تاريخ البشرية، وذلك بما قدمته للإنسانية من ثروة فكرية وثقافية وحضارية، مثل ما بات يعرف باسم منطقة الشرق الأوسط . فالمنطقة المسماة بالشرق الأوسط بحدودها الجغرافية، وموقعها الاستراتيجي الذي يتوسط العالم ، ويعتبر حلقة الوصل بين شرقه وغربه ،وشماله وجنوبه، برياً وجوياً وبحرياً، وبأعراقها وأجناسها المختلفة، ذات العطاء الحضاري والفكري منذ فجر التاريخ، وحتى اليوم، حيث يدين لها العالم أجمع –وخاصة الغربي – بإرثه الحضاري والفكري والمادي والإلهي معاً. فمنطقة وادي النيل، والهلال الخصيب ،كانتا منذ فجر التاريخ مهد الحضارات الإنسانية – المادية ولها تدين أوروبا بكثير من إرثها الحضاري على مستوى العقائد والفكر والقانون وغيرها. وبعد ظهور الرسالات السماوية، وخاصة الإسلام الذي وحد شعوب المنطقة على اختلاف أعراقها وتنوع أجناسها وقاد مسيرة الحياة الإنسانية، حضارياً وفكرياً ، وكان رائد العطاء الإنساني نحو عشرة قرون، وهي المدة التي تدين بها له الحضارة الغربية الحالية ، فكرياً وعلمياً وتكنولوجياً . لقد كان الإسلام أول دين ومنهج وسلطة تعطي لشعوب المنطقة الحرية، وتطلقها من أغلال الاستعباد والقهر ، وكانت السلطة الوحيدة التي تُملك الناس أرضهم، وثرواتهم ، فلم تعد تلك الشعوب وأملاكها وثرواتها ملكاً أو نهباً لكسرا أو قيصر. لقد كان الإسلام أول دين يحترم الإنسان ويحافظ على كرامته الإنسانية، دون النظر إلى دينه، أو جنسه أو لونه عملا بقوله تعالى (وكرمنا بني أدم ). وعملا بقول رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم (كلكم لأدم وأدم من تراب). ولذلك شاد حضارة عظيمة،هي فخر الحضارات الإنسانية ، حضارة أساسها القرآن الكريم والسنة، وثمرتها الأخلاق الإسلامية الحميدة، حضارة شاركت فيها كل الأجناس التي كانت خاضعة لحكم الإسلام، حضارة النموذج الإنساني الذي أشتد شوق العالم المستضعف له اليوم، كما يشتد رعب العالم المستكبر الظالم منه يوماً بعد يوم، ويعمل جهده لمنع عودته إلى قيادة العالم من جديد، ويحاربه باستماتة تحت مسميات عدة: الأصولية، الراديكالية، الإرهاب، الرجعية، والتغير والشراكة في نشر الديمقراطية والحرية حقوق الإنسان وغيرها من مسميات يذخر بها قاموسه السياسي والفكري الغربي اليوم. ولفهم صحيح للأبعاد الحقيقية لمبادرة الرئيس الأمريكي ( جورج بوش الابن ) لإقامة الشرق الأوسط الكبير، وإن كان هذا المشروع يخدم مصلحة الأمة والوطن أو يضر بها. لمعرفة ذلك سوف نحاول أن يكون لنا رؤيتنا التاريخية الواعية لفهم أبعاد هذا المشروع، بل يجب أن يكون لنا رؤيتنا التاريخية الواعية التي تري في التاريخ حركة دائمة، و تجدد مستمر لا يتوقف، رؤية توظف التاريخ لخدمة مستقبل الأمة، لنخرج بها من مرحلة الاستسلام واليأس إلى مرحلة الانتصار والتمكين. فالتاريخ هو ذاكرة الأمة، والأمم الحية هي التي تجعل الماضي جزء اً من الحاضر من أجل الانطلاق نحو المستقبل. من خلال فهمنا هذا لأهمية التاريخ في بناء المستقبل سنحاول جهدنا الوقوف على أبعاد مشروع الشرق الأوسط الكبير . خطر الإسلام على الغرب لم يكن الصراع قبل الإسلام بين الإمبراطوريات المختلفة يحمل في طياته أبعادا دينية أو حضارية تميز أمة عن أمة، لأن الجميع كان وثنيا، ولم يكن الخطر الذي يهدد أحد منهم يكمن في قوة الخصم الفكرية أو الحضارية، ولكن كان يكمن في القوة لعسكرية فقط. أما بعد الإسلام فقد أضيف بعد أقوى من القوة العسكرية، و أكثر فاعلية من العرق والقبيلة، ألا وهو البعد الأيديولوجي _إن صح وصف الإسلام بالأيديولوجية، لأنه منهج حياة متكامل وشامل للدنيا و الآخرة _ ورسالة عالمية ذات أبعاد ثقافية وإنسانية وحضارية. هذه الأبعاد هي التي هددت وجود الغرب في عقره داره لأول مرة منذ أن خرج إلى خارج حدود قارته على يد الاسكندر المقدوني نحو ألف سنة من تاريخ نشر الإسلام رسالته على ربوع الأرض وتهديد أوروبا النصرانية بالزوال. ولم يكن هذا التهديد بالقوة العسكري الإسلامية فقط،و لكن كان التهديد الأشد خطورة عليه كان في الغزو الثقافي والفكري والحضاري الذي أعتبره كثير من مؤرخي الحروب الصليبية من الغربيين من أهم الأسباب التي دفعت البابا (أوربان الثاني) إلى إعلان الحرب على المسلمين. فقد وصف(غابريلي) في كتابه "تراث الإسلام" حال أوروبا النصرانية آنذاك، بقوله: (لقد استعربت "المسيحية" بسرعة لغويا وثقافيا)(1). وقد استمر تهديد الثقافة والحضارة الإسلامية للغرب إلى أن فشل الحصار العثماني الثاني لفينا عاصمة النمسا عام 1683م. وقد علق على هذا الفشل الدكتور (بشير موسى نافع) بقوله: (كان فشل معركة فينا إيذانا بتوازن جديد للقوى في وسط أوروبا وشرقها، بدأت أوروبا على أثره في إعادة الكرة بعد أن تراجعت لأكثر من قرنين أمام العثمانيين)(2). أما المؤرخ البريطاني (أرنولد توينبي) فقد أعتبره إيذانا بتحول الغرب (إلى قوة كاسحة وصاحبة السلطان في العالم حتى أنه لم يعد أمام الآخرين "المسلمين"خيار، فغما التغريب وإما الهلاك)(3). ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة جديدة من مراحل الصراع الوجودي بين الإسلام والغرب، بدأ فيها الغرب محاولاته الجادة والقوية لاختراق الأمة, وفرض مشروعه الحضاري عليها. الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام عام 1798م و قد كانت أول هذه المحاولات الغربية الجادة الحملة الفرنسية عام 1798م، التي شكلت مرحلة جديدة ومختلفة في الصراع هي الأشد والأكثر مأساوية. فالغرب كان قد حقق إنجازات هامة بعد ثورته الصناعية وبناء نهضته الحضارية المادية، وجاء لإعادة إنتاج دوره السياسي الدولي، ويحتل مكان الإسلام الذي شكل وما زال يشكل النقيض الحضاري لحضوره الدولي. وقد كان من أهم آثارها، أن نجح نابليون فيها (في دق أول آسفين في تركيب بنية المجتمعات الإسلامية عندما فصل المسجد عن الدولة وهمش سلطة الأزهر كمصدر للتشريعات وأضعف دوره القيادي في المجتمع وفي إرشاد المسئولين في الدولة ووضع قوانين مدنية مستمدة من الدستور الفرنسي وجعلها الأساس التشريعي للقضاء المصري)(4). كما أن هذه الحملة قد صاحبها أول دعوة رسمية أوروبية لمساعدة اليهود للعودة إلى ما يزعمون أنه "أرض الميعاد"_فلسطين_ مقابل تقديم اليهود العون والمساعدة المادية والأمنية لنابليون بونابرت في حملته على مصر وبلاد الشام. وقد كان نابليون بدعوته هذه يضع ما جاء في وثيقة (لويس التاسع) في القرن الثالث عشر الميلادي موضع التنفيذ (العمل على قيام دولة غربية في المنطقة العربية تمتد حتى تصل إلى الغرب)(5). هذه الدعوة قد فتحت عيون الغرب على أهمية استثمار المشروع التوراتي والحلم اليهودي في العودة إلى فلسطين، وزرعهم قومية غريبة في قلب الأمة والوطن _ كما أوصى لويس التاسع _ ليحول دون تحقيق الوحدة العربية في يوم من الأيام، ويشغل المنطقة في صراعات جانبية بعيدة عن قضاياها المصيرية، كما أوصى بذلك أيضا لويس التاسع. كما أظهرت الحملة الفرنسية أهمية وطننا الإستراتيجية والحيوية لحركة التجارة العالمية، والوصول إلى مناطق احتلالات الدول الأوروبية، وفتحت باب التنافس بين الدول الأوربية الغربية للسيطرة على الممتلكات العثمانية في الشرق. ولقد اتفقت الدول الغربية فيما بينها في مؤتمر فينا عام 1815م الذي عقد لمواجهة حروب نابلون الأوروبية، على إبقاء الدولة العثمانية في حالة ضعف، والعمل على إضعافها أكثر إلى أن يحين الوقت المناسب لاقتسام ممتلكاتها. وقد كان على رأس مخططاتها منع نجاح أي محاولة يمكن أن تستعيد بها الدولة العثمانية قوتها ونهضتها من جديد، واستغلال الأصوات المنادية بالإصلاح من الداخل وتوجيهها في الاتجاه الذي يخدم أهدافها في القضاء على النظام السياسي الإسلامي المتمثل في "الخلافة الإسلامية العثمانية". لذلك لم تفلح كل محاولات الإصلاح الداخلي التي قامت بها الدولة العثمانية، لتجديد شبابها وقوتها، سواء كانت تلك الإصلاحات على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الإداري أو العسكري. كما ازدادت أهمية وطننا بعد حملة محمد علي على بلاد الشام و الحجاز، وبعد شق قناة السويس. خــطر الـوحــدة علـى الـغـرب إذا كانت حملة نابليون قد كشفت أهمية فلسطين للإمبراطوريات الغربية للسيطرة على العالم القديم، فإن حملة محمد علي على بلاد الشام كشفت عن خطر قيام دولة قوية في المنطقة، يكون عمادها الوحدة بين قطبي القوة في المنطقة مصر وسوريا الكبرى. كما أنها كشفت كيف لعب الغرب بالطامعين من أبناء الأمة في السلطة والوقيعة بينهم وبين السلطان العثماني في الأستانة، ليوجدوا المبرر لأنفسهم للتدخل في شئون وطننا الداخلية، بحجة أن الخطر الداخلي يهدد الاستقرار العالمي، وذلك من أجل تحقيق أهدافهم في وطننا. بعد أن فشلت سابقا محاولات الاختراق الغربي للأمة و الوطن، من خلال دعم تمرد بعض الأقليات لزعزعة استقرار الوضع الداخلي في الدولة الإسلامية العثمانية، بعد فشل حركة (فخر الدين المعني) في لبنان. وإجماع الدول الغربية منذ ذلك التاريخ على إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين. وما حدث يكاد يكون هو نفسه ما حدث مع صدام حسين من تغرير به واحتلاله للكويت عام 1990م، والتدخل الغربي بعده في وطننا، الذي بدأ بنشر قواعده وقواته العسكرية في كل مكان من الجزيرة العربية والخليج العربية، تحت مسميات عدة حماية دول الخليج من خطر صدام أو غيره، اتفاقيات التعاون العسكري المشترك مع تلك الدول، ومرورا باحتلال العراق، والبقية قادمة إذا لم تتوحد الأمة وتتخلى عن سلبيتها في مواجهة العدو الأمريكي المتصهين الذي يريد إعادة رسم خارطتها من جديد. التغــريـر الغــربـي بمحمــد علـي: كعادتها فرنسا في عدائها للإسلام، أنها دائماً رائدة وطليعة، في جلب المصائب على الأمة الإسلامية، وقد كان محمد علي باشا مبهوراً بالحضارة الأوربية، وخاصة النموذج الفرنسي، فتوجه إلى فرنسا طالباً منها العون والمساعدة في بناء مؤسسته العسكرية، فأرسلت إليه بعثة عسكرية بقيادة الجنرال (بوير) عام 1824. وقد عمل هذا الجنرال بتوجيه من قيادته على مستويين، أحدهما: التخريب وتدمير المؤسسات الإسلامية، وإقامة مؤسسات موازية لها على النمط الغربي، والآخر: إحداث أول شرخ في وحدة دولة الخلافة، وإحداث أول مواجهة عسكرية داخلية بين جيوش الدولة نفسها. فقد (حددت الوزارة الفرنسية للجنرال بوير مهمته: "بأن يقنع محمد علي بعدة مبادئ، وأن يجعله يتصرف بشكل يكسب فيه عطف أوروبا "المسيحية"...وأن يركز قواه من أجل إعادة البناء الداخلي، عن طريق إصلاح البنى القائمة إذ أن ذلك يجعله يحقق كسباً أكبر في نظر العالم المتمدن –المتحضر- أما إذا ما أراد أن ينطلق في سياسة توسع وطنية فإن إفريقيا وسوريا تشكلان إمكانيات عظيمة لا تحمل معها مجازفات ذات شأن)(6). نفس اللغة اليوم التي يطالبنا بها الغرب لنحسن صورتنا في نظر شعوبه، وهذه الدعوات لم تجلب على الأمة طوال تاريخها غير الخراب. في حين كانت بريطانيا أكثر صراحة في تحديد الجبهة التي على محمد علي التفكير في التوسع فيها، عندما حذره السفير الإنجليزي "سالت" عام 1820 من غزو الحبشة، لأنها نصرانية، وهي البلد الوحيد في إفريقيا الذي صمد صمودا مظفرا خلال أجيال أمام هجمات المسلمين(7). خطــر الوحــدة علـى الأطمــاع الغــربيــة: فلم يبقى أمام محمد علي غير سوريا وما وراءها "دولة الخلافة"، وما أن تقدمت جيوش محمد علي، على الجبهة السورية، وحققت انتصاراتها وشارفت على الوصول إلى القسطنطينية، حتى اضطرب الغرب وارتعد، وخاصة بريطانيا الطامع الأول في المنطقة (وقد عبر "تشرشل" في القرن التاسع عشر عن مخاوفه من حملة "إبراهيم باشا" على سوريا ونتائجها القومية في سوريا، إذ خشي أن يؤدي ذلك إلى تأسيس دولة خلافة جديدة في عاصمة الأمويين، وتؤسس بذلك دولة موحدة في غرب آسيا وشمال إفريقيا)(8). وقد شكلت الدول الأوربية الغربية تحالفاً ضد محمد علي، وقفت فيه موقف شبه موحد من الحملة وظهرت وكأنها حريصة على مصالح دولة الخلافة، ووحدتها؛ وأجمعوا على انسحاب قوات محمد علي من الأراضي التي احتلتها، وأجبرته بالقوة والإكراه على توقيع معاهدة لندن في عام 1840م (التي تنص على إعادة جميع الممتلكات التي استولى عليها محمد علي إلى السلطان ما عدا مصر)(9). وفي حال صدام حسين أضيف إلى الانسحاب دفع تكاليف الحرب، وتعويضات لكل من تضرر من هذه الحرب من قريب أو بعيد. اتفاق الغرب على زرع اليهود في فلسطين: لقد أضافت حملة محمد علي على بلاد الشام عبأ جديدا على الباب العالي، وأضافت بعداً جديداً للمسألة الشرقية، وهيأت للدول الأوربية فرصة نادرة للتدخل المباشر وغير المباشر في وطننا، الذي أصبح يعاني في نظر الغرب حالة اضطراب سياسي يهدد استقرار الأوضاع في الدولة الإسلامية العثمانية، ولكنها استراتيجياً وتجارياً مثالية للاستغلال. وقد تشكل شبه إجماع أوروبي منذ ذلك التاريخ على ضرورة زرع اليهود في فلسطين كما ذكرت صحيفة "التايمز اللندنية" في مقال عنوانه "سوريا-إرجاع اليهود" عام 1838م: (لم يعد اقتراح وضع الشعب اليهودي في أرض آبائه بحماية الدول الخمس مجرد فكرة بل اعتباراً سياسياً جاداً)(10). أما بعد حرب الخليج الثانية فقد أصبح حفظ أمن العدو الصهيوني ودمجه في نسيج المنطقة هو الاعتبار السياسي الأول للغرب في وطننا. ولأن كانت حملة محمد علي آنذاك جعلت الغرب يحزم أمره منذ ذلك التاريخ على إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، ليشطر وطننا نصفين، حتى لا يتمكن أي قائد من تحقيق الوحدة بين شطريه، التي هي بداية النصر. فإن احتلال صدام حسين للكويت، كشف كم هو النظام السياسي العربي المتمثل في الجامعة العربية ضعيف وهزيل، عندما عجز عن مواجهة هذا التحدي الجديد، وفشل في أن يجد له حلا قبل أن يفرض عليه الحل من الخارج. مما شجع الغرب أن يضع على رأس أولوياته اغتنام الفرصة الجديدة لتأمين مصالحه في وطننا، وعلى رأسها "توفير الأمن للعدو الصهيوني ـ والسيطرة على النفط".وترتيب أوضاع وطننا وخارطته الجغرافية والسياسية والطائفية والدينية ... من جديد . المســألة الشـــرقيــة منذ ذلك التاريخ بدأت حساسية الغرب تزداد من وجود نظام سياسي عربي أو إسلامي أو أي قوة في المنطقة، وكلما ازدادت أهمية المنطقة للغرب كلما ازدادت حساسيتها ورغبتها في تدمير وتحطيم القوة السياسية في المنطقة. ولم يكن في ذلك الوقت غير الدولة الإسلامية العثمانية قوة تحول دون سيطرة الغرب على وطننا، ولم يشأ الغرب أن يكشف عن حقيقة أهدافه ضد وطننا وأمتنا وثرواتها، ونظامها السياسي بالتحديد، حتى لا يثيروا مشاعر الغضب والعداء من شعوب الأمة ضدهم، لذلك استخدموا مصطلح "المسألة الشرقية" بعد الحملة الفرنسية، للدلالة على الصراع بين الدول الأوروبية الطامعة في احتلال وطننا وبين الدولة الإسلامية العثمانية. وكان هذا المصطلح يرمز إلى ما كان يعتبره الغرب احتلالا إسلاميا لأجزاء من أوروبا، يجب على الغرب، أن يدعم شعوبها لتثور ضده مطالبة بالاستقلال والانفصال عن الدولة الإسلامية العثمانية، لإضعاف القوة الإسلامية العثمانية في أوروبا. لأنه بعد استقلال آخر الولايات العثمانية الأوروبية بعد حرب البلقان عام 1913م، سيستبدل المصطلح بمصطلح جديد يدل على ضرورة فصل الولايات العربية العثمانية عن الخلافة الإسلامية تمهيدا للقضاء على النظام السياسي الإسلامي، وقد تم له ذلك عام 1924م على يد مصطفى كمال أتاتورك. وقد كان المصطلح الجديد هو "الشرق الأوسط"، الذي شاع استعماله في الإعلام الغربي منذ بداية القرن الماضي. وأيا كانت حدود المنطقة التي فرضوا عليها مصطلح "الشرق الأوسط" التي تتفاوت حدودها الجغرافية في المفاهيم " المناظير" الغربية بتفاوت مصالح الغرب في وطننا _كما سيأتي _، حسب كل مرحلة من مراحل صراعه مع الأمة الإسلامية للسيطرة على ثروات الوطن الإسلامي، وتدمير الإسلام عقيدة ومنهج حياة في نفوس أبناء الأمة، إلا أن الجزء الأكبر منها ومركز ثقلها يبقى هم العرب، الذين هم مادة الإسلام و حملته الأوائل، و بهم يصلح حال الأمة أو يفسد، و بلادهم هي مخزون العالم الإستراتيجي من الثروات المختلفة، وعلى رأسها البترول والغاز الطبيعي، وهي حلقة الوصل بين قارات العالم القديم، وذات الموقع الجغرافي والإستراتيجي المتميز، الذي من أجل تفتيت وحدته وفصل شقه الشرقي عن شقه الغربي تم التحالف اليهودي _ الصليبي بداية القرن الماضي، والاتفاق بينهما على زرع العدو الصهيوني في قلب الأمة والوطن، وذلك بعد أن أوصى مؤتمر لندن وتقرير كامبل بنرمان بوضع وصايا لويس التاسع موضع التنفيذ. التحالف اليهودي _ الصليبي الغربي لقد أقلقت نظرية كون الحضارات تمر بدورات متعاقبة تنمو وتزدهر، ثم تشيخ وتذبل وتندثر، بال زعماء الدول الأوروبية الصليبية التي كانت تحتل معظم أراضي العالم القديم والجديد. وقد كان أول من تنبأ تنبؤا قاطعا بانهيار الحضارة الأوروبية الحالية الفيلسوف الألماني (أوزوالد شبنجلر)، وقد آمن المؤرخ البريطاني (جيمس أرنولد توينبي) بنظرية شبنجلر ولكنه قال: (أن هذا لن يحدث للحضارة الراهنة، والسبب في رأيه أن الحضارة الراهنة تعلمت من التاريخ وعرفت الخطر فهي سوف تتمكن من أن تتجنب تكراره)(11). فما هو هذا الخطر المحدق بالحضارة الأوروبية الذي عرفته وتعمل على تجنب تكراره؟. يجيب على هذا السؤال: مؤتمر لندن وتقرير كامبل بنرمان لقد كان مؤتمر لندن الذي عقد عام 1905م أخطر عمل قام به المستشرقين الغربيين ضد الأمة والوطن، فقد عقد المؤتمر بدعوى من حزب المحافظين البريطاني، وكان يهدف المؤتمر إلى تكوين جبهة من الدول الأوروبية ذات المصالح المتوافقة في العالم آنذاك، وهي: بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا وأسبانيا. وقد اتفقت هذه الدول على التعاون الودي فيما بينها، وتأليف لجنة من خبرائها تتولى الدراسة والبحث في نمو مصالحها المشتركة التي كانت تتمتع بها. وقد اشترك في المؤتمر مجموعة من كبار علماء التاريخ والاجتماع والزراعة والبترول والجغرافيا والاقتصاد، وأضخم نخبة من المفكرين والسياسيين الأوروبيين ممثلين عن الدول الصليبية المشاركة فيه. وقد كان الموضوع الوحيد المطروح للدراسة والبحث في هذا المؤتمر، كما جاء في خطاب (كامبل بنرمان) رئيس وزراء بريطانيا عن حزب الأحرار آنذاك، هو: (... فهل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون السقوط والانهيار، أو تؤخر الاستعمار الأوروبي وقد بلغ الآن الذروة وأصبحت أوروبا قارة قديمة استنفذت مواردها وشاخت معالمها بينما العالم الآخر لا يزال في شبابه يتطلع إلى مزيد من العلم والتنظيم والرفاهية)(12). وقد حدد كامبل بنرمان الخطر الذي يهدد الحضارة الأوروبية في خطابه الافتتاحي عندما قال: ( إن الحضارة الأوروبية مهددة بالانحلال والفناء والواجب يقضي علينا أن نبحث في هذا المؤتمر عن وسيلة فعالة تحول دون انهيار حضارتنا)(13). بعد سنتين أنهى المؤتمر دراسته وقدم نتائج ما توصل إليه على شكل تقرير سري خاص إلى وزارة الخارجية البريطانية, التي عندما رأت خطورته أحالته إلى وزارة المستعمرات البريطانية، ثم اختفى التقرير من غير أن يعرف أحد به. إلى أن نشره صحفي بريطاني صهيوني في معرض الدفاع عن الوطن القومي اليهودي في فلسطين، واستشهادا بآراء الحكومة البريطانية وقراراتها وموافقة سادة الاستكبار العالمي على ذلك، وتبريرا لقيام الكيان الصهيوني كضرورة اقتصادية وسياسية واجتماعية لأوروبا ومصالحها و سيطرتها على الشرق (14). وقد حدد التقرير موطن الخطر الذي يهدد الحضارة الأوروبية، بأنه يكمن في الشعب الواحد الذي يعيش على الشواطئ الجنوبية والشرقية للشريان البحري الحيوي لتلك الدول وللتجارة العالمية _ البحر المتوسط _ ، والتواصل بين تلك الدول ومناطق احتلالها. لذلك كانت توصياته العاجلة تتمثل في: (ضرورة فصل الجزء الإفريقي من المنطقة العربية عن جزئها الآسيوي وضرورة إقامة الدولة العازلة إذ أن إقامة حاجز بشري قوي على الجسر الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ويربطهما معا بالبحر المتوسط بحيث يشكل من هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة)(15). و قد كان من الوسائل والسبل أيضا: (العمل على إيجاد التفكيك والتجزئة والانقسام وإنشاء دويلات مصطنعة تابعة لتلك الدول وخاضعة لسيطرتها وأوصى التقرير بشكل خاص على محاربة اتحاد هذه الجماهير العربية أو ارتباطها بأي نوع من أنواع الاتحاد الفكري أو الروحي أو التاريخي وبضرورة إيجاد الوسائل العلمية القوية لفصلها عن بعضها بعض ما استطاع الاستعمار إلى ذلك سبيلا)(16). وبناء على ذلك كانت مراسلات "الحسين _ مكماهون" التي بدأتها بريطانيا عام 1914م مع حسين بن على شريف الحجاز، وزعيم الحركة القومية العربية الوليدة آنذاك، والتغرير بهم بالثورة على الدولة العثمانية، مقابل حصولهم على دولة عربية مستقلة تضم منطقة الهلال الخصيب و الحجاز. وفي الوقت نفسه كانت تتآمر عليهم لإجهاض هذه التطلعات القومية العربية لتأسيس دولة عربية واحدة، من خلال تقطيع أوصال دولتهم المنشودة وتقاسم أراضيها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بينها وبين فرنسا بحسب اتفاقية "سايكس_ بيكو" التي عقدت بينهما عام 1916م. ورد الجميل للعرب الذين تحالفوا مع العدو الصليبي ضد إخوانهم من المسلمين على أمل الحصول على دولة عربية موحدة، بمنح اليهود "وعد بلفور" في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917م، الذي تعهدت فيه بريطانيا والدول الأوروبية وأمريكا بإقامة الكيان الصهيوني لهم في فلسطين. نستطيع القول الآن ونحن مطمئنين أن الهدف من وراء كل المخططات الغربية واليهودية ضد وطننا، هو: ضرب الإسلام والقضاء، لأنه هو القوة الحيدة القادرة على إجهاض كل أطماعه في وطننا، وتهديد وجوده أيضا. وما مشروع بوش "الشرق الأوسط الكبير" أو " الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا" كم سماه مجددا في قمة الثماني المنعقدة في "سي آيسلاند" بولاية جورجيا الأمريكية، في بداية شهر نكبات الأمة" حزيران / يونيو 2004)، إلا إعادة إنتاج للمخططات الغربية ضد الأمة والوطن. وهذا ما سنتعرف عليه في هذه الدراسة |
|
|
|
|
|
#2 |
|
بقايا انسان
![]() ![]() تاريخ التسجيل: 11 / 9 / 2004
المشاركات: 392
معدل تقييم المستوى: 27 ![]() |
الجـذور التاريخـية لمصطلح الشرق الأوسط
لقد كان أول من استخدم هذا المصطلح "الشرق الأوسط" هو : "ألفرد تيير ماهان" الضابط والمؤرخ البحري الأمريكي عام 1902، وذلك لتحديد المنطقة الواقعة بين شبه الجزيرة العربية والهند، عند مناقشته للإستراتيجية البحرية البريطانية في مواجهة التحرك الروسي في إيران، ومخطط ألمانيا في إنشاء خط للسكك الحديدية – وقتذاك – يربط بين برلين وبين بغداد "العثمانية" من ناحية أخرى، حيث شمل المصطلح تركيا وإيران وبلدان الخليج العربي(17). وقد استخدم مصطلح "الشرق الأوسط" منذ ظهوره مع مشارف القرن العشرين في الدوائر الرسمية الغربية ووسائل الإعلام الغربي للدلالة على منطقة جغرافية بعينها من العالم، تسكنها شعوب يربط فيما بينها رباط الدين والعقيدة، مع اختلاف عناصرها القومية وهو في الأصل اصطلاح سياسي، أطلق على المنطقة العربية وما جاورها من بلدان مشرق الوطن الإسلامي. وقد شاع استخدامه للدلالة عليها في المخططات الغربية، تجنباً لاستخدام مصطلح الشرق الإسلامي، أو الوطن العربي والإسلامي، حتى لا يستثير الروح الإسلامية في المنطقة ضد الغرب الصليبي، وحتى لا تقوى النزعة الداعية إلى إقامة الجامعة الإسلامية آنذاك. أو كما يرى القوميون العرب، أنه كان لتجنب استخدام مصطلح المنطقة العربية لمحاربة مفهوم القومية العربية ونزع صفة الوحدة عنها. وليس للمصطلح ما يبرره في التاريخ، ولم نسمع بأي حركة أنها نادت بوحدة "الشرق الأوسط" يوماً في التاريخ العربي والإسلامي، لذلك يفضل عدم استخدامه، واستخدام مصطلح يعبرعن حقيقة هوية المنطقة، وما يجمع بين شعوبها من عناصر ومكونات دينية وحضارية، بالإضافة إلى الموقع الجغرافي، والخطر اليهودي – الصليبي الذي يتهدد مكونات وجودها العقدية والحضارية. الحدود الجغرافية "للشرق الأوسط" قبل نهاية الحرب الباردة تُعرّف موسوعة السياسة، الشرق الأوسط بأنه: (مصطلح غربي استعماري كثر استخدامه إبان الحرب العالمية الثانية وهو يشمل منطقة جغرافية تضم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق والخليج العربي ومصر وتركيا وإيران، وتتوسع لتشمل أفغانستان وقبرص وليبيا أحياناً ... كما أن للمصطلح دلالة على مركزية أوروبا في العالم وهو شرق أوسط بالنسبة لموقعها الجغرافي)(18). وإذا كانت أمريكا أول من ابتدع هذا المصطلح ليكون له دلالة سياسية وعسكرية، فإن بريطانيا كانت أول من روج هذا المصطلح إعلاميا. حيث كانت صحيفة "التايمز" البريطانية أول من نقل هذا التعبير الجغرافي الجديد، ثم استخدمته بعد ذلك حكومة بريطانيا رسمياً (عند قيام وينستون تشرشل في 1921، بعد الحرب العالمية الأولى، بإنشاء "إدارة الشرق الأوسط" في وزارة المستعمرات التي كان يتولاها كي تدير شئون فلسطين وشرق الأردن والعراق، والتي ما لبثت أن امتد اختصاصها إلى مصر)(19). وفي أثناء الحرب العالمية الثانية وسّع الحلفاء حدود الشرق الأوسط لتضم (مجموعة البلدان الواقعة في غرب الهند بآسيا ومنطقة شمال إفريقيا، بما أصبح في النهاية عنوانا على كل البلدان العربية و تركيا و إيران، ثم رقعة الدول المجاورة لها, التي كانت تتسع أو تضيق حسب الظروف. و إن انتهت بضم إثيوبيا "الحبشة" لها )(20). كما أن الاصطلاح أصبح أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها يستخدم للفصل بين مناطق النفوذ والأطماع والعمليات العسكرية، بين دول الحلفاء، حيث كان الشرق الأقصى منطقة التحركات الأمريكية واهتماماتها الاستراتيجية، والشرق الأوسط منطقة التحركات البريطانية – الفرنسية واهتماماتها الاستراتيجية. وقد ظلت هذه الحدود الجغرافية "للشرق الأوسط" شبه ثابتة في السياسة الغربية والعالمية طوال فترة الحرب الباردة، والصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وإن ظلت تسعى الولايات المتحدة الأمريكية بالتحديد وبريطانيا والغرب بصفة عامة إلى تغيير نسيج المنطقة العرقي القائم منذ آلاف السنين، وذلك بدمج العدو الصهيوني القائم بالسلب والاغتصاب في قلب الأمة والوطن ليصبح جزءا أصيلا من نسيج المنطقة. بعــد الحــرب البــاردة ولكن بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة وبعد حرب الخليج الثانية، تمكنت أمريكا من تشكيل تحالف دولي عسكري – سياسي لردع العراق، وفرض الهيمنة الغربية على "الشرق الأوسط" بعد خروجها منتصرة من حربها الباردة، وبعد نجاحها مع جمع الأطراف المتصارعة في "الشرق الأوسط" على مائدة المفاوضات في مؤتمر مدريد للسلام 1991، وبعد نجاح العدو الصهيوني في فرض مشروعه لما يدعيه سلاما على منظمة التحرير الفلسطينية وتوقيع اتفاقية أوسلو 1993، ولد وضع جديد يمثل في نظر المخطط الأمريكي تهديداً لمصالح الغرب الأمنية – الاستراتيجية في المنطقة (بترول الخليج والعدو الصهيوني). وهذا الخطر يتمثل في: استقلال الجمهوريات الإسلامية الست "جمهوريات آسيا الوسطى" التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي سابقاً، ومنها جمهوريتان تحتويان على كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، والخوف من انتقال الإسلام الراديكالي إليها مما سيؤثر على المصالح الأمنية الاستراتيجية لأمريكا والغرب في المنطقة، حيث يحذر التقرير الاستراتيجي الأمريكي الصادر في أيار / مايو 1995م (من خطورة تأثير بعض أنظمة الشرق الأوسط على ثمانية جمهوريات مستقلة عن الاتحاد السوفيتي سابقاً بسبب الارتباطات التاريخية والثقافية القوية لها مع الشرق الأوسط. كما يحذر بشكل خاص من إمكانية حدوث اضطرابات في حالة تصدير الإسلام الراديكالي على الطريقة الإيرانية إلى جمهوريات القوقاز وآسيا الوسطى. ويرى أن ذلك قد يؤثر على الجهود الإصلاحية في تلك الجمهوريات ويعقّد العلاقات بينها وبين روسيا. ويقترح التقرير ضرورة أن تتضمن أي سياسة أمريكية الحفاظ على استقلال هذه الجمهوريات)(21). ولما كانت عملية التغيير الشامل جارية في منطقة "الشرق الأوسط"، كان لا بد من إعادة صياغة وتعريف مصطلح "الشرق الأوسط" جغرافيا وسياسياً واقتصادياً وأمنياً وفق هذه التغييرات والتوجهات الجديدة، ووفقاً للمصالح الأمريكية التي تحاول الانفراد بقيادة النظام العالمي الجديد، وتمهيداً لتنفيذ "مشروع الشرق الأوسط الجديد" في المنطقة، الذي اقترحه وزير خارجية العدو الصهيوني بعد توقيع اتفاق اوسلو، بما يخدم مصالح الغرب والعدو الصهيوني . لذلك ظهرت بعض المفاهيم الجديدة لمصطلح "الشرق الأوسط"، سنعرض لبعضها مع التحليل. يرى "يوسف صايغ" أن الرؤية اليهودية "للشرق الأوسط تستمد من الجذور التاريخية والتوراتية، التي حددت الأرض من الفرات إلى النيل ميراثاً للشعب اليهودي، فيقول : (تمتد تاريخية المنظور "ونحن نغفل شمال أفريقيا من البحث" في إطار الحركة الصهيونية ودولة "إسرائيل" من الجذور التاريخية "التي تحدد المنطقة من الفرات إلى النيل ميراثاً للشعب اليهودي"، إلى تجسيد المنظور صراحة بعد حرب حزيران/يونيو 1967 بكتاب رسمي أصدرته "إسرائيل" بعنوان الشرق الأوسط عام 2000". ويستطرد قائلاً : "يمكن ملاحظة ضبابية مفهوم الشرق الأوسط مقابل مفهوم الوطن العربي أو المنطقة العربية. فالأول تعبير جغرافي عائم لم تتضح حدوده بعد، فهو يستثني الأقطار العربية في شمال أفريقيا، لكنه يضم بعض الأقطار العربية من مصر والسودان والصومال غرباً، والعراق شرقاً، واليمن جنوباً، وإلى ذلك المدى، فهو يجزئ المنطقة العربية الواحدة بعملية افترائية تعسفية متعمدة.... فالمصطلح يضم إلى جانب البلدان العربية المشرقية و"إسرائيل" القائمة على التراب الفلسطيني بالاغتصاب والاقتلاع والسلب، كلاً من قبرص وتركيا وإيران .. وهي غير عربية – مع أن البيان الختامي لقمة الدار البيضاء لا يذكر البلدان الثالثة الأخيرة بالاسم. ثم إن البعض يوسع المنظور ليشمل أفغانستان كذلك، مع إمكانية امتداده شرقاً من أفغانستان وشمالاً من تركيا. فالمنظور لا يعدو أن يكون تعبير عن بقعة جغرافية غير ثابتة الحدود ... وأخيراً ففي جميع الأحوال يشمل المنظور "إسرائيل" – بل إن "إسرائيل" كما يقول مسئولوها هي قلب الشرق الأوسط وتلتقي فيها معظم المشاريع والبرامج المنشورة في إطار الشرق الأوسط – وهي مقولة جاءت في خطاب الوزير الصهيوني بيريز في قمة الدار البيضاء)(22). أما (شيمون بيريز) في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" يحدد خريطة الشرق الأوسط (بأنها تمتد من حدود مصر الغربية حتى حدود باكستان الشرقية ومن تركيا وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية شمالاً حتى المحيط الهندي وشمال السودان جنوباً، وهي منطقة تجمع دولاً عربية وإسلامية وليس فيها خارج هاتين الدائرتين "العروبة والإسلام" سوى "إسرائيل")(23). أما "لطفي الخولي" فيخرج "الشرق الأوسط" عن إطاره المألوف، ويضم إليه أجزاء من جنوب أوروبا، اعتماداً على مبادرة (جاني ديميكيليس) وزير خارجية إيطاليا أثناء أزمة الخليج وحربها عام 1991 التي عبر عنها أكثر من مرة، ولقيت تجاوباً ملموساً من اليونان وأسبانيا، ونعني بها عبارته بشأن إقامة مجلس التعاون والأمن بين جميع بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، على غرار مجلس التعاون الأمني الأوروبي، الذي تحكمه اتفاقية هلسنكي التي عقدت عام 1975. وهذه المبادرة تخرج "الشرق الأوسط" عن الصورة التقليدية له وهي : الدول العربية وإيران وتركيا و"إسرائيل" وأثيوبيا، لتصبح مساحته الجغرافية تتسع لتضم الدول الأوروبية المتوسطية (اليونان، إيطاليا، أسبانيا، البرتغال، قبرص، مالطا)، باستثناء فرنسا وينقل خط حدود الشرق الأوسط إلى شمال البحر المتوسط وجنوب أوروبا(24). يمكن من المفاهيم السابقة استخلاص بعض الملاحظات: 1- اعتبار العدو الصهيوني جزء أساسي من منطقة الشرق الأوسط في كل المفاهيم. 2- تقطيع الوطن الإسلامي في المفاهيم المختلفة مرة بفصل شمال أفريقيا المسلم، ومرة بضمه وفصل الشرق الإسلامي كما في مبادرة ديميكيليس. 3- أطلق المصطلح بداية على بعض الدول العربية والإسلامية التي يمكن أن تشكل وحدة سياسية ذات تجانس ثقافي وحضاري، حتى بعد أن ضمت إليها أثيوبيا وقبرص، فالأولى ذات أغلبية مسلمة وعربية الأصول عرقياً، وإذا ما تم دعم الوجود الإسلامي المقهور فيها يمكن لها أن تأخذ مكانها الطبيعي في أرض الوطن. ودورها إلى جانب بقية شعوب الأمة. والثانية، تاريخياً كانت جزء من الأراضي الإسلامية، وبها عدد كبير من المسلمين الأتراك يقارب النصف، ويمكن لها بحكم موقعها وتاريخها الانسجام إلى حد كبير مع بقية أجزاء الوطن. أمّا وقد ضُمت إليه العدو الصهيوني أخيراً – نظرياً – تمهيداً لضمه فعلياً. ودمجه في نسيج دول المنطقة، باسم "الشرق أوسط الجديد"، أو "النظام الإقليمي الجديد" للمنطقة، فإن المنطقة لا يمكن لها أن تشكّل وحدة سياسية ذات تجانس تاريخي وفكري أو ثقافي أو حضاري، ولا حتى عرقي، لأنها تتناقض تناقضاً جذرياً أيديولوجياً وحضارياً مع شعوب المنطقة، وتختلف عنها في أهدافها وغاياتها جذرياً أيضاً، بالإضافة إلى أنها تقوم في قلب الوطن بالاغتصاب، والتشريد لأهله، وحرمانهم من أبسط حقوقهم. 4- أياً كانت حدود الشرق الأوسط الجغرافية فإن الوطن العربي وخاصة مشرقه يشكّل قلب هذا الشرق الأوسط، وشريانه النابض، والجسر الأرضي الذي يربط شرقه بغربه، وشماله بجنوبه. إن مصطلح "الشرق الأوسط" ضاقت مساحته الجغرافية أو اتسعت، فإنه يعني في المفاهيم الغربية الوطن الإسلامي. الذي يمثل مناطق النفوذ للدول الغربية المتنافسة للسيطرة عليه وعلى ثرواته، والمتفقة فيما بينها على أن عقيدة شعوبه المتنوعة الأعراق و الأجناس تمثل العدو المركزي للغرب و أطماعه، والبديل الحضاري عنها. وكما كانت تستخدم مصطلح "المسألة الشرقية" قبله للدلالة على أطماعها في ممتلكات الدول الإسلامية العثمانية، فهي تستخدمه اليوم لنفس المعنى في الوطن كله. فقد وجه أحد النواب في مجلس العموم البريطاني سؤالا للحكومة عن البلاد التي تدخل ضمن اصطلاح "الشرق الأدنى"؛ فأجابه وكيل وزارة الخارجية آنذاك قائلا: (إن تعبير "الشرق الأدنى" الذي لازم السلطنة العثمانية يعتبر الآن في بريطانيا العظمى مما فات أوانه في اللسان الرسمي، ويستعاض عنه الآن بتعبير "الشرق الأوسط". ومجموعة البلاد التي يشار إليها بهذا التعبير تشمل: مصر، العراق، سوريا، لبنان، "إسرائيل"، العربية السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، قطر، مسقط، محمية عدن واليمن. أي ما يعرف بالوطن العربي مع اقتطاع المغرب العربي الكبير، ومع إضافة إسرائيل بديلا عن فلسطين)(25). لذلك سأستخدم مصطلح " الوطن " أو "الوطن العربي و الإسلامي" للدلالة على ما يسمونه "الشرق الأوسط الكبير"، لعله يكون بداية لتقويم المقلوب، والعودة إلى الذات وإدراك أبعاد ومخاطر الاستمرار في استخدام المصطلحات الغربية التي تنطوي على أبعاد خطيرة ضد الأمة والوطن دون الانتباه إلى مخاطرها. وقبل أن نتحدث عن "النظام الإقليمي" و "الشرق الأوسط الجديد" الذي طرحه شيمون بيريز بعد اتفاق اوسلو، و"الشرق الأوسط الكبير" الذي يطرحه الآن بوش إحياء منه ومن قوى الظلام الصهيونية والنصارى الصهاينة "المحافظين الجدد"، للمخططات الغربية التي فشلت سابقا يوم كانت الأمة واعية، وحية، ومتيقظة، لأهداف الغرب في وطننا. سنتوقف قليلا لنعرض لأهمية وطننا طوال مراحل التاريخ، وما يمثله للغرب في الوقت الحاضر كمصدر للطاقة عالميا، ولأهميته اقتصاديا وتجاريا بالأرقام. ثانياً : الأهمية الجغرافية والإستراتيجية لوطننا لقد حظي وطننا منذ القدم باهتمام الدول الكبرى، نظراً للخصائص الإستراتيجية التي يتمتع بها، حيث أضافت عليه تلك الخصائص أهميه خاصة، فجعلته أهم المناطق الحيوية، ومهد الحضارات الإنسانية، وملتقى الحضارات القديمة الشرقية والغربية، ومعبراً رئِسياً لطرق المواصلات البرية والبحرية والجوية، وجسراً لجيوش الإمبراطوريات الكبرى قديماً وحديثاً إلى الشرق والغرب ، ومسرحاً للصراعات الغربية الطامعة فيه، ومحوراً تدور حوله الكثير من الأحداث العالمية، وميداناً للتنافس بينهما، لدرجة أن ساد الاعتقاد بأن من يريد أن يسيطر على العلاقات الدولية، يجب أن يسيطر على سوريا من المنطقة العربية عامة، وفلسطين خاصة. كتب البريطاني (جورج أدم سميث ) عام 1891 في معرض الإشارة إلى الدور التاريخي والجغرافي لسوريا الطبيعية ككل: (إن تاريخ سوريا هو دورها العظيم كوسيط، وهو الدور الذي حافظت عليه منذ أقدم الأزمان إلى يومنا هذا . وبتحديد أدق تقع سوريا بين قارتين، آسيا وأفريقيا، بين الموطنين الأولين للإنسان هما وادي الفرات ووادي النيل، بين العالمين الشرقي القديم من جهة والغربي الحديث من جهة ثانية)(26) . أن الموقع الإستراتيجي لوطننا جعل منه مدخلاً لأفريقيا، وجسراً لأسيا، ومعبراً إلى المحيطات الكبرى، ومشرفاً على عدد من طرق المواصلات البحرية الهامة للتجارة العالمية، وقد ازدادت خطورة موقعه مع ازدياد نشاط التجارة العالمية، واتساع حركة النقل والسياحة، والانفتاح الثقافي والحضاري والتجاري، مما جعله موقعا مهما وقت السلم، كما هو مهم وقت الحرب، واكسبه أهمية خاصة من السياسات الدولية. فهو يعتبر (نقطة التقاطع الهامة بين أوربا وأسيا وأفريقيا، بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب، وتتحكم المنطقة بمجموعة من أهم مواقع المرور الدولية، وهي : قناة السويس بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، ومضيق باب المندب بين البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، ومضيق هرمز بين الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي، ومضيقي البسفور والدردنيل بين البحر الأسود والبحر المتوسط، ومضيق جبل طارق بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي)(27). إن هذا الموقع المتميز لوطننا كقلب العالم، جعل الحضور التجاري والعسكري للدول الغربية الكبرى في المنطقة حيويا لنموها وتطورها، ولفرض سياستها على المنطقة كتب (أ . ت .ماهان ) في كتابه "تأثير القوة البحرية على التاريخ " الصادر عام 1892م (جعلت الظروف البحر الأبيض المتوسط يلعب دوراً تجارياً وعسكرياً في تاريخ العالم أكبر مما لعبه أي سطح مائى أخر يتمتع بالحجم ذاته . فقد سعت أمة بعد أمة للسيطرة عليه ولا يزال الصراع مستمراً)(28 ) . وفي قلب الوطن العربي والإسلامي تقع فلسطين، في ذلك الجزء الجنوبي الغربي من سوريا، الذي يقع بين البحر المتوسط من الغرب وسوريا ونهر الأردن من الشرق ، ولبنان من الشمال، والبحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء من الجنوب والجنوب الغربي. هذا الموقع الفريد لفلسطين أعطاها أهمية سياسية بالغة على المستويين العربي والدولي (فمن جهة أولى تشكل فلسطين قلب الوطن العربي الكبير الذي يصل جزؤه الممتد في أفريقيا بجزئه الممتد في آسيا، مما جعلها دائما نقطة ارتكاز أساسية في أية عملية توحيد سياسية للأمة العربية. ومن جهة ثانية تشكل فلسطين نقطة التقاء وانطلاق رئيسية في الجسر الممتد على معابر القارات الثلاث، أفريقيا وآسيا وأوربا، مما جعلها دوما محوراً هاماً في مخططات حركة الاستعمار العالمية منذ البدايات المبكرة لهذا القرن)(29) . و في العقد الأخير من هذا القرن جاء التقرير الاستراتيجي الأمريكي عام 1995ليؤكد على أهمية السيطرة الأمريكية إلى وطننا وضرورة ذلك للحفاظ على حرية الملاحة البحرية لناقلات البترول، بالإضافة إلى خطوط النقل الجوي الرئيسية في المنطقة، وأن سيطرة أمريكا على المنطقة سيزيد من أهمية القدرة التجارية الأمريكية وإظهار قوتها من العالم. لذلك أعتبر التقرير (أي محاولة لاعتراض حركة مرور السفن الحربية الأمريكية في المنطقة وقت الحرب قد يتطلب من الولايات المتحدة استخدام القوة لإبقاء خطوط الاتصال الحيوية هذه مفتوحة). و لأن الولايات المتحدة بلدا بحريا من الناحية التجارية فقد نصبت من نفسها حامية بالقوة و الإكراه للملاحة العالمية في بحارنا. وهذا ما أكد عليه التقرير أيضا (ما دامت الولايات المتحدة بلداً بحرياً تجارياً ذا مصالح عالمية ، سيكون لها مصلحة في حماية حرية الملاحة والوصول إلى الأسواق الإقليمية)(30). ثالثاً : الأهمية الإستراتيجية لوطننا كمصدر رئسي للطاقة عالمياً لقد أضفى ظهور الثورة الصناعية في أوربا على وطننا أهمية ثانية إلى جانب أهمية موقعه الاستراتيجي. بأن أصبح مصدر للمواد الخام ، وسوقا تجارية لتصريف منتجات الغرب الصناعية. ومع ظهور النفط في بداية هذا القرن في بعض مناطق وطننا ازدادت أهمية وطننا في المخططات الغربية، وأشتد التنافس بين الدول الغربية الصليبية للسيطرة على مناطق النفوذ الحيوية فيه. كما أن التطور التكنولوجي والصناعي الخطير الذي حدث في الغرب في النصف الثاني من هذا القرن، فرض على الدول الصناعية البحث عن مصادر للطاقة رخيصة التكلفة وقليلة الأضرار، ولما كان النفط والغاز الطبيعي أرخص هذه المصادر، ووطننا يعتبر مخزون العالم الاستراتيجي منهما، كان لا بد أن يحتل أهمية استراتيجية وحيوية في السياسات الدولية والمخططات الغربية. وقبل الحديث عن نسبة الاحتياطي العالمي من النفط والغاز الطبيعي في وطننا سنعطي لمحة عن أهميتهما ومساهماتهما في الطاقة العالمية. أهمية البترول والغاز ومساهماتهما في الطاقة العالمية : سيظل البترول والغاز لفترة طويلة يلعبان دوراً مؤثراً وحيويا، كمصدرين رئيسيين من مصادر الطاقة وتلك حقيقة نستنتجها من عرض موجز لموارد الطاقة العالمية على النحو التالي : يساهم الفحم الحجري ، بجانب الأخشاب بحوالي 27% من استهلاك العالم من الطاقة الأولية . • تساهم مصادر الطاقة المائية بحوالي 2.5% من إجمالي الاستهلاك العالمي . • تساهم الطاقة النووية بحوالي 7% من الاستهلاك العالمي، وهنا تحتاج إلى تطوير التكنولوجيات الحالية وإيجاد تكنولوجيات جديدة لمواجهة المشاكل البيئية ومتطلبات الأمن الصناعي . • تساهم مصادر الطاقة المتجددة ( مثل الشمسية وطاقة الرياح ) بأقل من 1%من إجمالي استهلاك الطاقة العالمية . • أما البترول والغاز فسيظلان المصدر الرئيسي للطاقة في المستقبل المنظور. إذ يمثلان حاليا حوالي 63% من استهلاك العالم من الطاقة . وعلى ضوء خريطة استهلاك العالم من الطاقة التي عرضنا لها ، يمكن القول أن البترول والغاز ، خلال المائة عام القادمة ، عليهما توفير القدر الرئيسي من الطاقة المطلوبة عالمياً والتي تستخدم في النقل وتوليد الطاقة والصناعة وتوفير الكثير من فرص العمل . ومن التوقع أن يزيد الطلب العالمي على النفط بمعدل حوالي 2 % سنوياً ... وسيرتفع الطلب على الغاز عام 2020 حوالي 65 % . وقد أصبح البترول الآن يدخل في كثير من عادات الإنسان وسلوكياته اليومية فنحن نحيا الآن عصر البترول الذي تغلغلت استخداماته في حياتنا من مأكل وملبس ومسكن ورعاية صحية ووسائل مواصلات بل وتغير البيئة من حولنا. حيث تستخدم المشتقات البترولية في إنتاج الأسمدة اللازمة للأراضي الزراعية المنتجة لغذاء الإنسان كما تستخدم البتروكيماويات في إنتاج الآليات الصناعية وبدائل القطن وفي صناعة البلاستيك، كذلك فإن المنتجات البترولية تستخدم في الدواء وكوقود للسيارات والطائرات والسفن،وفي إنتاج المنظفات الصناعية ورصف الطرق وغيرها من التطبيقات الأخرى التي لا نستطيع الاستغناء عنها (31) . بعد هذه اللمحة السريعة لأهمية النفط والغاز نقدم أخر الإحصائيات التي توفرت لنا عن احتياطي وإنتاج كل من النفط والغاز في الوطن العربي وبعض الدول الإسلامية المجاورة له، أو ذات التأثير والثقل النفطي في إستراتيجية السياسة الغربية . لقد بلغ حجم احتياطي النفط الخام في وطننا العربي فقط عام 1987 : 564,68 مليار برميل . أي نحو 64 % من الاحتياطي العالمي (32) . وفي عام 1990 بلغ مجموع احتياطي الدول العربية الأعضاء من منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، نحو 623,2 مليار برميل، بزيادة 31 مليار برميل عما كان عليه عام 1989 أي بنسبة 5,3 %، فأصبحت تساهم بنسبة 61 % من الاحتياطي العالمي للنفط لعام 1990(33 ). في عام 1990 بلغ الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي حوالي 119,2 تريليون متر مكعب وهو يزيد عما كان عليه عام 1989 بحوالي 606 تريليون متر مكعب، أي بنسبة 5,8 %. وفي الدول العربية الأعضاء في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول ارتفع احتياطي الغاز عام 1990 بنسبة 3,3 % عما كان عليه عام 1989، حيث ارتفع من 24,5 تريليون متر مكعب عام 1989، إلى 25,3 تريليون متر مكعب عام 1990،... وبلغت نسبة مساهمة احتياطي الأقطار الأعضاء 21,2 % من الاحتياطي العالمي (34). وفي عام 1994 ارتفعت الاحتياطيات العالمية من النفط الخام بصورة طفيفة بلغت 4,. من المائة ، أي ما يعادل 3,8 مليار برميل مقارنة بما كانت عليه خلال عام 1993، لتصل إلى نحو 1023 مليار برميل، ويمثل احتياطي الدول العربية من الاحتياطي العالمي نحو 61,60 من المائة خلال عام 1994 (35) . أما احتياطي الغاز الطبيعي ارتفعت مساهمة الدول العربية في الاحتياطات العالمية منه من 20,6 في المائة خلال عام 1993 إلى 21,1 من المائة خلال عام 1994(36). أما على صعيد الإنتاج فقد وصل الإنتاج العالمي من النفط الخام خلال عام 1994 إلى نحو 65, 4 مليون ب/ ى محققا ، وعلى مستوى الدول العربية ارتفع إجمالي الإنتاج خلال عام 1994 إلى حوالي 18,2 مليون ب /ى. وظلت مساحة الدول العربية من الإنتاج العالمي عند حدود 28 في المائة خلال عام 1994(37). أما الغاز الطبيعي فقد ارتفع الإنتاج العالمي منه عام 1993 إلى 2,66 تريليون متر مكعب وقد كان نصيب الدول العربية من هذه الزيادة حوالي 14,8 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 23 في المائة من الزيادة العالمية(38 ). أما إنتاج وطننا كله من النفط يمثل 40 % من الإنتاج العالمي،.. أما الغاز الطبيعي فيبلغ احتياطي وطننا منه حوالي 25 % من الاحتياطي العالمي، في حين لا تملك الدول السبع الصناعية، ومعها بقية دول غرب أوربا _ إلا 5,5 % من الاحتياطي العالمي بمتوسط عمر إنتاجي يبلغ (10) سنوات فقط (39). وقد جاء في التقرير الاستراتيجي لوزارة الدفاع الأمريكية 1995عن حجم احتياطي النفط من المنطقة ومع وجود النفط في شمال أفريقيا وأماكن أخرى من الشرق الأوسط ترتفع نسبة هذا الاحتياطي في الشرق الأوسط إلى 70 % من الاحتياطي العالمي. وفي السعودية وحدها يزيد احتياطي النفط فيها عشرات المرات عن النفط الموجود في الولايات المتحدة . وتوفر منظمة الاوبيك 80 % من الطلب العالمي على النفط ومعظمه من الخليج) لذلك سيظل للولايات المتحدة في وطننا (مصالح أمنية قومية لأن العالم سيبقى معتمدا على نفط الخليج "الفارسي" في أوائل القرن الحادي والعشرين أكثر من اعتماده اليوم)(40). هذا بالإضافة إلى نسبة الأرباح الهائلة التي تحققها الشركات البترولية من استثماراتها في وطننا مقارنة باستثماراتها في مناطق أخرى. فقد ذكرت مجلة "لايف" الأمريكية عددها "12" بتاريخ تشرين الثاني / نوفمبر عام 1956: إن بترول "الشرق الأوسط" الخام هو أرخص بترول في العالم. إذ بلغت أرباح البترول لشركة أرامكو عام 1955 "500" مليون دولار. أما صحيفة "الجويش كرونيكل" اليهودية الأمريكية فقد كتبت تقول: إن احتكارات البترول تحصل من توظيف الأموال في الولايات المتحدة على ربح من رأس المال الموظف يصل في أمريكا الجنوبية إلى 25%، وفي " الشرق الأوسط" إلى 75% من رأس المال الموظف(41). |
|
|
|
|
|
#3 |
|
بقايا انسان
![]() ![]() تاريخ التسجيل: 11 / 9 / 2004
المشاركات: 392
معدل تقييم المستوى: 27 ![]() |
ثالثا: الأهمية الاقتصادية والتجارية لوطننا
ومما يزيد من أهمية وطننا في السياسات الغربية أيضا ، أنه قوة اقتصادية كبيرة، وسوق تجارية ضخمة نسبيا، فهو يضم حوالي 380 مليون نسمة، ( الوطن العربي ـ وقبرص وفلسطين "إسرائيل" وتركيا وإيران )، (يشكل العرب 66 بالمائة من مجموع سكان الشرق الأوسط ، وتمتد مساحته الكلية إلى 15,4 مليون كيلو متر مربع تمثل الأرض العربية 84 % منها)(42). وبحكم أن المنطقة العربية هي قلب وطننا العربي والإسلامي ومحور السياسات الإستراتيجية للدول الكبرى، ومن المعلومات الموثقة المتوفرة لدينا عن الوطن العربي، فإننا سنحاول أن نظهر حجم القوة البشرية القادرة على العمل فيه بصفة عامة، ونخصص لدول الطوق المعنية بالدرجة الأولى بالمشروع الأمريكي لتماسها المباشر مع العدو الصهيوني المراد دمجه في نسيج وطننا وإنهاء حالة العداء بينه وبين هذه الدول. لنظهركم حجم الفائدة التي سيجنيها أعـداد الأمة من وطننا في حال نجاح قيام "الشرق الأوسط الكبير"، وذلك لعظم القوة الاقتصادية (الأيدي العاملة الرخيصة والقوة الشرائية والأمـــوال المحلية المستثمرة وخاصة دول البترول. والمساحة الجغرافية الواسعة في حال هجرات أوربية) . المساحة : تبلغ المساحة الكلية للوطن العربي 1,4مليار هكتار ( 14 مليون كم2 )، نسبتها إلى العالم 10,2 % (43). عدد السكان: بلغ عدد السكان الكلي للوطن العربي حسب إحصائية عام 1994: 248,906,61 نسمة. عدد السكان الريفيين من المجموع الكلي : 118,984,18 نسمة (44). حجم القوة العاملة الكلية: 68,236,80 نسمة. مستثنى منها فلسطين وجيبوتي . القوة العاملة الزراعية: 27,237,06 نسمة. (45) كما أن مساحة الرقعة الجغرافية بالهكتار، والرقعة المزروعة، ومساحة الغابات منها، ورقعة المراعي، ونصيب الفرد من الرقعة الجغرافية والرقعة المزروعة، يبين قلة كثافة السكان بالنسبة للرقعة الجغرافية، وعدم الخوف من أي زيادة سكانية مهما كانت، شريطة أن يتم تحقيق الوحدة والتكامل الاقتصادي بين دول الوطن العربي. كما أنه بلغ إجمالي تقديرات سكان الوطن العربي لعام 1995 نحو 255,687 مليون نسمة ، بلغ عدد الذكور منها : 130,395 مليون نسمة، وبلغ عدد الإناث: 125,292 مليون نسمة(46). إن قوة العمل في دول الطوق الأربعة فقط يبلغ 50,881,208 مليون نسمة . وهذه قوة كبيرة ورخيصة في الوقت نفسه. وإذا ما علمنا أن دول الوطن العربي خاصة لا تكفي نفسها ذاتياً من المواد الغذائية والزراعية والحيوانية، فضلاً عن ضعفها الصناعي وعدم قدرتها على المنافسة العالمية صناعياً، إلا في مجالات محددة مثل المنسوجات القطنية وأنواع محددة منها أيضا، أدركنا أهمية وطننا بالنسبة للتجارة الدولية،وخاصة العدو الصهيوني والدول الصناعية الكبرى. وفي الوقت الذي أصبح فيه الطعام سلاحاً في أيدي الدول الموردة له "دول الاستكبار العالمي"، (تشير التقديرات الخاصة بحجم الطلب على السلع الغذائية الرئيسية في العالم العربي في عام 2000 إلى أن إنتاج هذه السلع يجب أن يزداد 200 في المائة في حالة القمح و175 من المائة بالنسبة للمنتجات الحيوانية والمحاصيل الريفية و300 من المائة للسكر إذا ما أراد العالم العربي أن يسد هذه الفجوة )(47). بعد ما تقدم يمكننا الآن أن نتأمل كم هو مهما وطننا تجارياً للدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الدول السبعة الصناعية، التي (لا يزيد سكانها عن 12 في المائة من مجموع سكان الكرة الأرضية ، ولكن نصيبها من الإنتاج الاقتصادي العالمي لا يقل عن 55 في المائة ، كما تصل نسبتها من الصادرات العالمية إلى 52 في المائة، ويوجد لدينا 44في المائة من احتياطي الغذاء في العالم)(48). المخططات اليهودية لإقامة الشرق الأوسط الجديد لم يعد خافياً على أحد أن هدف الحركة الصهيونية منذ البداية لم يكن إيجاد وطن قومي لليهود المضطهدين في أوروبا فقط، ولا العودة إلى أرض الميعاد التي وعدهم بها إلههم الخاص من دون البشر جميعاً "يهوه"، ولا ... ولا ... مما حاول ترويجه اليهود للحصول على فلسطين، ولكن كان هدفها ولا يزال هو اتخاذ فلسطين نقطة انطلاق لهم للسيطرة على الوطن العربي وثرواته ومن ورائه الوطن الإسلامي والعالم أجمع، وفرض "السيادة اليهودية العالمية" وإقامة مملكة "إسرائيل" في الأرض، وتنصيب ملكاً عليها من نسل داود حتى يتمكن إلههم المحروم منذ دمار مملكة "إسرائيل" الأولى "الدولة اليهودية" على يد ملك البابليين نبوخذ نصر عام 586ق.م، حتى يتمكن إلههم المشرد خارج مملكته في السماء منذ ذلك التاريخ من دخول مملكته!! لم هذا الهدف وهذه الغاية خافية على أحد. والتاريخ يحفظ رسالة من اللورد اليهودي البريطاني روتشيلد إلى رئيس وزراء بريطاني في أربعينات القرن التاسع عشر بالمرستون، لم تخرج عنه نتائج تقرير كامبل بنرمان الذي بناء عليها تم التحالف مع الحركة الصهيونية، فقد قال فيها محذرا من عودة المسلمين لدينهم، ولأهمية إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين لشطر الأمة والوطن: (هناك قوة جذب بين العرب وعودة مجدهم المرهون بإمكانات اتصالهم واتحادهم، وأن فلسطين تعد الجسر الذي يصل بين مصر وبين العرب في آسيا، بوابة الشرق حيث يجب زرع قوة غريبة لتكون حاجزا)(49). كما نجد في بعض كتابات وصريحات قادة الحركة الصهيونية وغيره حديث عن التفكير في قيام نظام سياسي واقتصادي يجمع الكيان الصهيوني والدول العربية. فقد دعا (ثيودور هرتزل) إلى (ضرورة قيام كومنولث شرق أوسطي يكون "لدولة اليهود" فيه شأن فاعل، ودور اقتصادي قائد).أما (دافيد وبن غوريون)فقد (اقترح على الرئيس الأمريكي أيزنهاور إقامة سد منيع ضد التيار القومي العربي، يضم إسرائيل وتركيا وإيران وإثيوبيا، وذلك في الرسالة التي وجهها إليه عام 1958)(50). لذلك سنبدأ الحديث عن "النظام الإقليمي" و"الشرق الأوسط" من خلال الرؤية اليهودية، لأنه غالبا ما تكون الأفكار الغربية و الأمريكية الذات صدى لهذه الأفكار. تعريف النظام الإقليمي: (النظام الإقليمي هو نظام من العلاقات المتشابكة والمتبادلة في مختلف الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية...ألخ، بين الدول المنخرطة في إطاره، وتعد القاعدة الأساسية التي تحكم الانضواء في نظام لإقليمي ما، هي القاعدة الجغرافية _الإقليم _ وهو نظام لا قومي يشمل عدد من القوميات، ورغم أنه ينبني بذرائع التعاون الاقتصادي والعلمي، والبيئي...،إلا أنه مرتبط بالضرورة بنظام سياسي محدد إقليمي ودولي في آن واحد، مهما حاولت الدول المنخرطة فيه التعتيم على هذا الجانب الأساسي كقاعدة لقيام النظام الإقليمي)(51). إن فكرة "النظام الإقليمي" و"الشرق الأوسط الجديد" فكرة قديمة وليست جديدة كما يدعي أنصارها، وهي ذات علاقة وطيدة بقبول الكيان الصهيوني كجزء من نسيج المنطقة ودمجه في شعوبها، وذلك لأن وجود الكيان الصهيوني يعمق تجزئة الوطن ويكرسها، ويحول دون وحدته، ويحقق للقوى العدوانية الغربية – اليهودية استمرار سيطرتها على ثروات الوطن، وهيمنتها السياسية والاقتصادية والحضارية، (لهذا كان الدفاع عن "إسرائيل" ودعمها وتطويرها الشغل الشاغل لما يدعى "بمؤتمرات بيلدلبرغ" التي تضم كبار أثرياء العالم. وكان أول تلك المؤتمرات قد عقد في آيار مايو عام 1954م في فندق "بيلدلبرغ" بمدينة أوستربك الهولندية، ولذلك أطلق هذا الاسم على تلك المؤتمرات. وقد عقدت لقاءات "بيلدلبرغ" بعد ذلك على التوالي في الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا وألمانيا الاتحادية وتركيا والسويد)(52). وكانت تعقد في سرية تامة. وقد كان من أهم المواضيع التي بحثها أصحاب الملايين في "لقاءات بيلدلبرغ" في عقدي الخمسينات والستينيات من القرن الماضي مواضع اقتصادية، بهدف السيطرة على وطننا ، ودمج العدو الصهيوني من خلال هذه المشاريع في وطننا، وقد كان من أبرز ثمار تلك المناقشات ذلك التكتل الاحتكاري الشهير الذي عرف باسم "شركة التطوير الصناعي لبلدان الشرقين الأدنى والمتوسط". وكان الهدف من إنشاء ذلك التكتل (استخدام الرساميل الفردية لتطوير دول الشرقين الأدنى والأوسط على أساس إقليمي،.... وقد ظهرت تلك الشركة على المسرح بعد فشل مغامرة السويس التي قامت بها إنجلترا وفرنسا و"إسرائيل" عام 1956. وكانت تلك الشركة في جوهرها سلاحا مالياً بعيد المرمى ينبغي عليه تمهيد الجو لفرض مبدأ أيزنهاور-دالاس. وكانت مشاكل الشرق الأوسط أيضا محور أعمال "لقاءات بيلدلبرغ" لأصحاب المليارات الذي تم في جزيرة سان سيمون)(53). لقاءات بيلدلبرغ وعلاقتها بالكيان الصهيوني لتحقيق هذه الأهداف اليهودية، كان لابد لليهودية العالمية التي تسيطر على اقتصاد العالم بعد أن استطاع العدو الصهيوني تحقيق انتصاره في عدوان 1967م، أن يتم ربط اقتصاد العدو الصهيوني بعجلة الاقتصاد العالمي وحركة الاستثمارات العالمية، وذلك للارتقاء بدوره من شريك سياسي وعسكري إلى شريك اقتصادي في المنطقة. فقد استطاعت أن تربط بين دورها العسكري ودورها الاقتصادي وتجعل من نفسها محور اهتمام الرأسمالية العالمية التي ترمي إلى السيطرة الكاملة على ثروات وطننا، وقد ساعدت لقاءات بيلدلبرغ التي يسيطر عليها الرأسماليون اليهود على زيادة الاهتمام بالعدو الصهيوني بعد عدوان 1967م، حيث عقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 1967 (في إحدى دارات روتشيلد بسويسرا، لقاء سري لمجموعة من ملوك المال، بحثوا مجمل جوانب مشاكل الشرق الأوسط في ظل "الانتصار" الجديد الذي أحرزته "إسرائيل"، واغتصابه أراضي عربية مجاورة جديدة. وقبل شهرين عقد "مؤتمر بيلدلبرغ" آخر في آب/أغسطس، تقرر فيه تشكيل أمانة سر دائمة للمؤتمرات المماثلة، وتشكيل لجان إقليمية في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأوروبا الغربية، تتولى الإشراف على عمليات الدعم المالي "لإسرائيل")(54). فبعد عدوان 1967م تحركت الحركة الصهيونية علناً مفصحة عن استراتيجيتها لدعم مواقعها الاقتصادية ليس في الكيان الصهيوني فقط، وإنما على حساب الدول العربية. وكانت هذه الاستراتيجية تقوم على العناصر الثلاثة التالية : - إن يهود العالم أجمع من مختلف البلدان أمة واحدة، ويشكلون مؤسسة مالية عالمية. وقد عقدت ثلاثة مؤتمرات اقتصادية في الكيان الصهيوني للحصول على المزيد من المال لدعم اقتصاده. - الحصول على اليد العاملة الخبيرة من البلدان الاشتراكية عن طريق تشجيع الهجرة اليهودية منها إلى الكيان الصهيوني. - التوسع على حساب العرب استناداً إلى نفط ومعادن سيناء ومنتجات وعمال الضفة الغربية وقطاع غزة، وتطوير الصناعات الإلكترونية والبتروكيماوية. وعلى أساس تحويل الكيان الصهيوني إلى مركز عالمي للخدمات التجارية وللسياحة الواسعة ونقل البترول إلى أوروبا(55). وفي عام 1967وحده تلقى العدو الصهيوني تبرعات تساوي جملة ما حصل عليه من تبرعات خلال العسرة سنوات السابقة. وبعد شهرين من العدوان قام روتشيلد صاحب فكرة مؤتمر رجال الأعمال الصهاينة بإنشاء معهد قرب مدينة جنيف أطلق عليه اسم "معهد فن السلام في الشرق الأوسط"! وجعل من مهامه دراسة احتمالات التطوير الاقتصادي للمنطقة بعد تسوية الموقف وإنهاء حالة الحرب، والبحث عن وسائل إقامة علاقة تجارية ثابتة بين بلدان المنطقة، دعم اقتصاد العدو الصهيوني ليصبح قادرا على المنافسة العالمية ، وشريكا اقتصاديا للغرب بعد أن أصبح شريكا سياسيا وعسكريا، وتحويل الكيان الصهيوني إلى مركز للاستثمارات ومركز للصناعات المتقدمة، وإعداده لقيادة اقتصاد وطننا عند إنهاء حالة الحرب بينه وبيننا. لذلك ليس غريباً أن يصدر بعد عدوان 1967م في الكيان الصهيوني كتاب بعنوان "الشرق الأوسط عام 2000م". ولتحقيق ذلك تم عقد لقاءات لأصحاب الملايين اليهود في تل أبيب والقدس لتطوير العلاقة بين العدو الصهيوني والرأسمالية العالمية، من أجل توطيد أقدامها في وطننا وإنشاء قاعدتها الاستثمارية في الكيان الصهيوني، حيث (أن أغنياء يهود العالم وفدوا على "إسرائيل" لعقد ثلاثة مؤتمرات "لأصحاب الملايين اليهود فقد عقد المؤتمر التحضيري بعد الحرب مباشرة تحت شعار بناء "بناء الاقتصاد الإسرائيلي المستقر"وتحقيق "التفوق الاقتصادي" إلى جانب "التفوق العسكري" كعاملين أساسيين في انتزاع اعتراف العرب "بإسرائيل" وكان الهدف الأساسي من هذا المؤتمر التحضيري: "إسداء المشورة إلى دولة "إسرائيل" عن أفضل السبل للتوصل إلى هدفها الاقتصادي بالاكتفاء الذاتي")(56). مشاريع التعاون المشترك وهكذا تم تطوير الاقتصاد والصناعة الصهيونية, ليصبح العدو الصهيوني في أول فرصة لتحقيق السلام وإنشاء نظام إقليمي جديد، هو رائد هذا النظام الإقليمي بخبراته التكنولوجية فقط.علما أن الإعداد لاندماج العدو الصهيوني في وطننا من خلال المشاريع الاقتصادية المشتركة التي كان يحلم بإقامتها بعد إقامة ما يدعيه السلام، قد بدأ الإعداد له في الكيان الصهيوني منذ عام 1965، عام انتهاء مدة التعويضات الألمانية ووصول العدو الصهيوني إلى درجة إنتاجية عالية بلغت نسبة العطالة فيها 40%. فقد كشفت الوثائق و المخططات الصهيونية اهتمام العدو الصهيوني المبكر بإقامة مشروعات تعاون اقتصادي مع الدول العربية، وأنها بدأت إعداد الدراسات حول هذا الموضوع منذ عام 1965، ( وأبرز هذه الدراسات تلك التي أعدها الأستاذ العيزر شيفر مدير عام مصرف "إسرائيل" ومحاضر في الجامعة العبرية في اقتصاد مصر و الشرق الأوسط. ففي عام 1965 كلفت جولدا مئير التي كانت وزيرة للخارجية في ذلك الوقت وأفيدهوروفيتش الذي كان يشغل حاكم مصرف "إسرائيل" إعداد دراسة عن الفائدة الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها "إسرائيل" نتيجة إقامة علاقات سلمية في المنطقة وقد أنيطت هذه المهمة بالعيزر شيفر وبعد حرب عام 1967 اهتم شيفر بتحديث محيطات دراسته وعشية مؤتمر جينف "بدأ الاهتمام بها مرة أخرى عندما أثيرت آمال بالتسوية وأقيم طاقم خاص في وزارة الخارجية برئاسة موردخاي غازيت كلف جمع مواد المخطط طويل الأمد)(57). ومنذ عام 1965م لم تتوقف الدراسات الصهيونية للإعداد لمشاريع التعاون المشترك مع الدول العربية في انتظار توقيع اتفاقات "سلام" مع هذه الدول. ففي عام 1970م بادر أفرايم دبيرت المستشار الاقتصادي لوزارة المالية آنذاك، إلى إعداد سيناريو دقيق للمتغيرات التي ستطرأ على الاقتصاد "الإسرائيلي" في ظروف السلام. وفي عام 1973 تم تحديث الدراسة حسب التطورات السياسية. وفي عام 1972م نشر "معهد هوروفيتش للسلام" دراسة عن أوضاع العدو الصهيوني والعالم العربي الاقتصادية خلال الثمانينات، أعدها خبيران اقتصاديان في مصرف "إسرائيل". وبعد مؤتمر جنيف وخاصة سنتي 1974-1975م أعدت كثير من مشروعات التعاون بين العدو الصهيوني وبعض الدول العربية ومنها ما تم مناقشته في الكنيست الصهيوني ولم يكشف عنها النقاب، وبقيت في سرية تامة إلى ما بعد زيارة السادات إلى القدس عام 1977م، وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 كثر الحديث عنها. ومن أشهر تلك المشروعات ما تم المصادقة عليه في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في منتجع البحر الميت في الأردن العام الماضي، وهو : القناة التي تصل البحر الأحمر بالبحر الميت ويشترك فيها كل من مصر – الأردن – العدو الصهيوني. وبعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس عام 1977م كثر الحديث عن "السلام"، وقد كشف العدو الصهيوني الكثير من أوراقه ورؤيته للسلام وعلاقاته بالدول المجاورة. فكتب الكاتب الصهيوني دان بابلي في صحيفة "دافار" الصهيونية في 21/11/1977م، عن مفهومه لاندماج العدو الصهيوني في المنطقة انطلاقا من فرضية أنه (في عصر السلام والتعايش سيكون بالإمكان تطوير مشاريع اقتصادية إقليمية بوساطة استخدام أموال الدول الغنية منها، والخبرة التكنولوجية المتوافرة لدى إسرائيل والطاقة البشرية في الدول الغنية بالسكان). وفي تقدير بابل أن إمكانات التنمية الاقتصادية في وطننا هائلة، خصوصا أن التقاء الخبرات والأموال بحرية وتدفقها على الثروات الطبيعية (سيحدثان ثورة تفوق الثورة الصناعية التي حدثت في الغرب، في الولايات المتحدة واليابان، في القرن الماضي "التاسع عشر").وبعد أن يقسم بابلي دول المنطقة إلى دول غنية تملك المال، ودول فقيرة تملك الأيدي العاملة الرخيصة، والعدو الصهيوني الذي يملك التكنولوجيا المتطورة، يخلص إلى القول: (أن هذا التقسيم لدول "الشرق الأوسط"، يوفر العناصر الكفيلة بتحقيق أمنية "إسرائيل" بانخراطها في المنطقة، ويوفر التربة الخصبة لسيطرة على الثروات العربية: المال، الثروات الطبيعية، والطاقة البشرية. ثم يأخذ على الدول الثرية أنها توظف أموالها في الغرب أو في شراء الأسلحة، أو إقامة مشروعات استهلاكية. هذا ما يبعدها عن التنمية .. ثم يطرح سؤالا: ما الذي بقي أمام هذه الدول للتخلص من أوضاعها هذه؟ ويجيب: أن "إسرائيل" هي "المنقذ" لها)(58). وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975م، التي كانت نتيجة لسياسات هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة بعد حرب رمضان عام 1973م، بدأ العدو الصهيوني يطمح أن يصبح مركز الاستثمارات في المنطقة عامة كما أعلن موشيه ماندلبوم " في صحيفة "هاتسوفيه" الصهيونية في 22/7/1978م : خصوصا (أن الأحداث في لبنان أدت إلى انخفاض وزن بيروت في العالم المالي. الذي انتقل جزء منه إلى البحرين. إن "لإسرائيل" عامة، والقدس خاصة، فرصة لتصبح مركزا ماليا ومركز تأمين للمنطقة بأسرها. ولدى "إسرائيل" البنية التحتية لوسائل الاتصال المتطورة القادرة على المساعدة في تسيير نشاط المركز المالي.وهناك احتمالات أن تتجه الأموال العربية إلى سوق النقد الإسرائيلية. وبالنسبة إلى الأعمال المتعلقة بالتأمين، سيكون بالإمكان دمجها في نظام إقليمي للتأمين، والحصول على جزء مهم من عمليات التأمين للاقتصاديات العربية)(59). وقد جمع (شيمون بيريز) المشروعات الصهيونية التي تم إعدادها منذ عام 1965م، لتكون مشاريع التعاون المشترك بين العدو الصهيوني والدول العربية لبناء مستقبل مشترك مشرق وزاهر، بعد توقيع اتفاقات "سلام" مع هذه الدول, يمتص بها العدو الصهيوني ثروات وطننا البشرية والمادية. جمعها في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" الذي صدر بعد اتفاق أوسلو. فالسلام والاندماج في وطننا هو حلم العدو الصهيوني منذ قبل قيامه. السلام والاندماج في المنطقة حلم العدو الصهيوني إن حلم العدو الصهيوني والقوى الأوروبية الصليبية التي أنشأته وزرعته في قلب وطننا وأمتنا، وترعاه اليوم كان ولا يزال الوصول إلى مرحلة القبول الكامل والاندماج في شعوب المنطقة، وإضفاء السمة الطبيعية على علاقاته بجواره العربي – الإسلامي. فالسلام والتطبيع والاندماج في وطننا هو الهدف والغاية للعدو الصهيوني، وقد كان أول إعلان صهيوني عن هذا الهدف بعد حرب رمضان / أكتوبر 1973م، حيث ازدادت قناعة العدو الصهيوني بأن الحرب لن تستطيع الحفاظ وجوده و لن توفر له ولمواطنيه الأمن، ولكن السلام هو الذي يضمن لـه إمكانية العيش بأمان مع الدول المجاورة له. كما أنه سيوفر له أسواقاً جديدة لتصريف منتجاته إذ لم تعد أسواق الأراضي المحتلة تكفيه. وقد عبر عن هذه الأبعاد الاقتصادية للسلام وزير خارجية العدو الصهيوني الأسبق (أبا إيبان)، في خطابه الذي ألقاه في مؤتمر جنيف للسلام المقترح عام 1973م عقب حرب رمضان، بقوله : (إن "إسرائيل" تعتبره – السلام – واقعاً إنسانياً جديداً، ليس سلاماً على الورق فقط وليس حدوداً محكمة الإغلاق، إن على اتفاق السلام أن يضع حداً لأي حصار أو مقاطعة أو عداوة)(60). كما كشف وزير حرب العدو الصهيوني الأسبق (عزرا وايزمان) في خطابه الذي ألقاه أمام مؤتمر حيروت في دفاعه عن اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها رئيس وزرائه (مناحيم بيغن) مع مصر، ونقلته صحيفة "معاريف" الصهيونية بتاريخ 6/6/1979م، أن السلام والاندماج هو ما حارب من أجله العدو الصهيوني طوال السنين الماضية، حيث قال : (حاربنا خلال السنين لنصبح جزءاً من هذه المنطقة التي نحن متجذرين فيها من الناحية التاريخية، والتي جلبنا الحضارة إليها، فهذه حرب سياسية دائمة. فقد بحث جميع قادتنا عن الطريق المؤدية للاندماج. وإنه لشرف عظيم لحركة حيروت ولمناحيم بيغن أنهما قادا الشعب إلى هذا الطريق)(61). إن تحقيق الاندماج الكامل للعدو الصهيوني في المنطقة، وإقامة علاقات طبيعية مع شعوبها سوف يؤدي (إلى خلق شبكة من المصالح المتبادلة بين هذه الدول، مما يعني قيام منظومة إقليمية قائمة على أسس جغرافية واقتصادية تتجاوز حقائق التاريخ والثقافة واللغة والدين، وأن قيام هذه المنظومة سيضفي عناصر قوة جديدة على المشروع الصهيوني وعلى الدول التي ترعاه، حيث سيتمكن هذا الكيان من تطوير إمكانياته الاقتصادية والعلمية والتجارية بسبب المجال الحيوي للشرق الأوسط، كما سيخدم مصالح الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية والحضارية في المنطقة)(62). ولأن العدو الصهيوني والقوى الغربية الداعمة لـه يعلمان أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق كل تلك الأهداف اليهودية – الغربية في وطننا هي تحقيق ما يدعونه السلام بين العدو الصهيوني والدول العربية. لذلك، وضع الغرب والعدو الصهيوني جل ثقلهم من أجل التوصل إلى اتفاق سلام كاذب مع الطرف الفلسطيني، لأنه ما لم يتم ذلك فلن يستطيع العدو الصهيوني توقيع أي اتفاق مع أي من الدول العربية – عدا مصر– ولن يستطيع إقامة علاقات تجارية صحيحة معها، ولن ترفع المقاطعة سواء من الدرجة الثالثة والثانية أو الأولى. لذلك تركزت كل الجهود من أجل إشراك الفلسطينيين في عملية سلمية شكلية، تزيل العقبات من أمام دول عربية أخرى لإقامة اتفاقيات سلام مع العدو الصهيوني، وإطلاق عهد جديد يتم فيه دمج العدو الصهيوني في نسيج أمتنا ودول وطننا. فكان اتفاق أوسلو عام 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية. وما أن تم توقيع اتفاق أوسلو حتى رفعت المقاطعة ووقعت دول عربية أخرى اتفاقيات، وتم تبادل القناصل والسفراء، وفتح المكاتب التجارية للعدو الصهيوني، وشارك في المؤتمرات الاقتصادية التي عقدت في المنطقة. وقد اتضح من خلال المشاريع الاقتصادية التي قدمها لهذه المؤتمرات "النظام الإقليمي الجديد" و"الشرق الأوسط الجديد"، ومخاطر قيامهما على دول وشعوب المنطقة. فقد اعتبر الغرب و العدو الصهيوني اتفاق اوسلو هو الخطوة النوعية لتنفيذ المشاريع التي أعدها العدو الصهيوني طوال العقود السابقة. وكل ذلك جاء استنادا إلى المادة 16 و الملحق الرابع من الاتفاق. فالاتفاق لا يحصر التعاون حول التنمية والمشاريع الأخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، ولكن يمده إلى كافة المنطقة العربية وفي كل المجالات الاقتصادية. وقد علق على هذه المادة الدكتور (بشير موسى نافع) بقوله: (لا ينحصر مشروع السلام الإسرائيلي في المسار الفلسطيني، رغم أن فلسطين هي سبب الصراع الأول ومركزه في المنطقة العربية ـ الإسلامية، ذلك أن هدف "إسرائيل الأساسي منذ قيامها وهو هدف القوى الغربية التي أقامتها وساعدت في بقائها وتوسعها، كانت دائما الوصول إلى مرحلة قبولها الكامل في المنطقة، وإضفاء السمة الطبيعية على علاقاتها بجوارها العربي ـ الإسلامي). كما يرى أنه (ومنذ بروز المشرق العربي ـ الإسلامي كخزان للثروة الاستراتيجية النفطية، أصبح هدف التطبيع يحمل ضرورة وإلحاحا)(63). اتفاق أوسلو والقمم الاقتصادية ومخاطرهما على وطننا ولأن الاتفاقيات السياسية إنما يحميها ويقوي تنفيذها الاتفاقيات الاقتصادية والمشاريع الاقتصادية المشتركة، ولأنه لم يكن لهذا "السلام" أن يتحقق في المنطقة، ويتم تحقيق حلم العدو الصهيوني في الاندماج في وطننا، ما لم يقوم تعاون اقتصادي مشترك بين العدو الصهيوني والدول العربية، كما خطط لذلك العدو الصهيوني سابقا. لذلك كان لابد من طرح مشاريع اقتصادية مشتركة تربط مصالح الدول العربية بالعدو الصهيوني، وتعلو فيها المصلحة الاقتصادية على أي مصلحة أخرى. فكانت القمم الاقتصادية العالمية التي أشرف على تنظيمها "المنتدى الاقتصادي العالمي" الذي مقره "دافوس" في سويسرا، الذي يسيطر عليه اليهود، والذي يشرف على كل مشاريع عولمة العالم اقتصاديا و أخلاقيا. وقد كانت أول قمة اقتصادية عالمية في المنطقة هي: القمة الاقتصادية لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الدار البيضاء عام 1994. والتي حضرها وفود عن كثير من دول العالم على رأسها أمريكا وأوروبا، وكان العدو الصهيوني حاضراً فيها. ومن خلال المشاريع التي قدمت لهذه القمة، وخاصة من العدو الصهيوـ أمريكي بدأت تتضح معالم النظام "الإقليمي الجديد" و"الشرق الأوسط الجديد" السياسية والاقتصادية والأمنية، والتي كانت تهدف في جوهرها إلى حفظ أمن العدو الصهيوني وتوفير الحماية له، وتحقيق دمجه في وطننا، وحصوله على أكبر المكاسب الاقتصادية على حساب العرب. حيث تضمنت هذه المؤتمرات برامج للتعاون الاقتصادي في قطاعات ومشروعات سبق تحديدها ـ كما أوضحن ـ منها: المشاركة في الموارد الطبيعية والتكنولوجية والبشرية، التعاون في ميادين البحث العلمي، توسيع أسواق المنطقة، جذب الاستثمارات الخارجية ومن دول النفط العربية، جذب مؤسسات التمويل الدولية للاستثمار في تطوير البنية الأساسية الإقليمية، وتأسيس صندوق إقليمي للتنمية في الشرق الأوسط، واستيعاب وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول التي يعيشون فيها. كما تقدمت تل أبيب أيضًا بمقترحات للتنسيق الأمني بينها وبين الدول العربية ، وصولا إلى إقامة نظام للإنذار المبكر يقوم على جمع وتبادل المعلومات الاستخبارية والأمنية بينها وبين الأطراف العربية، وبما يكفل الحيلولة دون حدوث أزمات مفاجئة وإدارة الأزمة وقائيًّا. وقد كانت أمريكا والعدو الصهيوني يريدان في القمة الأولى فرض نظام أمني فوق إقليمي لوطننا، تسيطران عليه بالاشتراك مع تركيا، ولكنه رفض من بعض الدول العربية التي أدركت خطورته في ذلك الوقت. وتتلخص أهم معالم النظام الإقليمي الجديد الذي بشر به بيريز، ويروج له بعض المنتفعين من الماديين والرأسماليين والمفكرين والإعلاميين المرتزقة في وطننا، في حفظ أمن الكيان الصهيوني، وحمايته من أية أخطار تهدده أو تهدد مصالحه في المنطقة. كما أنه يقوم على أسس اقتصادية نفعية ومصلحية وجغرافية، ويتجاهل أهم مكونات المنطقة الدينية واللغوية والتاريخية والروابط المشتركة. ويهدف لإقامة نظام "فوق قومي" يقفز عن الروابط الدينية والتاريخية في المنطقة، ويفتح الآفاق الواسعة أمام العدو الصهيوني للاستفادة من الترتيبات الجديدة في المنطقة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وفي الوقت نفسه يحد من الخطر الذي يهدده، والمتمثل في الأفكار الدينية والقومية. وهذا ما دعا إليه بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، حيث قال: (إن السلام ما بين "إسرائيل" وجيرانها العرب سيخلق البيئة الموائمة لإعادة تنظيم مؤسسات الشرق الأوسط بصورة أساسية، إن التوافق، وقبول العرب "بإسرائيل" كاملة ذات حقوق ومسؤوليات متساوية، سينجب نوعاً جديداً من التعاون لا بين "إسرائيل" وجيرانها فحسب، بل بين البلدان العربية أيضاً، فذلك سيغير وجه المنطقة ومناخها الأيديولوجي)(64). هذا يعني أنه ستنشأ هوية جديدة لشعوب المنطقة تسمى "الشرق أوسطية"، يكون من شأنها طمس الهوية العربية – الإسلامية للمنطقة، وتحويل الكيان الصهيوني إلى عضو فاعل فيها وفق صياغة جديدة. وهذا ما أعلن عنه وارن كريستوفر، وزير خارجية أمريكا الأسبق : (إن من أهم أهداف الولايات المتحدة من تسوية الصراع العربي – "الإسرائيلي"، خلق شرق أوسط جديد من مجموعة من الأمم المختلفة، بحيث تتشارك المصلحة العامة، وتعيش بسلام، وتتمتع بالاستقرار والتقدم الاقتصادي، وتقدم جميع الشعوب في المنطقة)(65). وفي اللحظة التي سيتم فيها اندماج العدو الصهيوني في نسيج الشعوب ودول المنطقة وتحقق هدفه وهدف الدول الغربية من إنشائه، سيكون قد تم إسقاط النظام الإقليمي العربي والإسلامي وغيره من الأنظمة الإقليمية.وأنشئ بدلاً منها "النظام الإقليمي الجديد" الذي بشر به شيمون بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، وتحدثت عنه التقارير الاستراتيجية الأمريكية والمفكرين الغربيين منذ عقود عديدة، وقد تم إفشال العديد من المحاولات لتحقيقه منذ اغتصاب فلسطين عام 1948 ـ كما سيأتي ـ .كما أنه في الوقت الذي ستنشأ فيه شبكة مصالح اقتصادية جديد في وطننا يكون العدو الصهيوني جزء أصيل فيها، فإن هذا يعني موات وقتل كل الآمال العربية التي بقيت منذ أجيال الاستقلال وما قبلها حلم نرجو تحقيقه في قيام سوق عربية وإسلامية مشتركة. لأنه سيتم استبدالها "بالسوق الشرق أوسطية"، الذي مركزه الكيان الصهيوني. فقد علق (حمزة الأمين باعو) السكرتير الأول لوزارة الخارجية السودانية في ورقة قدمها لوزرته، حول مؤتمر القمة الاقتصادية الذي عقد في الدار البيضاء عام 1994، يقول: (وبذا يتحول الوطن العربي "من المحيط إلى الخليج" إلى مجرد منطقة جغرافية مركزها "إسرائيل" ولأن ذلك يتطلب إعادة تنظيم الوضع فإن السوق الشرق أوسطية يعني إفراغ المنطقة من تاريخها القديم وإرثها الحضاري وتحويل الدول العربية إلى مجرد كيانات هشة تتنازل عن هويتها القومية لصالح تأكيد هيمنة "إسرائيل" وسيادتها على المنطقة... وتحاول "إسرائيل" والولايات المتحدة الترويج للسوق الشرق أوسطية على أنها إطار للتعاون الإقليمي، بينما هي في حقيقة الأمر إعادة رسم لخريطة المنطقة بأكملها ضد مصالح وطموحات وأشواق شعوبها)(66). إعادة رسم خريطة وطننا عاد وأكد عليه العدو الأمريكي المتصهين (بوش) وإدارته أنه أحد أهم أهدافه من وراء العدوان الأمريكي على العراق، كما أتبعه بوش أثناء جولته للمنطقة التي سبقت قمتي شرم الشيخ والعقبة، بالإعلان عن مبادرة لإقامة المنطقة الحرة التجارية العربية الأمريكية، التي رحب بها العدو الصهيوني واعتبرها مبادرة لإعادة تهيئة الأجواء لإقامة "السوق الشرق أوسطية" و"النظام الإقليمي الجديد". وأحيى آماله من جديد في تكريس وجوده في قلب الأمة والوطن (باعتباره عضواً طبيعياً في النظام الإقليمي الجديد، وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية، وإضافة عناصر قوة جديدة للمشروع الصهيوني، حيث سيتمكن هذا الكيان من تطوير إمكاناته الاقتصادية والعلمية والتجارية، بسبب المجال الحيوي الواسع للشرق الأوسط. وهذا بالطبع سيكون على حساب العرب وثرواتهم مستقبلهم)(67)؟!. وكانت القمة الاقتصادية الثانية عام 1995 في عمان، ثم الثالثة عام 1996م في القاهرة. ثم القمة الرابعة والأخيرة عام 1997 في الدوحة، حيث توقفت بعدها هذه القمم بسبب تعثر ما يسمونه عملية السلام بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني، وبسبب استمرار انتفاضة الأقصى التي اندلعت في 28/9/2000 ، وذلك كوسيلة ضغط على العدو الصهيوني لتقديم بعض التنازلات من أجل إنجاح عملية السلام، وبعدها العودة للانطلاق في مشاريع التعاون المشترك في القمم الاقتصادية. ولكن العدو الصهيوني على ما يبدو مطمئن إلى أنه سيحقق أهدافه وغايته دون تقديم تنازلات، مستغلاً حالة الفرقة والتشتت والضعف العربي، ووقوف الفلسطينيين وحدهم في ميدان الصراع، ولأن فيهم شريحة اقتصادية هي صاحبة القرار أو المؤثرة عليه. ولا تشعر بانتماء إلا إلى مصالحها الشخصية والاقتصادية، لذلك فهو مطمئن إلى أن كل ذلك سيتحقق دون أن يقدم أي تنازلات. ورغم نجاحه في إيجاد هذا الشرخ بين الأنظمة والحركات الإسلامية فيها، وتعميقه من خلال الصراع وزيادة العداء بينهما، واعتبار الأنظمة لهذه الحركات أنها إرهابية ومتطرفة. إلا أنه فشل في حمل الأنظمة العربية بالذات على اعتبار حركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين كذلك. وقد بقي موقف غالبية الأنظمة العربية يعتبر أن العدو الصهيوني هو سبب فشل ما يسمونه السلام، ولذلك تقرر وقف المؤتمرات الاقتصادية التي كان مقرراً لها أن تعقد بانتظام كل عام في دولة عربية حتى تحقق الأهداف السياسية السابق ذكرها. إلا أن الضغوط الأمريكية والأوروبية يبدو أنها نجحت أخيراً في فرض رؤيتها ومفاهيمها الخاصة للصراع على كثير من الأنظمة العربية، التي بدأت مصطلحاتها ومسمياتها للأشياء، ومفاهيمها لأحداث الصراع تتراجع شيئاً فشيئاً أمام مفاهيمه لأحداث الصراع، من اعتبار العمليات الاستشهادية، عمليات "انتحارية وإرهابية"، والانتفاضة "عنفاً" والمقاومة "إرهاباً"، إلى تعهد بعض الأنظمة العربية في قمتي شرم الشيخ والعقبة بمحاربة الانتفاضة والمقاومة على اعتبار أنهما العقبة في طريق تحقق ما يسمونه السلام، والتهديد إذا لم تلتزم حركتي حماس والجهاد بوقف مقاومتهما ضد العدو الصهيوني أن يتم تجفيف منابع تمويلهما.ـ نفس المطالب التي سبق طرحها في القمة التي عقدت في شرم الشيخ عام 1996، بعد موجة العمليات الاستشهادية ضد العدو الصهيوني، التي هددت "سلامهم الغض و الهش"، وقد اشتهرت بقمة "محاربة الإرهاب"ـ.مما شجع العدو الصهيوني في ظل الصمت الفلسطيني والعربي والدولي على تصعيد حملة الاعتقالات والتصفية ضد النشطاء والقيادات في الحركات الإسلامية في فلسطين، من أجل تسهيل الأمر على حكومة أبو مازن تنفيذ خارطة الطرق التي ستحقق ما يسمونه السلام في المنطقة بدعم أمريكي قوي هذه المرة. هذا عزز الآمال لعودة عقد مثل هذه القمم الاقتصادية، حتى تعطي دفعة أقوى وتشجيعاً أعظم لتنفيذ الخطط السياسية، والإسراع في إزالة آخر العقبات في طريق فرض السيطرة والهيمنة الصهيو-أمريكية على وطننا، وتحقيق الأهداف والغايات السابق ذكرها، وإقامة "النظام الإقليمي الجديد" و "الشرق الأوسط الجديد". ومع انتعاش أحلام التوصل إلى اتفاق أو تسوية سلمية مع طرح بوش مشروعه لتسوية الصراع العربي ـ الصهيوني من جديد ، الذي تمثل في خطة خارطة الطريق، وتعهدات بعض الدول العربية بالعمل على محاربة ما يسميه العدو الصهيو؟ـ أمريكي بالإرهاب، والقضاء على منظماته، وتجفيف مصادر تمويلها، التي تحققت ف قمتي شرم الشيخ والعقبة ً. انتعشت من جديد أحلام وآمال القائمين على المنتدى الاقتصادي العالمي في تحقيق أهدافهم في المنطقة باسم المشاريع الاقتصادية المشتركة لإنعاش اقتصاد المنطقة من أجل تحقيق التقدم والرفاه الاقتصادي والاجتماعي لشعوب المنطقة "نهبها"، ودمج العدو الصهيوني فيها. لذلك، جاء انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي على الساحل الشرقي للبحر الميت في 21/6/2003، من أجل تحقيق ما عجزت السياسة عن تحقيقه من خلال تحريك لعاب الرأسماليين الطامعين من اقتصاديي المنطقة لتحقيق الأرباح المالية بغض النظر عن العواقب السياسية والاقتصادية...إلخ، التي ستحل بالمنطقة من وراء ذلك، وليضغطوا على حكوماتهم للتعجيل بتحقيق التسوية، وإحلال ما يسمونه السلام على حساب حقوق الجماهير الفلسطينية ودماء أبنائها وتضحياتهم لمصلحة العدو الصهيوني. وقد كانت القرارات التي اتخذت في المؤتمر سياسية أكثر منها اقتصادية، وجميعها تمهد لمشروع بوش " الشرق الأوسط الكبير". فقد كانت الموضوعات التي ركز عليها المؤتمر: _ مبادرة لتطوير دور المرأة العربية. والتأسيس لحوار بينها وبين المرأة الأوروبية. ـ طلب العدو الصهيوني من الدول العربية الإسراع في عملية التطبيع معه. وقد رفضت الدول العربة هذا الطلب، لأن العدو الصهيوني لم يقدم أي تنازلات فيما يسمونه السلام. _طلب رئيس منظمة التجارة العالمية من الدول العربية التي لازالت لم تنضم للمنظمة ضرورة الإسراع في تنفيذ الشروط المطلوبة منها للانضمام. ـ تم الموافقة على تنفيذ مشروع "قناة البحر الأحمر ـ البحر الميت" بين مصر و الأردن والعدو الصهيوني، لتكون أكبر المشروعات المائية في المنطقة.(68). علما أن هذا المشروع هو أحد أهم المشروعات التي طرحها (شيمون بيريز) في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، كما أنه هو أهم مشاريع التعاون المشترك التي ركز عليها خبراء العدو الصهيوني طوال العقود الأربعة الماضية، في انتظار لحظة السلام التاريخية التي يتم فيها تنفيذ هذه المشروعات بالتعاون مع الدول العربية، لتوثيق الروابط والعلاقات الاقتصادية التي ستحافظ على السلام المدعى. وهو السبب الذي من أجله أصر الرئيس الأمريكي (ترومان) على أن تكون النقب من ضمن أراضي الكيان الصهيوني في قرار التقسيم عام 1947م. لأنه حلم الحركة الصهيونية منذ القرن التاسع عشر، ليكون هذا المشروع المرحلة الأولي من القناة التي يريدها العدو الصهيوني أن تربط بين حيفا على البحر المتوسط في فلسطين المحتلة عام 1948م وبين البحر الأحمر، التي يطمع العدو الصهيوني أن تكون بديلا للغرب عن قناة السويس، أو تأخذ الجزء الأكبر من حركة المرور فيها. أضف إلى ذلك المشروعات السياحية والترفيهية التي ستقام معها، لتحول المنطقة إلى أعظم منتجعات العالم السياحية. ويبدو أن السلبية العربية تجاه المجازر الإرهابية التي يرتكبها العدو الصهيوني في فلسطين، والعدو الأمريكي المتصهين في العراق. والضغوط العربية التي تأتي استجابة للمطالب الصهيو ـ أمريكية للقضاء على أي مقاومة ضد وجودهما وأطماعهما في وطننا، شجع القائمين على "منتدى دافوس" لعقد المؤتمر هذا العام مرة أخرى في نفس المكان، لاستكمال العمل لدمج الكيان الصهيوني في المنطقة، وإقامة "الشرق الأوسط الكبير" |
|
|
|
|
|
#4 |
|
بقايا انسان
![]() ![]() تاريخ التسجيل: 11 / 9 / 2004
المشاركات: 392
معدل تقييم المستوى: 27 ![]() |
الإســــلام هـــو الـعـــــــدو
لقد سبق أن أوضحنا أن الإسلام هو العدو الرئيس للغرب في وطننا، وأن التحالف الذي تم بداية القرن الماضي بين الغرب الصليبي والحركة الصهيونية كان الهدف منه هو: ضرب النظام السياسي الإسلامي، ومنع قيام أي وحدة عربية أو إسلامية في المستقبل. لذلك كان يدرك العدو الصهيوني من قبل قيام كيانه المغتصب لفلسطيننا أن الإسلام هو الخطر الرئيس عليهن وعلى حلفائه. لذلك ناصبه ولا زال يناصبه العداء، ويضع المخططات ويحيك المؤامرات للقضاء عليه. من خلال إثارة العداء بينه وبين الأفكار الوطنية والقومية وأنظمتها، وتحريض الأنظمة ضده. وهذه لمحة سريعة عن عداء العدو الصهيوني للإسلام. قبـل قيــام الكيــان الصــهيوني لتأمين اغتصاب اليهود لفلسطين وحتى لا يواجهوا أي تهديد حقيقي بعد إنشاء الكيان الصهيوني، أصدر يهودي خبيث اسمه (كادمي كوهين) عام 1939م كتاباً بعنوان "دولة إسرائيل" (69)، يدعو فيه الغرب الصليبي لإبعاد الإسلام عن الصراع، وعدم تمكين شعوبه من النهضة ثانية واستعادة قوتها، وذلك بالإسراع بإقامة الكيان الصهيوني في فلسطين. ودعم الحركة الصهيونية للقيام بدورها في المؤامرة العالمية على الإسلام قبل فوات الفرصة، وقبل أن تنفك المنطقة من عقال الاحتلالات الصليبية، وتستعيد وحدتها ونهضتها من جديد في دولة واحدة تجمع كل الشعوب الإسلامية على اختلاف قومياتها وأعراقها وألوانها ولغاتها. وذلك بضرب القومية بالإسلام!! ونظراً لخطورة ما جاء في هذا الكتاب من أفكار بخصوص المنطقة، هذه الأفكار التي نرى نتائجها ماثلة للعيان وواقعاً مشهوداً خاصة في الواقع السياسي العربي والإسلامي منذ ضياع فلسطين، ولازلنا نعاني من آثارها حتى اليوم، نقتطف منه بعض ما جاء فيه عن ضرورة اقتطاع فلسطين لاستمرار تجزئة وطننا، لمن يريد السيطرة على العالم القديم، وضرب الإسلام قبل نهوضه. فقد جاء في "صفحة 39" عن أهمية فلسطين بالنسبة لآسيا وأوربا والتحذير من خطر استيقاظ شعوب المنطقة على السياسة العالمية : (إن الساحل الشرقي للبحر المتوسط يشكل بالنسبة لأوربا رأس جسر واسع نحو آسيا، وعلى طرفي هذا الإقليم الممتد من البحر المتوسط إلى جبال هملايا يتحرك شعبان "الشعب الهندي"، وفيه نسبة كبيرة من المسلمين في ذات الوقت و"الشعب المصري"، وفي الداخل تستيقظ الشعوب على الحياة السياسية العالمية). وبعد أن يحذر الغرب خاصة بريطانيا وفرنسا من تحرك تلك الشعوب التي بدأت فيها عملية البعث والثورة مثل أفغانستان وفلسطين وغيرهما، يوجه لهم النصيحة باتخاذ إجراءات من شأنها أن تعرقل تلك النهضة، أو توجه هذه الحركة التي بدأت إشعاعاتها تبشر بانتفاضات مقبلة، لأنه إن لم تفعل أوربا ذلك فلن تتمكن من بسط الأمن والسلام في تلك المنطقة المهمة من العالم والغنية بثرواتها، ويذكر أن تلك المنطقة كانت مهد حضارات قديمة رائعة، وسرعان ما يكشف اللثام عن مصدر خوفه وقلقه الحقيقي عندما يقول ص 41: (إن فرنسا مثل إنجلترا إنهما تواجهان قوتان إسلاميتان كبيرتان تصدمان بهما حيث توجد مشكلة عربية، نقول مشكلة إسلامية، هذا هو الجانب الثاني للمسألة الشرقية الجديدة). وبعد أن يذكر في سطور كيف استطاع الإسلام أن يوحد القوميات المختلفة في أمة إسلامية واحدة يسارع إلى تقديم وصفته الناجعة للغرب الصليبي بعدم تكرار ذلك فيقول: (وإذا أرادت السياسة الأوربية أن تتحرر من العقبات الكئود التي ترهق مستعمراتها ينبغي عليها أن تسعى لتفكيك هذه الهوية المصطنعة التي تتحرك ضدها : هوية بين المفاهيم "العربية" والمفهوم "الإسلامي" وعندما تجرأ على حل المسألة العربية فإنها تحطم آلية التشابك الموجود بين المفهومين وتفتت الوحدة الإسلامية كما أن القوميات الاستعمارية الأوربية تؤمن بهذا هدوء لم تعرفه منذ أمد طويل. إن نظرية الوحدة العربية هي خير علاج وأفضل ترياق ضد الوحدة الإسلامية فهي لا تشكل خطراً أكثر مما تشكله القومية التركية الحالية، إذ عندما تنصرف عن الدعوة إلى المشاعر الدينية ولأنها هي على العكس تشكل عرقية أساسية تصبح عنصراً صحيحاً للتوازن السياسي في العالم القديم. إن تفتيت الهوية التي تجمع بين الإسلام والعروبة هو القادر على جعل الضفة الشرقية للبحر المتوسط ما يجب أن تكون في الحقيقة. واجهة القارة الآسيوية التي تطل على العالم الغربي ورأس جسر لأوربا نحو آسيا الكبرى. إن الوحدة العربية تصبح قادرة على مقاومة الوحدة الإسلامية إذا ما نظمت سياسياً فإيقاظ الشعور القومي العربي هو الذي ولد الإيمان الجديد عند العرب بتشكيل الأمة الإسلامية. إن القومية الإسلامية تتفوق على الفكرة العائلية و على العصبية العشائرية أو القبلية التي كانت معروفة لحد الآن، فإذا ما تراجع الغرب أمام تلك الديانة الجديدة وإذا ما أقره أكد على وجود قومية عربية تمتد من البحر المتوسط، وحتى بلاد فارس قومية مختلفة في جوهر تحديدها على التتر والهندوس والبربر، فإنه يحرر بذلك قوة هائلة إذا ما تأطرت بشكل مناسب استطاعت أن تلعب دوراً في العالم المتمدن تؤهلها له أصالتها الرفيعة). وهو لا يترك للغرب فرصة الغفلة أو التهاون أو الاتكال على أعوانهم من أبناء أمة الإسلام ولكنه يدعوه ليتولى بنفسه تنظيم وطننا، فيقول ص 43: (من أجل أن نتجنب هذا الاحتمال المرعب الذي ينطوي على أخطار جسيمة مجهولة ينبغي على العالم المتمدن أن يتولى بنفسه تنظيم العالم العربي كي يجعل منه عاملاً سياسياً نافعاً وليس عامل فوضى). واليوم أمريكا تكمل ما بدأته أوربا وتُصر على إعادة ترسيم حدود خريطة سايكس – بيكو من جديد. بعــد قيــام الكيــان الصــهيوني ازداد خوف اليهود من الإسلام أكثر بعد قيام الكيان الصهيوني في فلسطين، لأنهم يعلمون علم اليقين أن القوة الوحيدة القادرة على اقتلاع وجودهم من فلسطين هي الإسلام، لذلك لم يتوقف الإعلان عن خشيتهم منه، والتآمر للقضاء عليه وإبعاده عن ميدان الصراع، وخاصة عن حياة وواقع الشعوب والجماهير. ونحن هذه بعض أقوال القادة اليهود التي يعلنون فيها خوفهم من الإسلام، وبعض مؤامراتهم ضده. فهذا (دافيد بن غوريون) بعد قيام الكيان الصهيوني بسنوات قليلة والمسلمون يضربون غدراً في كل مكان، يقول : (نحن لا نخشى الاشتراكيات ولا الثوريات ولا الديمقراطيات في المنطقة، نحن فقط نخشى الإسلام، هذا المارد الذي نام طويلاً وبدأ يتململ من جديد). وعداؤهم للإسلام لا يأتي من فراغ ولكن لأنه العدو اللدود غير المستعد للقبول بأي حلول مع العدو. كما يقول (إسحاق رابين): (إن مشكلة الشعب اليهودي هي أن الإسلام ما زال في دور العدوان والتوسع وليس مستعداً لقبول أي حلول مع إسرائيل. إنه عدونا اللدود، الذي يهدد مستقبل إسرائيل وشعبها(70). وفي تعليق للإذاعة الصهيونية بتاريخ 5/9/1978م قالت: (إن عودة الروح الدينية للظهور من جديد في المنطقة تشكل تهديداً مباشراً لمستقبل إسرائيل ولمستقبل الحضارة الغربية بأسرها .. إن على اليهود وأصدقائهم أن يدركوا أن الخطر الحقيقي الذي تواجهه إسرائيل هو خطر عودة الروح الإسلامية إلى الاستيقاظ من جديد .. وأن على المحبين لإسرائيل أن يبذلوا جهدهم كله لإبقاء الروح الإسلامية خامدة، لأنها إذا اشتعلت من جديد فلن تكون إسرائيل وحدها في خطر، ولكن الحضارة الغربية كلها ستكون في خطر)(71). ولذلك لا بد من مزيد من التمزيق للأمة والوطن. فقد جاء في كتاب "قتل مصر، من عبد الناصر إلى السادات": (إن التفكك الكامل الذي ينبغي أن نجعله مصيراً محتوماً للبنان هو المصير المحتوم للعالم العربي كله ابتداءً من مصر إلى سوريا ثم العراق وشبه الجزيرة العربية، كلها يجب أن تنحل إلى كيانات من أقليات دينية وعرقية، ذلك يجب أن يظل الهدف الرئيس على المدى الطويل، بينما يظل الهدف على المدى القصير إضعاف الدول العربية كلها عسكرياً وإشعال الحروب بينها)(72). ووسيلتهم في ذلك إثارة النعرات الطائفية والدينية، والقومية، واتخاذها سبيلاً لمزيد من التمزق والضياع. ولعل أوضح ما يكشف الأهداف اليهودية اتجاه الأمة العربية والإسلامية تلك الدراسة التي صدرت عام 1982م بعنوان "إستراتيجية إسرائيل في الثمانينات" بقلم الكاتب اليهودي "(وديد إينون) التي نشرت في مجلة "اليهودية والصهيونية" الصادرة عن صحيفة الصهيونية العالمية في القدس. وتناولت هذه الدراسة مخططات القيادة الحالية لإسرائيل في تقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة، والتركيز على ضرورة تمزيق الأقطار العربية إلى دويلات طائفية وأقليات عرقية. وعندما سئل الكاتب كيف تكشف هذه الإستراتيجية للعرب، قال: إنهم لا يحملون ما تعلنه إسرائيل عن مخططاتها محمل الجد(73). وهذا يذكرنا بما قاله موشى ديان عندما سأله أحد مقدمي برامج التلفزيون البريطاني عن سبب كشفه لخطته لحرب 1967 في مقال له قبل نحو سنتين من الحرب وكان عليه أن يخشى أن يفطن لها العرب فرد قائلاً: (إن العرب لا يقرأون وإذا قرءوا لا يفقهون وإذا فقهوا لا يعلمون). فهل هناك أصدق من هذا الوصف يمكن أن يوصف به حكام ومفكري الأمة، وبوش وإدارته تعلن ليلا نهار على مسامعهم، عزمها على وضع هذه المخططات موضع التنفيذ، مبتدئة بالعراق، بل وتشركهم بالرضا أو الإكراه في تحقيق ذلك، وهم لا يحاولون الدفاع حتى عن وجودهم، ويرفضوا المشاركة في مخططات ومشاريع تدمير الأمة والوطن، وإعادة احتلالهما من جديد تحت مسميات جديدة. بعــد ثـورة المسـاجـد في فلســطين عـام 1987 مع تزايد المد الإسلامي في فلسطين المحتلة في ثمانينات القرن الماضي، بدأت تعلو صرخات القادة اليهود في الكيان الصهيوني تعلن عن خوف حقيقي على وجودها هذه المرة من الإسلام. وقد رصد الأستاذ (فهمي هويدي) هذه الصرخات في أحد مقالاته، فكتب (74): فقد أعلن وزير الحرب الصهيوني (إسحاق رابين) في حديث بثته الإذاعة الصهيونية: (إن ما يثير القلق بالفعل هو تعاظم قوة التيارات الدينية الشوفينية في "يهودا والسامرا" – الضفة وغزة – وإننا نخشى أن يتحول الأمر إلى صراع ديني). أما الوكالة الفرنسية للأنباء أذاعت في 29 أكتوبر 1987 تقريراً عن المقاومة داخل الأراضي المحتلة قالت : (يعد الاتجاه الأصولي فكرة جديدة في فلسطين لكنها خلال سنوات معدودة حققت من التقدم ما جعل بعضهم يتحمس لها وبعضهم الآخر يشعر بقلق بالغ اتجاهها "وأضافت" إن هذا الاتجاه المتمثل في سرايا الجهاد وغيرهم يعطي أبعاداً جديدة للمقاومة ضد إسرائيل، فهياكله لم تعد تلك المتوارثة من أيام حروب التحرير في الخمسينات والستينات وإنما تضرب جذورها في عمق الضمير الإسلامي، ثم إن الأصولية الإسلامية حلت محل البيروقراطية. بفضل المثل الشخصي والتضحية بالذات فضلاً عن حرص الأصوليين على النضال وسط الأهالي والموت إلى جوارهم. مما يميزهم عن غيرهم ممن يقاتلون في الخارج بعيداً عن المسرح الحقيقي للنضال). كما بثت وكالة رويتر تقريراً في 29 أكتوبر 1987م قالت فيه : (إن الحمية الإسلامية بين صفوف الإسلاميين، أصابت مسئولي الأمن الإسرائيليين بالذعر، ونقلت عن قائد جيش الاحتلال بالضفة، الجنرال "عمران ميتيزيا" قوله : (إنها ظاهرة تنذر بالخطر فاليقظة الدينية تشكل تهديداً يؤرقنا). ونشرت الفايننشال تايمز تقريراً في 9 نوفمبر 1987م (إن الاستراتيجيين الإسرائيليين يخشون من امتزاج الوطنية بالتطرف الديني وأن هذا المنطق يجعل الجهاد الإسلامي أكثر خطورة من أي مقاومة واجهتها إسرائيل في الماضي، خصوصاً تلك الرغبة المثيرة التي تتملك أولئك الشبان بالاندفاع إلى الموت دفاعاً عن هذه القضية). بعــد توقيــع اتفــاق أوســلو بعد أن وقع (مناحم بيغن) رئيس وزراء العدو الصهيوني مع الرئيس المصري أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، أعلنها صراحة: (إن المشاعر الإسلامية المتنامية هي الخطر الأكبر الذي يهدد إسرائيل الآن)(75). لذلك قدم عام 1981 إلى الرئيس المصري أنور السادات قائمة بأسماء عشرات الكتب الإسلامية التي تحرض على القضاء على اليهود، وطلب منه مصادرتها وعدم السماح بنشرها مرة أخرى. كما أنه يرى في الحركات الإسلامية في وطننا الخطر الأكيد على اتفاقية سلامه مع مصر، وهذا ما أعلنه في أغسطس عام 1982م بعد أن وقع معاهدة التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة حيث قال: (إنني لن أطمئن على مستقبل معاهدة كامب ديفيد وملحقاتها مع مصر إلا بعد أن يتم القضاء نهائياً على الإسلاميين في مصر بشكل خاص، وفي المنطقة العربية بشكل عام ..)(76). وعلى خطى بيغن سار (شيمون بيريز) بعد توقيع معاهدة أوسلو عام 1993م بين العدو الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية. ففي كتابه "الشرق الأوسط الجديد" الذي صدر عام 1995م، يكاد لا تخلو منه صفحة واحدة دون أن يكون فيها تحريضا على الإسلام مثل: (إن الأصولية تشق طريقها سريعاً وعميقاً في كل بلد عربي في الشرق الأوسط، مهددة بذلك السلام الإقليمي، ناهيك عن استقرار حكومات بعينها، ويتوفر المتطرفون على شبكة اتصالات فوق قومية، مستثمرين نفس التكنولوجيا التي يلهجون بالازدراء بها. إن حملاتهم تستخدم الرموز الشعبية والدعاية ذات المستوى الرفيع للإيحاء بالأنشطة وكسب الأنصار، وثمة ضرورة للتصدي لهذا الخطر على نحو منظم بغية صون الحرية والسلام والاستقرار السياسي..)(77). إن (شيمون بيريز) مهندس اتفاق "أوسلو" عن الجانب اليهودي يدرك أن الإسلام هو الوحيد القادر على إفشال أي اتفاق سلام جائر لحقوقنا فيقول : (لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهراً سيفه ولن نطمئن على مستقبلنا حتى يُغمد الإسلام سيفه إلى الأبد...)(78). إن إدراك (بيريز) لخطر الإسلام يأتي من خلال إدراكه أنها حرب عقائدية بينهم وبين المسلمين، وهو يريد "السلام" ليتمكن العدو الصهيوني من القيام بعمليات الهدم والتخريب في وطننا كما أمرتهم التوراة، ولتأخذ الحرب التي أشعلها اليهودي كادمي كوهين ـ كما سبق مذكرنا ـ بين القومية والإسلام شكلاً جديداً، تتحالف فيه الأنظمة مع العدو الصهيوني والغرب الصليبي لمحاربة الإسلام تحت عنوان "محاربة الإرهاب". فقد أعلن (شيمون بيريز) في تصريح بعد توقيع اتفاق اوسلو، نشرته مجلة "العالم" قوله: (علينا أن نتذكر الآن أن العالم العربي يمر بمرحلة التغيير من الهوية العربية إلى الهوية الإسلامية، فالحرب اليوم في منطقة الشرق الأوسط هي حرب أيديولوجية "عقيدية")(79). فالهوية الإسلامية والإسلام الحضاري، هما اللذين يشكلان خطرا على إعادة بناء الحضارة اليهودية على أنقاض الحضارة الإسلامية، كما أعلن ذلك (بيغن): (يجب أن لا تأخذكم شفقة أو رحمة وأنتم ترون الدماء تقطر من أعدائكم، يجب أن تعلموا أن حضارتنا لا تبنى ولا تقام إلا على أنقاض العرب وحضارتهم)(80). يقصد الحضارة الإسلامية. ومثل هذا القول من يهودي مثل بيغن ليس غريباً، وهو الذي كان رئيس عصابة "الأراغون" الإرهابية اليهودية التي نفذت مجزرة "ديرياسين" عام 1948م وكان على رأس هذه المجموعة التي قامت بالمجزرة وقد كتب في كتابه "التمرد" مفاخرا وليس مبررا، يقول: (إن هذه المذبحة لم يكن ما يبررها فقط، بل إنه لولا انتصارنا في دير ياسين لما قامت لدولة إسرائيل قائمة). لذلك فهم اليوم يصنفون الإسلاميين في فلسطين إرهابيين، ويعتبرون عملياتهم الاستشهادية وغيرها عمليات "إرهابية وانتحارية"، في محاولة لن يكتب لها النجاح إن شاء الله لإغراء السلطة الوطنية بالمجاهدين وإيجاد نوع من فقدان الثقة بين المجاهدين والجماهير. المخططات الأمريكية لإقامة الشرق الأوسط الكــبير لقد كان ولازال للولايات المتحدة الدور الأكبر منذ بداية القرن الماضي في تغيير وتبديل اسم وحدود وطننا، بدء من ابتداعها لمصطلح "الشرق الأوسط"، مرورا بمحاولاتها تحقيق مشروع "الشرق الأوسط" منذ أربعينيات القرن الماضي واقعا على الأرض، ولكنها فشلت في ذلك الوقت لأن الأمة كانت لاتزال قادرة على المقاومة وإفشال مؤامرات أعدائها، انتهاء بالجدل القائم الآن حول مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي عاد ليطرح بقوة في هذه المرحلة بعد أن ظنت الولايات المتحدة أن الأمة فقدت القدرة على مقاومة رغباتها. فكيف نشأت علاقة الولايات المتحدة بوطننا؟. النشــأة الصهيــــونيــــة لن أتحدث هنا عن ظروف النشأة الصهيونية للكيان الأمريكي على يد المغتصبين الأوروبيين من أتباع الهوس الديني آنذاك، النصارى الصهاينة الأوائل من أتباع المذهب التطهيري "البيوريتاني" البروتستنتي، ومذهب عصمة الكتاب المقدس الحرفية، الذي وصفه مؤرخ واع مدرك لمدى يهودية هذه المذاهب، وكم هي مهووسة بالخرافات اليهودية عن "شعب الله المختار" و"أرض الميعاد" و"نهاية العالم" و"السيادة اليهودية العالمية"...وغيرها، فقال: (كانت البيوريتانية نوعا من يهودية جديدة، يهودية محولة إلى مصطلحات أنجلو ـ سكسونية. ركز هؤلاء البروتستنت، في رجوعهم إلى نص الكتاب المقدس، على العهد القديم، وحاول بعضهم تقبلها حرفيا كأي يهودي أرثوذكسي)(81 ). هذه النصرانية الصهيونية قد بلغت (ذروتها في القرن العشرين في مذهب العصمة الحرفي الأمريكي الذي يصر على أن "إسرائيل" هي التحقيق الواقعي للنبوءة في العصر الحديث)(82). فقد رسخ هذا المذهب في أذهان النصارى البروتستانت الأمريكيين (أن هناك علاقة قومية بين أرض فلسطين والشعب اليهودي باعتبارها السلالة المباشرة لقبائل إسرائيل العبرانية القديمة. وكان الفقه البروتستانتي "المسيحي" هو الذي رسخ التواصل المستمر بين الأرض والشعب)(83). لن نتحدث عن نشأة الكيان الصهيوني الأمريكي على يد أولئك النفر الذين هربوا من أوروبا إلى العالم الجديد نتيجة الاضطهاد الديني الذي لاقوه في أوروبا. وما كانوا يحملونه من خرافات توراتية ودينية عن نهاية العالم، وأحلام إقامة الكيان الصهيوني النصراني (أمريكا) على أشلاء الهنود الحمر بعد أن يبيدوهم، ويدمروا حضارتهم، تمهيدا لإقامة الكيان الصهيوني اليهودي في فلسطين. وقد كانوا يرون في الهنود الحمر سكان الأرض الأصليين وهم يطاردونهم أنهم الكنعانيون الذين أمر الرب في التوراة بني إسرائيل بتطهير الأرض ـ فلسطين ـ منهم. كما كانوا يرون في أرض الهنود الحمر أنها فلسطينهم الجديدة، وفي بعض مدنهم التي أسسوها في أرض الهنود الحمر أنها قدسهم، وقدس أقداسهم. وليس أدل على ذلك من الخارطة، التي رسمها أولئك المهووسون بخرافات التوراة للوطن اليهودي المزعوم أنه "وعد الرب" لليهود، التي يعود تاريخها إلى عام 1687م، والتي ضمت إلى جانب فلسطين "مصر، الحجاز، بلاد الشام، العراق، وأجزاء من تركيا تقريباً. هذه الأجزاء التي تمثل قلب مشروع بوش " الشرق الأوسط الكبير". هذه الخارطة التي لا زالت محفوظة في الكيان الصهيوني النصراني (أمريكا)، وقدمها الإرهابي بوش هدية لشريكه في الإرهاب شارون، أثناء أحد زيارته لواشنطن. ولم يتوقف مسئول عربي، أو مسئول فلسطيني، مع هذا الحدث، ليستشعر الخطر القادم الذي يتهدد الأمة والوطن كله من وراء الوثوق برئيس أمريكي إرهابي مجرم مهووس بخرافات التوراة، ومهزوز الشخصية، مثل بوش؟! و يسأل نفسه : أي الخريطتين يقصد بوش أنها خريطة الطريق؟!. لن نتحدث عن هذه الأمور وغيرها التي صاحبت نشأة الكيان الصهيوني النصراني لندلل على عمق العداء الأمريكي لأمتنا ووطننا، وعلى العمق التاريخي والبعد التوراتي في المشروع الأمريكي "الشرق الأوسط الكبير"، (فالولايات المتحدة تعتبر أوضح مثل لتقاليد الصهيونية غير اليهودية، فقد تغلغلت الأفكار العريضة للصهيونية في التفكير الأمريكي والسياسة الأمريكية تجاه "الشرق الأوسط" وفلسطين منذ قيام الجمهورية ولا يزال هذا الاتجاه سائدا حتى يومنا هذا. وتشير السياسات العامة حول المشكلة الفلسطينية إلى اعتراف الولايات المتحدة "بحقوق" اليهود في فلسطين)(84). ولكن سأقصر حديثي على تقديم حقيقة صهيونية الكيان الأمريكي، الذي من قبل أن يتم إنشاؤه، وحرب الاستقلال لم تنته بعد، وهم يناقشون لغة الكيان المستقبلية بعد الاستقلال، تم طرح أن تكون "اللغة العبرية" هي اللغة الرسمية للكيان الأمريكي، وحتى بعد الاستقلال ظل هذا الطرح قائما. وذلك من خلال توضيح مدى التعصب للصهيونية من الرؤساء الأمريكيين الأوائل المؤسسين للكيان الأمريكي، قبل وجود اللوبي الصهيوني، وقبل أن يصبح للصوت اليهودي وزن في الانتخابات الأمريكية، هذه الخرافة الكاذبة التي تستخدم لتبرير التأييد الأمريكي الثابت لليهود. كي لا يستغرب أحد من قول كولن باول يوم 24/9/2004م: (إن أمريكا دولة يهودية ـ "مسيحية"). جورج واشنطن: إن التاريخ الأمريكي منذ بدايته كان أسيراً للخرافات اليهودية، وذلك من خلال الإيمان البروتستانتي، وهذا (جورج واشنطن) أول رئيس لأمريكا كان يوصف بأنه (رجل شديد التدين "عبراني" وظل حتى أخريات أيامه عظيم التقديس للشعائر والطقوس اليهودية والتاريخ المقدس الذي تضمنه العهد القديم... وقد عبر في رسالة وجهها إلى قادة اليهود في مدن فلادلفيا، ونيويورك، وريتشموند، عن أمله في أن يظل الرب صانع المعجزات الذي خلص العبرانيين في الأزمنة القديمة من بغي مضطهديهم المصريين، وزرعهم في أرض الميعاد يسقيهم من ظل السماء، إلى جانب الولايات المتحدة، وأن ينعم الرب القدير "يهوه" على كل الولايات المتحدة التي تأسست بقدرته، بالبركات الدنيوية والروحية التي أنعم بها على شعبه.. وفي كلمة وجهها إلى جيشه حث الجنود فيها على أن يرتقوا إلى المستويات الرفيعة التي كانت في جيش بني إسرائيل العظيمة الذي ظل رافعاً راية "يهوه" طوال أربعين سنة في القفر تحت هداية وقيادة أعظم وأحكم جنرال عرفه العالم طوال تاريخه!!(85). جون آدمز: وهو الرئيس الأمريكي الثاني (جون آدمز)، لم يكن أقل تعصبا من سلفه لعودة اليهود إلى فلسطين، وإقامة دولة لهم، بحسب خرافات التوراة المزورة. فقد جاء في كتاب "إسرائيل خنجر أمريكا" أنه (وجه في عام 1818 رسالة إلى الكاتب اليهودي (مردخاي نوح) وكان يشغل منصب القنصل الأمريكي في تونس، جاء فيها: (إنني أرغب حقاً في رؤية اليهود ثانية في أرض يهودا كأمة مستقلة). كما ذكر (بن غوريون) في كتابه "العرب والفلسطينيون وأنا". أن جون آدمز قال في رسالة وجهها إلى ضابط يهودي: سيأتي يوم يعود اليهود فيه إلى بلادهم لبعث دولة يهودية)(86). هذا الموقف من رئيس الولايات المتحدة جعل قنصله اليهودي في تونس سالف الذكر يتواقح في عام 1818م، ويخطب في افتتاح أحد معابد اليهود في نيويورك ويقول: (إن القضاء على السيطرة التركية في أوروبا سيترتب عليه تحرير اليهود وسيكون في استطاعتهم السير مرة أخرى لامتلاك سوريا تحيط بهم هالات النصر ولذلك يظهرون مكانتهم بين دول العالم)(87). علما أن هذا القنصل قد تم طرده من تونس بالقوة بعد أن بالغ في مجاهرته العداء للإسلام ودولة الخلافة، وقد أحدث طرده أزمة دبلوماسية بين تونس وأمريكا آنذاك. توماس جفرسون: وقد كان الرئيس الأمريكي الثالث، وقد اقترح عند توليه الرئاسة أن يكون رمز الولايات المتحدة شعاراً يمثل "أبناء إسرائيل" تقودهم غيمة في النهار وعمود نار في الليل، متأثراً في ذلك بثقافة أمريكية تستمد جذورها من التوراة العبرية، "كما جاء في سفر الخروج: كان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم سواء السبيل وليلاً في عمود نار ليضيء لهم"(88). والآن سنتحدث عن بداية الاتصال الأمريكي بوطننا. البعثـــات التنصــيرية إن علاقة أمريكا بوطننا تكاد تكون سابقة لقيام الدولة الأمريكية نفسها واستقلالها عن بريطانيا عام 1776م، وهذا دليل على قدم هذه العلاقة وعمقها. ولعل كثير منا أو في وطننا قد لا يعلم أن بداية العلاقة بين أمريكا ووطننا بدأت من نفس المنطلقات التي قام عليها الكيان الأمريكي الذي اغتصب أرض الغير "الهنود الحمر"، بعد أن أباد منهم نحو "112"مليون نفس، ودمر حضارتهم التي شهد لها مؤرخو الغرب نفسه أنها كانت تفوق حضارة الغاصب المحتل كثيرا في كثير من المجالات،وارتكب في حقهم أبشع المذابح الإرهابية، باسم الدين! لقد بدأت علاقة أمريكا بوطننا من نفس المنطلقات الدينية التي يقوم عليها الكيان الصهيوني اليوم، ألا وهي الخلفية الدينية والإعداد والتمهيد لتحقيق أساطير وخرافات التوراة التي آمن بها المهووسون الدينيون من أوائل المغتصبين الأوروبيين من الجنس الأنجلو-سكسوني، الذين فروا إليها من الاضطهاد الديني لهم في بريطانيا، وهم يحلمون بإقامة مملكة الرب والتوراة في العالم الجديد بعيداً عن الاضطهاد والمطاردة، تمهيدا لإقامة مملكة الرب اليهودية في فلسطين. فلقد بدأ الاهتمام الأمريكي بوطننا أول ما بدأ من خلال البعثات التنصيرية البروتستانتية في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، فكان البعد الديني لأمريكا في وطننا سابقاً على أي بعد آخر. وكانت هذه الحملات التنصيرية الدينية المختلفة التي انتشرت على مساحة الوطن كله، يقوم بها في الغالب متخصصون في دراسة العلوم الشرقية لغة وحضارة وثقافة وعادات وديناً ... إلخ، وذلك من أجل التشكيك وبث روح الانهزام في نفوس أبناء الأمة. وقبل هذا وذاك لعب هؤلاء المنصرون دور الدليل للجندي العسكري وطلائع قواته، وفرق الاستطلاع له في وطننا، لقد كانت هذه البعثات التنصيرية طلائع الغزو الغربي الحديث لوطننا. وقد كانت الحملات التنصيرية البروتستانتية الأمريكية هي طليعة العلاقة التي ربطت أمريكا بوطننا. وفي بداية الاستقلال الأمريكي عن بريطانيا لم تكن الولايات المتحدة التي نراها الآن بحدودها الجغرافية هي حدود الاستقلال، ولكن دخلت الحكومة الأمريكية بعد الاستقلال حروباً طاحنة مع الهنود الحمر؛ السكان الأصليين لأمريكا، ومع الدول المغتصبة المجاورة، من أجل توسيع حدودها وفرض سيطرتها وهيمنتها على أكبر مساحة ممكنة من الأرض في العالم الجديد . وإعداد القوة التي تمكنها بعد ذلك من الانطلاق بقوة خارج حدود القارة الجديدة إلى عالم الإمبراطوريات والقوى الاحتلالية الأوروبية الكبرى المتطاحنة على احتلال العالم القديم. كما أن هذا الانشغال في تأسيس وتوسيع الحدود الجغرافية الأمريكية، وبناء القوة، لم يشغل الحكومات الأمريكية آنذاك عن إقامة علاقات سياسية واقتصادية، وإرسال القناصلة إلى ولايات وطننا أيضاً، حيث أقامت علاقات دبلوماسية وتجارية مع الدولة العثمانية وبعض ولاياتها منذ نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. وهذا دليل على أن العين الأمريكية لم تكن غافلة عن وطننا وأهميته الدينية والاقتصادية، ولا عن أطماعها المستقبلية فيه، إلا أنها كانت تنتظر الفرصة المناسبة التي تسمح لها بالدخول إلى المنطقة بقوة. عـلاقـة التنـصير بالاحتـلال إن علاقة التنصير بالاحتلال علاقة غير نزيهة، فالمفترض أن غايات الرسالات السماوية ورجال الدين الراعين لها لا مع الاحتلال الذي يقوم على أساس اغتصاب حقوق الشعوب المستضعفة واضطهادها. ولكن الذي حدث أن الجمعيات التنصيرية أقامت مع الاحتلال علاقة غير شريفة، وتتعارض مع ادعائها أنها كلمة الرب، وتعمل من أجل هداية البشر، وتخليص أرواحهم من الخطيئة. حقيقة هذه العلاقة يوضحها صاحب الوعد المشئوم بجعل "فلسطين" العربية ـ الإسلامية وطناً قومياً يهودياً. والرئيس الشرفي لإحدى الجمعيات التتصيرية اللورد "آرثر بلفور" وزير خارجية بريطانيا إذ يقول : (إن "المبشرين" هم ساعد جميع الحكومات "المستعمرة"، وعضدها في كثير من الأمور المهمة، ولولاهم لتعذر على تلك الحكومات أن تذلل كثيرا من العقبات، ولذلك فإنّا في حاجة إلى لجنة دائمة تعمل لما فيه صالح المبشرين)(89). فالمحتل بدون هذا المنصر الذي يلبس لباس الكهنوت، ويتحدث بلسان الرب يسوع كذباً، ويدّعي أنه جاء ليخلص النفوس والأرواح من الخطيئة والمعاناة والعذاب ويدخلها إلى الجنة وملكوت السماء حيث النعيم والراحة الأبدية. إنما هو مخادع، ومستغل للدين من أجل تخدير مشاعر أتباعه، وتغييب عقولهم عمّا يقوم به المحتل العسكري من نهب لثرواتهم ومقدرات حياتهم، وسلبهم متاع حياتهم ولقمة عيشهم. والتاريخ يحفظ لنا كيف كانت الكنائس والبعثات التنصيرية بصفة عامة في أوروبا وأمريكا بالذات، تقوم بدور تنصير الأحرار الذين خطفهم الرجل الأبيض من أوطانهم في أفريقيا ونقلهم إليها مستعبدين، ليس من أجل خلاص أرواحهم من شرورها ومن الخطيئة، ولكن من أجل تسهيل إذلالهم واستعبادهم واستغلالهم من قبل الرجل الأبيض، بعد قتل روح الثورة والمقاومة فيهم باسم الصبر والتحمل من أجل الفوز بملكوت السماء. أما عن التمييز والتفرقة العنصرية باسم الدين في المجتمع الأمريكي وداخل الكنيسة بين الأبيض والأسود فهي أشهر من أن يذكر بها. الجامعة الأمريكية أهم المؤسسات التنصيرية لقد استعان المنصرون ولازالوا للقيام بمهمتهم وخداع الناس بكل الوسائل التي تمكنهم من ذلك. واستخدموا الحيل البارعة التي تمكنهم من تخدير أتباعهم الجدد. فقد شيّدوا دور البر والحضانة والمستشفيات. وعقدوا الندوات والمؤتمرات بجانب الإذاعة والصحافة ودور الطباعة والنشر والفرق الكشفية والرياضية. إلا أن أهم المؤسسات التنصيرية وأشدها خطراً هي : المدارس والمعاهد العلمية المنتشرة في العالم الإسلامي، والجامعات الأمريكية الموجودة في بيروت والقاهرة وحلب وبغداد وفلسطين، بالإضافة إلى الجامعة اليسوعية الموجودة في بيروت. وذلك لأنها تخفي وراء شعارات العلم غايات دينية هي الأهم عندها. وقد أفصحت عنها الجامعة الأمريكية في بيروت، وذلك في المنشور الذي أصدرته في عام 1909 حينما احتج الطلبة المسلمون بالإضراب عن الدراسة لأنهم كانوا يحملون على الدخول يومياً إلى الكنيسة للصلاة وفقاً للطقوس النصرانية وقد جاء فيه : (إن هذه كلية "مسيحية"، أسست بأموال وشعب "مسيحي"، هم اشتروا الأرض، وهم أقاموا الأبنية، وهم شيّدوا المستشفى وجهزوه، ولا يمكن للمؤسسة أن تستمر إذا لم يسندها هؤلاء، وكل هذا قد فعله هؤلاء ليوجدوا تعليماً يكون الإنجيل من موارده، فتعرض منافعه الحقيقية على كل تلميذ، وكل طالب يدخل مؤسستنا يجب عليه أن يعرف مسبقاً ماذا يطلب منه)(90). أما مجلس الأمناء في الكلية فقد كان أكثر وضوحاً في تحديد الهدف من إنشاء هذه الكلية، فقد أصدر منشوراً رداً على الإضراب يحدد فيه وحدة الهدف، جاء فيه : (إن الكلية لم تؤسس للتعليم العلماني، ولا لبث الأخلاق الحميدة، ولكن أولى غاياتها أن تعلم الحقائق الكبرى التي في التوراة، وأن تكون مركزاً للنور "المسيحي"، والتأثير "المسيحي"، وأن تخرج بذلك على الناس)(91). هل هناك أوضح من هذا الهدف؟!! وإذا ما علمنا أن معظم مثقفي وطننا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذين حملوا لواء ما يسمى بالنهضة الفكرية، وقادوا دولنا بعد الاستقلال كانوا من خريجي الجامعات الأمريكية، أدركنا لماذا ضاعت فلسطين، ولماذا نكبت الأمة، ومن الذي أجج الصراع بين قوى الأمة الداخلية ليمكن للعدو الصهيوني في فلسطين؟!! وهو ما زال حتى اليوم يحاول إثارة الصراعات والعداوات بين أبناء أمتنا، ويحاول أن يشق وحدة صفها وموقفها باسم محاربة "الإرهاب". الحـــرب العـالميــة الأولـى إذن الولايات المتحدة لم تكن غافلة عن وطننا، ولكنها كانت تنتظر الوقت والفرصة المناسبين للتدخل فيه، وما أن طلبت دول التحالف في الحرب العالمية الأولى ـبريطانيا وفرنسا ـ من أمريكا أن تدخل الحرب إلى جانبها ضد دول المحور، حتى بادرت للاستجابة إلى طلبها، ولكنها وضعت شروطها لدخول الحرب. وقد كانت ولا زالت هذه الشروط هي الأهداف الأمريكية الثابتة ولم تتغير في وطننا، منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، وإن كان قد أضيف إليها هدف آخر، لم يكن مسقط من حساباتها آنذاك، ولكنه اليوم أصبح مناطا بها بحكم زعامتها للغرب الصليبي في صراعه ضد الإسلام.وقد كانت هذه الأهداف ـ الشروط ـ هي : الهدف الأول : تحقيق الحلم النصراني الصهيوني التوراتي الأمريكي بإقامة "الدولة اليهودية" في فلسطين، وتوفير الأمن لها في وسط محيطها العربي الذي ستقام في قلبه وعلى أقدس جزء من أرضه. وخلافاً لما هو شائع بأن الموافقة الأمريكية على طلب بريطانيا دخولها الحرب إلى جانبها، جاءت استجابة للضغوط الصهيونية على الرئيس الأمريكي وودرو ولسون، وأن الرغبة في كسب الأصوات اليهودية في الانتخابات، والتمويل اليهودي للحملة الانتخابية، هي السبب في هذا التدخل الأمريكي بشرط إسراع بريطانيا في إصدار "وعد بلفور" ... إلخ، مما رسخ في أذهان الكثير من مثقفينا، وذلك لأن الحقيقة التي يعترف بها معظم الباحثين التاريخيين لتلك الفترة، تؤكد : أن عدد اليهود الصهاينة الذين كانوا في أمريكا كان قليلاً جداً، ولم تكن الصهيونية مرغوبة عند اليهود الأمريكيين، وأن التيار الإصلاحي اليهودي هو الذي كان منتشراً وسط يهود أمريكا، كما أن أصوات اليهود الانتخابية في ذلك الوقت لم تكن من الأهمية لترجح فوز هذا المرشح أو ذاك. أضف إلى ذلك أن النفوذ الصهيوني في دوائر الإدارة الأمريكية كان يكاد لا يذكر. وإن كان على علاقة الرئيس وودرو ولسون بصديقه اليهودي الصهيوني القاضي لويس برانديز، فإن تأثير هذا الأخير لم يكن ليجعل ولسون يؤيد الصهيونية، خاصة وأنه كان له كثير من الأصدقاء المقربين أكثر من برانديز، وكانوا يجاهرون بعدائهم للصهيونية آنذاك، كما هو اليوم. ولكنه جاء لينسجم مع الثقافة والموروث الشعبي الديني البروتستانتي الأمريكي المستقر في الشعور واللاشعور الأمريكي الذي أسس كيانه في الوطن الجديد على أساس المثل والخرافات التوراتية. لقد جاء موقف ولسون منسجما مع خلفيته الدينية التي كثير ما عبر عنها بقوله: (ربيب بيت القسيس ينبغي أن يكون قادرا على المساعدة في إعادة الأرض المقدسة لأهلها)(92). وهذا ما يفسر أصر ولسون الشخصي على تأييد إصدار بريطانيا لوعد بلفور، ويرسل لها موافقته الشخصية وليس موافقة رسمية من الإدارة الأمريكية. وهذا ما دفعه للتأكيد عدة مرات للزعماء الصهاينة أنه باستطاعتهم الاعتماد على تأييده الشخصي(93). ليس هذا فحسب بل وأصر على (الخارجية البريطانية كي تصدر وعد بلفور، قبل شهر من الموعد المحدد لصدوره عام 1917)(94). فقد كان ولازال الموقف الأمريكي من الحركة الصهيونية سابقاً، ومن الكيان الصهيوني حالياً، هو موقف ذاتي لا علاقة له بكل ما يقال عن النفوذ الصهيوني واليهودي في دوائر القرار أو الحملات الانتخابية الأمريكية، وإن كان لا يمكن تجاهل هذا عند البعض، ولكن ليس هو العامل الحاسم. أضف إلى ذلك أنه لم يكن لأمريكا في ذلك الوقت مصالح اقتصادية في المنطقة تريد من الكيان الصهيوني أن يحافظ لها عليها مستقبلاً. أما في الوقت الحاضر فإن مصلحة الولايات المتحدة المفترض أنها مع العرب والمسلمين، ومن الحكمة ألا تكسب عداءهم ضدها، خاصة وهم لا يعارضون سياساتها ولا نهبها لثرواتهم. ولكنها مع ذلك تجاهر في عدائها لهم وتأييدها للعدو الصهيوني القائم على أسس دينية وخرافات نهاية العالم الدينية، التي يؤمن بها النصارى الصهاينة من أتباع المذهب البروتستانتي. الهدف الثاني : السيطرة على منابع النفط في وطننا، فمنذ إعلان الرئيس الأمريكي مونرو في بدايات القرن التاسع عشر "1822" مبدأه القائل "أمريكا للأمريكيين"، إلى بدايات القرن العشرين واحتياج بريطانيا الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس إلى القوة الأمريكية، منذ ذلك التاريخ كانت أمريكا قد استطاعت ان تقطع شوطاً كبيراً في استغلال المواد الخام في القارتين الأمريكيتين، وأن تحقق نجاحاً كبيراً على صعيد الإنتاج والتقدم العلمي، وبناء القوة العسكرية. وأصبح واضحاً أن أسواق الأمريكيتين لم تعد تكفي طاقتها الإنتاجية، وأنها في حاجة إلى مجال أرحب لنشاطها التجاري، ولحاجاتها المتزايدة. ومع اكتشاف البترول في إيران وأذربيجان بدأت أمريكا تهتم اهتماماً حقيقياً بمنطقة العراق والخليج العربي، للاحتمالات المؤكدة لوجود البترول على سواحلها، وفي باطن أراضيها، أسوة بدول الجوار. لذلك عندما طلبت بريطانيا من أمريكا مساعدتها في الحرب، كان شرطها الثاني على بريطانيا هو: الكف عن مناوأة مساعي الأمريكيين للتنقيب عن البترول في السواحل العربية على الخليج العربي. وما لبثت المصالح الأمريكية أن برزت اعتباراً من نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أن خبرة الأمريكان وثروتهم ساعدتاهم على أن يكونوا السباقين في اكتشاف البترول في كل من البحرين والأحساء(95). ومنذ ذلك التاريخ بدأت أمريكا تتحول إلى إمبراطورية، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، وجعلت وزير خارجيتها كولن باول يعلن بكل وقاحة وصلافة أن الهدف من العدوان على العراق واحتلاله هو تحقيق هدفين : السيطرة على النفط، وتوفير الأمن للعدو الصهيوني. الهدف الثالث : وهو مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وهو البعد الثالث في الصراع، الذي تبلور من خلال انتزاع أمريكا الزعامة والقيادة من الإمبراطوريات الغربية الصليبية التي سبقتها لنفسها. تلك الإمبراطوريات أو الدول التي سبق وأن حددت أن الخطر الرئيس على وجودها، وعلى نموذجها الحضاري المادي الذي تعمل جهدها فرضه على العالم، أنه يتمثل في: الإسلام ونظامه السياسي، ونموذجه الحضاري. لذلك قررت زرع العدو الصهيوني "القومية الغريبة" في قلب الأمة والوطن، ليساعدها في حربها على الإسلام والعروبة، وفي القضاء على عوامل القوة والمقاومة في الأمة والوطن ضد محاولات السيطرة والهيمنة الغربية على مقدرات وطننا. ومشروع بوش "للشرق الأوسط الكبير" الذي ظاهره تمدين وتحضير دولنا باسم نشر قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وتقوية دور المرأة ومؤسسات المجتمع المدني... وغيرها من الدعاوى الأمريكية الزائفة، في الوقت الذي يبطن من وراءه سلب الأمة إسلامها وما بقي لديها من أسباب القوة والمقاومة حتى يتم استعباد الأمة والوطن باسم "محاربة الإرهاب"، الذي صنع منه عدوا مشتركا ومركزيا له وللأنظمة المرتبطة به، أخر حلقات هذا العداء للإسلام، والصراع للقضاء عليه. وودرو ولسون مثال للخداع الأمريكي اشتهر وودرو ولسون بأنه صاحب المبادئ الأربعة عشر لحقوق الإنسان، التي أعلنها في الكونجرس الأمريكي في كانون الثاني / يناير 1918م، حيث رفض فيها حق الحصول على المكاسب الإقليمية وأدان عقد الاتفاقات السرية، وأعلن في البند الخامس مناداته بحق تقرير المصير للشعوب، فقد قررت النقطة الثانية عشرة أنه(يجب أن تؤمن الفرصة للأقليات غير التركية في الإمبراطورية العثمانية للتطور الذاتي)(96). وشاع أنه انسحب من مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس عام كانون الثاني/ يناير 1919م، للنظر في نتائج الحرب ووضع هذه الشعوب، لأن بريطانيا وفرنسا رفضتا الموافقة على طلبه بإعطاء هذه الشعوب الاستقلال. مما جعل الجماهير العربية وقياداتها تطلب من الولايات المتحدة أن تكون هي الدولة المنتدبة عليها، بدلا من بريطانيا وفرنسا. في الوقت الذي فيه الحقيقة غير ذلك!!. إلى جانب ما ذكرنا سابقا عن دور الرئيس الأمريكي ولسون صاحب مبادئ حقوق الإنسان الكاذبة الخادعة في إصدار وعد بلفور، وتعهده أيضا بالحفاظ على أمن الكيان الصهيوني عند قيامه، كما نصت على ذلك المذكرة التي قدمها الوفد الأمريكي إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م ، التي نصت على (الاعتراف بالدولة اليهودية حينما تبرز إلى الوجود)(97). تحميل ممثل أمريكا إلى المؤتمر اقتراح باستثناء فلسطين من أية محاولة لإعطاء العرب الاستقلال.(98). سنذكر ببعض الأحداث التي تلقي مزيدا من الضوء على حقيقة الوجه العنصري والدموي لهذا السفاح اليهودي المتعصب للصهيونية مثل زوجته اليهودية أيضا وهي سارة دولانو(99). في الوقت الذي تعهد فيه بالاعتراف بالكيان الصهيوني فور بروزه للوجود، (رفض استقبال الأمير فيصل علي رأس وفد عربي في مؤتمر باريس للسلام)(100) كما أنه رفض طلب الوفد المصري إلى المؤتمر برئاسة (سعد زغلول) لطرح القضية المصرية، ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يرفض حتى مجرد الاجتماع مع سعد زغلول، ويسارع بالاعتراف بالحماية البريطانية على مصر(101). ويؤيد بريطانيا في تحطيمها للثورة الوطنية في مصر. نفس الموقف اتخذه في الفلبين، و أصدر أوامره للقيادة العسكرية الأمريكية بتحطيم الحركة الوطنية الفليبينية. حتى أن القائد الأمريكي الجنرال (سميث)، الذي كلف بتحطيم الحركة الوطنية الفليبينية عام 1920م، أصدر أوامره لقواته قائلا: (إنني لا أريد أسرى، وأريدكم أن تحرقوا وتقتلوا، وكلما زدتم الحرق والقتل، كلما جلبتم السرور إلى قلبي)(102). هكذا هي دوما وعود الغرب كاذبة، خادعة، يراد منها تحقيق أهداف وغايات لا إنسانية، وضد أماني وطموحات الشعوب التي تثق بها. وهذه كانت باكورة الأكاذيب الأمريكية التي لم تنقطع منذ ذلك التاريخ، وآخرها مشروع بوش لسحق الأمة، والسيطرة الكاملة والشاملة على كل مقدرات الوطن، ونحن لا نتعلم!!!. |
|
|
|
|
|
#5 |
|
بقايا انسان
![]() ![]() تاريخ التسجيل: 11 / 9 / 2004
المشاركات: 392
معدل تقييم المستوى: 27 ![]() |
التــدخــل الأمــريكــي المبــاشــر
لقد بقي الموقف الأمريكي ينتظر الفرصة المناسبة للتدخل المباشر من أجل تحقيق أهدافه السابقة، وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى والانسحاب الأمريكي المشبوه ـ كما سبق وذكرنا ـ من مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس عام 1919م، بحجة أن بريطانيا وفرنسا رفضتا تحقيق مبادئ الرئيس الأمريكي ولسون الكاذبة، ومنح الشعوب التي كانت تحت حكم الدولة العثمانية الاستقلال. وما أن دخل العقد الرابع من القرن الماضي، وبدأت الحرب العالمية الثانية، وشارفت على الانتهاء، وقد كانت الولايات المتحدة قد شاركت فيها بقوة وثقل، وكانت طرفا أساسيا فيها. وقد كان الاتحاد السوفيتي هو الآخر قوة صاعدة ومنافسة جديدة للإمبراطوريات القديمة ـ بريطانيا وفرنسا ـ، وكان مثله مثل الولايات المتحدة يحاول أن يجد له موطئ قدم في وطننا، ليحل بعدها محل تلك الإمبراطوريات التي بدأ يغيب نجمها وتغرب شمسها. وقد كان مؤتمر يالطا الذي عقد في الفترة من (4ـ11/2/ 1945م) على ظهر إحدى البوارج العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط، بين رؤساء كل من الولايات المتحدة "روزفلت"، والاتحاد السوفيتي "ستالين"، وبريطانيا "تشرشل"، وأعلن فيه انتهاء الحرب، و عن تشكيل النظام العالمي الجديد وإنشاء هيئة الأمم المتحدة لتحل محل عصبة الأمم، يساعدها في العمل على هيمنة الولايات المتحدة على العالم، مؤسستان اقتصاديتان كبيرتان، هما: البنك الدولي وصندوق النقد، واعتماد الدولار العملة الأولى والرئيسة للتداول العالمي. منذ ذلك التاريخ بدأ دور الولايات المتحدة في وطننا مباشرا وفاعلا، ويعمل على إزاحة القوى الغربية القديمة والحلول محلها. لذلك كما تكثر الآن التحركات الأمريكية في المنطقة، لإقامة أحلاف سياسية وأمنية واقتصادية، وتكتلات إقليمية جديدة، والدعوة لإقامة نظام إقليمي جديد ...وغيرها، من الأنشطة الأمريكية المحمومة بدعوى محاربة ما تسميه أمريكا "الإرهاب"، مدعية أنه العقبة في طريق تحقيق السلام والاستقرار ودفع عجلة التقدم والرفاه في المنطقة. كثرت نفس هذه التحركات الأمريكية منذ منتصف عقد الأربعينيات في القرن الماضي، وازدادت عقب اغتصاب العدو الصهيوني لفلسطين عام 1948م، من أجل دمج العدو الصهيوني في نسيج المنطقة من خلال إقامة أحلاف سياسية في المنطقة يكون العدو الصهيوني جزءا منها، وتكون بديلة عن الأحلاف العربية أو الإسلامية، ولتثبيت حدود الكيان الصهيوني في فلسطين عند حدود هدنة عام 1949م. وكان كل ذلك يتم آنذاك تحت مسميات عدة أيضاً على رأسها : مواجهة الخطر الشيوعي وعدم انتشاره في المنطقة. ومساعدة بعض الدول العربية التي كانت محتلة آنذاك على الاستقلال. وتقديم المساعدات الاقتصادية والتقنية للدول المستقلة حديثا، لتنفيذ بعض المشاريع التي هي في حاجة إليها...ألخ. وقد شهدت تلك الفترة استكمال وضع بقية أسس السياسة الصهيونية الأمريكية ضد الأمة والوطن، التي تعتبر سياسة الإرهابي بوش نسخة ممجوجة منها. وسوف أبدأ حديثي عن ملامح ومبادئ السياسة الأمريكية التي يحاول الآن أن يفرضها بوش بعد أن فشل من سبقوه في ذلك، بما يغني عن الحديث عن مشروع بوش "الشرق الأوسط الكبير". وأبدأ : القضية المركزية للأمة "فلسطين" لم يعد خافيا على أحد الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في أربعينيات القرن الماضي في دعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والتأييد والضغط للإسراع في إقامة الكيان الصهيوني، وخاصة الضغوط التي مارستها على كثير من الدول التي كانت تعارض قرار التقسيم عام 1947م، من أجل إكراهها على التصويت لصالح القرار. وما أن تم الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني في فلسطين ليلة أل 15 من أيار/مايو 1948م، حتى سارع الرئيس الأمريكي، وبدون التشاور مع أركان إدارته، بإعلان اعترافه بهذا الكيان. ومنذ ذلك التاريخ ألقت الولايات المتحدة بكامل ثقلها وتأييدها وراء الكيان الصهيوني غير عابئة برد الفعل الغربي، كما لم تقم وزنا لخطورة هذا الموقف المتحيز على مستقبل مصالحها في وطننا. كما حددت الولايات المتحدة ثلاثة محاور رئيسة للعمل عليها لدعم الكيان الصهيوني. تمثلت في: إكساب هذا الكيان صفة الشرعية الدولية. إغداق المساعدات عليه حتى يقف على قدميه. ودفع الدول الغربية لضمان حدود ووجود هذا الكيان تحت غطاء إقامة التوازن في الشرق الأوسط، كسبيل وحيد للاستقرار في نظرهم(103). والذي يقارن كثير من السياسات الأمريكية منذ ذلك الوقت، وخاصة الأعوام الثلاثة التي تلت قيام الكيان الصهيوني، بكل المواقف والممارسات السياسية الأمريكية عبر العقود التي تلتها، وخاصة أثناء انتفاضة الأقصى المبارك ومفاوضات ما يسمى بالسلام، فإنه سيجد أنها متطابقة إلى حد كبير، إن لم يكن تماماً. فأمريكا لم تتوان في تنفيذ هذه الإستراتيجية نحو العدو الصهيوني لحظة واحدة منذ ذلك التاريخ، ففي 29/11/1948م دعت أمريكا مجلس الأمن للاعتراف بالعدو الصهيوني، ولكنها فشلت في ذلك. ثم دعت مجلس الأمن مرة ثانية في 11/5/1949م، ونجحت في استصدار توصية من الجمعية العمومية. وفي خط متوازٍ كانت تمارس سياسة الضغط على العرب من أجل تأمين الظروف للكيان الصهيوني في ظل حرب 1948م لتثبيت وجوده في الأراضي التي اغتصبها، فقد دفعت العرب تحت الضغط للموافقة على الهدنة الأولى في حزيران /يونيو 1948م، ثم ضغطت مرة أخرى للموافقة على الهدنة الثانية في تموز/يوليو، و قد كانت الهدنتان لمصلحة العدو الصهيوني. كما أن أمريكا في الفترة من أيار/مايو 1948م وحتى نهاية ذلك العام، حققت للعدو الصهيوني أشياء كثيرة، منها : قرار أمريكا بعدم إرسال ضباط مراقبة الهدنة، ومعارضة أمريكا مناقشة بند فلسطين في الجمعية العمومية، ووعد الإدارة الأمريكية العدو الصهيوني بالاعتراف بحدوده عند النقطة التي تصل إليها قواته. نفس السياسة تمارسها إدارة بوش اليوم. وفي كانون الثاني/يناير 1949م رفعت درجة اعترافها بالعدو الصهيوني من الاعتراف الواقعي إلى القانوني، ورفعت درجة التمثيل الدبلوماسي معها إلى درجة سفارة. كما بدأت تقدم له مئات الملايين من الدولارات لدعم وجوده واقتصاده تحت مسميات عدة. ومنذ عام 1950 بدأت توقيع الاتفاقيات الثنائية معه في المجالين العسكري والأمني. وهذا الدعم الواسع يدل على أن العدو الصهيوني بدأ يكتسب أهمية في الإستراتيجية الأمريكية، إذ صرح وزير الدفاع الأمريكي في عام 1949م قائلاً : (إن "إسرائيل" مهمة إستراتيجيا ويجب دعمها). وابتداء من عام 1951م قررت وزارة الدفاع الأمريكية بلسان وزيرها أن يكون للعدو الصهيوني دور متميز على أساس : (أن تقوية "إسرائيل" تساعد الدول الغربية على المحافظة على التوازن والاستقرار في "الشرق الأوسط" ... فبالإمكان الاعتماد على "إسرائيل" لمعاقبة واحدة أو أكثر من الدول المجاورة، التي تجاوزت تصرفاتها تجاه الغرب، حدود اللياقة المسموح بها)(104). أمريكا ترفض حق عودة اللاجئين إن العصا التي تتكئ عليها الولايات المتحدة للتدخل في شئون وطننا الداخلية هي الصراع العربي-الصهيوني، وقد كان ولازال المعضلة الرئيسة فيه هي إصرار اللاجئين الفلسطينيين على احتفاظهم بحق العودة إلى أراضيهم وبيوتهم التي شردوا منها عام 1948م. إن هذا الحق لم يسقطه من أجندة السياسة الأمريكية الإرهابي بوش، ولكنه مسقط في السياسة الأمريكية منذ بداية النكبة، ولا تؤمن الإدارات الأمريكية المتعاقبة به. ذلك لأن كل الرؤساء الأمريكيين أوفياء للأسس التي وضعها الرئيس الأسبق ولسون للسياسة الأمريكية المعادية للعرب، التي تقوم على أساس دعم قيام الكيان الصهيوني وتوفير الدعم المادي والسياسي والأمني له، والعمل على حمايته ...إلخ. وهذا هو الذي أزم حل قضية عودة اللاجئين منذ ذلك التاريخ، حيث اعتمدت حكومة ترومان سياسة تقوم على توطين اللاجئين، ودمجهم الاقتصادي في المحيط العربي. وهذا ما أعلن عنه ممثل أمريكا في لجنة التوفيق الدولية الثلاثية، التي شكلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة من ممثلي فرنسا وتركيا وأمريكا، وأقرها بروتوكول لوزان في 12 أيار (مايو) 1949م، فقد أعلن في اجتماع اللجنة في بيروت: (إن "إسرائيل" لا تقبل عودة اللاجئين، والخير أن تنفذ قرارات الأمم المتحدة عملياً بدلاً من التمسك بها نظرياً، وهناك حقيقة واقعة وهي أن جميع اللاجئين لن يعودوا ... فمن الصعب أن يعود هؤلاء اللاجئون لأقاليم يسكنها قوم غرباء عنهم. فيجب التفكير في إعادة استيطانهم من جهة، وإعداد المشروعات اللازمة لعودتهم للحياة العادية)(105). فالإرهابي بوش ليس هو الذي ابتدع فكرة أن "عودة اللاجئين أمر غير واقعي"، ولكن هذا مبدأ أساسي من مبادئ العقيدة البروتستانتية والسياسة الأمريكية. ومن أجل ذلك أيدت الحكومة الأمريكية إنشاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين كفرصة لتوطينهم في غير ديارهم، ودفعت غالبية ميزانيتها. وضغطت على الدول العربية البترولية خاصة كي تفتح أبوابها أمام الفلسطينيين للعمل فيها وبأجور مغرية جدا، وتسهيل كل السبل أمامهم لنسيان الوطن والقضية، كما حاولت أن تغري بعض الدول العربية لتوافق على توطين اللاجئين في بعض أراضيها. كما حددت أمريكا منذ ذلك التاريخ، تاريخ معين تتوقف عنده أمريكا عن تقديم المساعدات للاجئين، وذلك لإكراههم على الاندماج في البلدان التي هُجروا إليها. وهذا ما حدث من أمريكا منذ سنوات، وأدى إلى توقف كثير من أوجه الدعم والخدمات التي كانت تقدمها الوكالة للاجئين نتيجة النقص الحاد في موارد تمويلها. وكذلك التضييق من الدول العربية على الفلسطينيين الذين سبق لها أن فتحت لهم أبوابها على مصراعيها للعمل و العيش فيها، ونسيان وطنهم وعدم التفكير في الخروج من هذه البلدان. ومع وصول الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور إلى الحكم مع بدايات عام 1953م، بدأت تتضح معالم السياسة الأمريكية نحو العدو الصهيوني والأمة والوطن أكثر، وبقيت منها مبادئ وممارسات ثابتة في هذه السياسة حتى اليوم، رغم استحداث الإدارات الأمريكية اللاحقة لبعض المبادئ أو المسميات، وبمعنى أصح إعادة إنتاجها بما يتناسب مع مستجدات كل مرحلة ـ كما سيأتي معنا. وقد ركزت سياسته نحو الصراع العربي – الصهيوني بشكل خاص، قبل العدوان الثلاثي على مصر، وقبل إعلان مبدأ أيزنهاور – دالاس على نقطتين هما: - الأولى : دفع العرب واليهود لحل مشكلاتهم والانخراط معاً في تحالف واسع ضد الشيوعية، وهو ما حاوله سلفه ترومان. وهذا ما تضغط لتحقيقه الولايات المتحدة اليوم، بدعوى "محاربة الإرهاب". - الثانية: العمل على توطين اللاجئين وتحسين شروط الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة، كأسلوب لزرع الاستقرار ومنع الطبقات المسحوقة من الثورة والتمرد. وهذا ما استفتح به الإرهابي بوش خطابه الذي أعلن فيه عن مشروعه "للشرق الأوسط الكبير". ولقد مارس الرئيس الأمريكي أيزنهاور الذي خلف ترومان نفس السياسة تجاه اللاجئين بوضوح أكبر وشمول أوسع إلى درجة أن أعلن فيها وزير خارجيته جون فولتر دالاس : "إن الآباء والأجداد يموتون، والأبناء والأحفاد ينسون" وها قد كذب الأبناء والأحفاد توقعات دالاس. سـلاح النفط وما دمنا قد ذكرنا بالموقف الأمريكي الثابت في قضية اللاجئين الفلسطينيين، والضغوط الأمريكية على الدول النفطية لتلعب دورا ينسي هؤلاء اللاجئين وطنهم وقضيتهم، لابد لنا أن نذكر بالموقف الثابت للدول النفطية منذ بداية القضية لعدم استخدام سلاح النفط من أجل الدفاع عن الحقوق العربية. مما يجعلهم يتحملون المسئولية الأكبر في استمرار معاناة وعذابات الجماهير الفلسطينية إلى اليوم، بعد أن أضاعوا فلسطينهم. لأن موقفهم هذا شجع الولايات المتحدة أن تمضي قدماً في دعم العدو الصهيوني، وليس الأصوات الانتخابية اليهودية، ولا قوة النفوذ اليهودية في الإدارات الأمريكية، التي يدعونها لتبرير دورهم في ذلك. والأدلة على ذلك كثيرة، وسنذكر بعضا منها: لقد كان الرئيس الأمريكي "هاري ترومان" مجنوناً في تأييده للصهيونية من قبل توليه الرئاسة عام 1945م، على عكس سلفه (فرانكلين روزفلت) الذي كان مثل ولسون مثال للخداع ـ كما سيأتي معناـ وقد كان ترومان لا يلتفت إلى تحذيرات وزارتي الخارجية والدفاع من عواقب سياسته المؤيدة للصهيونية بدون تحفظ، إلا بعد أن دق له وزير دفاعه "فورستال، على وتر أهمية البترول العربي في الاقتصاد الأمريكي، في اجتماع مجلس الوزراء الأمريكي في يناير 1948م، حيث قال : (بدون نفط العرب، لا نستطيع أن نحارب، أو أن نبني اقتصاداً قوياً في وقت السلم. وخلال عشر سنوات "إذا استمر هذا الموقف" علينا أن نعود لاستخدام السيارات الصغيرة "4 سلندر")(106). كما أن "فورستال" ونائب رئيس شركة أرامكو قد أدليا بشهادة في 19 يناير 1948م أمام اللجنة البرلمانية الخاصة بشؤون الدفاع، تحدثا فيها عن تأثير موقف أمريكا من قرار التقسيم على المصالح الأمريكية في وطننا، وخاصة البترول، مما جعل "ترومان" يقبل لأول مرة منذ عام 1945م، بتوصيات وزارتي الخارجية والدفاع، ويعلن عزم الولايات المتحدة تجميد التقسيم، ويطلب وصاية دولية على فلسطين، ولكنه سرعان ما تراجع عن قرار الوصاية! والسبب هو الموقف العربي. فعندما طالبت بعض الدول العربية في اجتماع مجلس الجامعة العربية في 8/12/1947م في القاهرة، باستخدام سلاح النفط لتغيير الموقف الأمريكي من قرار التقسيم، رفض رئيس إحدى الدول العربية البترولية الاقتراح، وعارض اتخاذ امتيازات النفط في بلاده سلاحاً لحل القضية المركزية للأمة. وأعلن وزير خارجية الدولة نفسها في 20/12/1947م، عبر المذياع، أن رئيس هذه الدولة (لا يريد الخلط بين الاقتصاد والسياسة)، وأنه لا ينوي فسخ الامتياز الممنوح للشركات الأمريكية، وأنه يرى من واجبه حماية أرواح الأمريكيين الذين يعملون في بلاده!. وعندما عادت مسألة استخدام سلاح البترول واحتلت الصدارة في أبحاث الجامعة العربية، وأصدرت اللجنة السياسية في 22/2/1948م، قراراً أوصت فيه حكومات الدول العربية بالمحافظة على الوضع الراهن في البلاد العربية، والامتناع عن منح امتيازات تتعلق بأنابيب البترول أو تنفيذ الامتيازات التي منحت بالنسبة لهذه الأنابيب، التي تمتد داخل البلاد العربية لمصلحة شركات أجنبية ما دامت دول هذه الشركات تسعى لإرغام العرب على قبول التقسيم، رفض مندوب تلك الدولة التوقيع على القرار، محذراً من اتخاذ قرار في مسألة امتيازات البترول الأنجلو- أمريكية. ليس هذا فحسب، بل إن رئيس هذه الدولة راح يستخدم نفوذه على سوريا ولبنان كي يسمحوا بمرور الأنابيب إلى شواطئ بلادهما، وتوقيع الاتفاقيات مع هذه الشركات، اضطر الرئيس السوري "شكري القوتلي" إلى الرد عليه : (إن المصلحة القومية أرفع من المصلحة الاقتصادية)، فغضب ذلك الرئيس، وبدأ يكيد للقوتلي (107). ولا أظن أن أحداً اليوم لا يعلم أن السياسة النفطية العربية اليوم باتت خادمة للمصالح الأمريكية والصهيونية ضد الأمة والوطن، وحريصة على استقرار أسعار النفط في السوق الأمريكية لاستمرار رفاهية المواطن الأمريكي على حساب شقاء المواطن العربي، وتعمل لتوفير الأمن للعدو الصهيوني على حساب توفير القتل والدمار للمواطن الفلسطيني، ويمنون على الجماهير الفلسطينية التي تذوق الأمرين دفاعاً عن أعراضهم في عواصمهم، ببعض الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، والذي بدأ اليوم يتحول إلى أوراق ضغط على الانتفاضة والمقاومة بعد قمتي شرم الشيخ والعقبة، لتركيع المقاومة الفلسطينية، وهم يعلمون أن هذا سيفتح الطريق أمام العدو الصهيوني للدخول إلى كل بيت في عواصمهم ومدنهم، ويخترقه بعد أن اخترق قرارهم السياسي. وإذا ما عملنا أن الثورة الصناعية الثانية – ما بعد الحرب العالمية الثانية – في الغرب كله، لم تستفيد من "طاقة" البترول العربي فحسب، وإنما استفادت من سعره الذي وصلت نسبة إسهامه في تمويل تقدمها إلى ما يوازي الثلث تماماً(108). إذا ما علمنا ذلك أدركنا كم هو حجم الجريمة التي ارتكبها العرب النفطيون – ولا زالوا – في حق الأمة والوطن، قبل فلسطين وأهلها. لقد كان على رأس مبررات وزراء الخارجية والدفاع الأمريكيين – الذين لم تخلُ من معارضتهم إدارة أمريكية – للدعم المطلق من الرؤساء الأمريكيين للعدو الصهيوني، الخوف من أن يشكل هذا الدعم خطراً على المصالح الأمريكية في البلدان العربية، وخاصة "الامتيازات النفطية". وآخرهم (كولن باول) الذي بدأ عهده في إدارة مجرم الحرب (بوش) خائفاً على المصالح والعلاقات الأمريكية في وطننا، أمام اندفاع رئيسه في المجاهرة بدعم العدو الصهيوني ومعاداة العرب. ولكنه عندما تأكد له عكس ذلك ظهر صقراَ أشد من نظرائه تشيني ورامسفيلد، وأكثر حرصاً منهم على أمن العدو الصهيوني. ورغم كل هذا، لازال العرب يصرون على الفصل بين السياسة والاقتصاد، ويرفضون التصالح مع الداخل، وعدم محاربة أنفسهم نيابة عن الولايات المتحدة والعدو الصهيوني! ترومان يشكل الإستراتيجية السياسية إن كان الرئيس الأمريكي وودور ويلسون وضع أسس إستراتيجية السياسة الأمريكية الحديثة، وحدد أهدافها نحو وطننا أثناء وأعقاب الحرب العالمية الأولى، في العمل على إنشاء الكيان الصهيوني في قلب الأمة والوطن، والانطلاق للسيطرة على منابع النفط، فإن الرئيس هاري ترومان أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية وضع هذه السياسة موضع التنفيذ والتطبيق. هذه السياسة التي لا زال يعاني منها وطننا. هذه السياسة التي جاءت لتفي بوعد ولسون لليهود برعاية كيانهم في فلسطين والحفاظ عليه، حيث جعل مصلحة وحماية الكيان الصهيوني محور ومركز السياسة الأمريكية في وطننا. ولكن قبل أن نتحدث عن دور ترومان الذي يعتبر بوش صورة مكررة منه، في انحيازه للعدو الصهيوني دون مراعاة لمصالح الولايات المتحدة مع العرب، لأنه عرف حقيقة زعمائهم.نريد أن نذكر بما فعله سلفه الرئيس (فرانكلين روزفلت)،الذي اختلف الكتاب حول حقيقة مواقفه من الصهيونية، ومدى تأييده لإقامة كيان لهم في فلسطين. لأنه كان يتظاهر بصداقته للعاهل السعودي (عبد العزيز بن سعود)، وأنه ضد الهجرة القسرية إلى فلسطين، في الوقت الذي كان يدعم فيه هجرة اليهود إلى فلسطين، ويفكر في تسكين جماعة منهم في شمال العراق أيضا، حيث الموطن الأول لسيدنا إبراهيم عليه السلام. وقد كان تظاهره بالاعتدال راجع لحرصه وخوفه من أن تتضرر مصالح الولايات المتحدة التي بدأت تزداد في وطننا على حساب المصالح البريطانية، إذا ما أظهر حقيقة موقفه المؤيد للصهيونية. كما أنه كان يخشى من تحالف العرب مع الاتحاد السوفيتي الشيوعي في حال أعلن تأييده للمطالب الصهيونية في فلسطين. كما كان يخشى على المهاجرين اليهود أن يذبحهم العرب كما كان صور له أصدقاؤه من الزعماء العرب، ولم يكن يعلم أنهم أجبن من ذلك، ولكن هذا ما أدركه سلفه ـ كما أسلفنا في الحديث عن سلاح البترول كمثال ـ لذلك لم يعد الرؤساء الأمريكيون يهتمون كثيرا برد الفعل الرسمي العربي، وإن كان الذي أخر تحقيق مشاريعهم التي سنتحدث عنها رد الفعل الجماهيري والشعبي العربي، الذي لم يعد هو الآخر يخيفهم اليوم، لأنه على ما يبدو أصبح مثل مواقف الزعماء العرب. فقد قال روزفلت لأعضاء الوفد اليهودي الذين قابلوه قبل مؤتمر يالطا، إنه في حال رفض العرب بالاقتناع والتفاهم قبول إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين كما كان يوهم العرب بأنه وطن قومي وليس كومنولث "دولة"، فلا بد من الجهود الدولية. فقد قال: (إذا أخفقت المفاوضات بين العرب واليهود، فإنه يتوجب على الأمم المتحدة، أن تخلق كومنولثا يهوديا، وتحميه بقوة شرطة دولية إلى أن يستطيع حماية نفسه)(109). لا نريد الإطالة في الحديث عن روزفلت لأنه مخادع، ويكفي أن نذكر بما قاله بعد وفاته (إسرائيل جولد شتاين) رئيس المنظمة الصهيونية الأمريكية: (لقد فقد الشعب اليهودي صديقا متفهما، وفقدت الصهيونية بموت روزفلت صديقها العلني)(110). وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن روزفلت كان يهودياً، واسم عائلته الأول "روزنفلت". وقد مكن اليهود من السيطرة على اقتصاديات البلاد ومواردها. وفي عهده تم اتخاذ النجمة السداسية "شعار دولة إسرائيل" شعاراً رسمياً لدوائر البريد، والخوذة التي يلبسها الجنود في الفرقة السادسة، وعلى أختام البحرية الأمريكية، وعلى ميدالية رئيس الجمهورية(111). كما أنه لم يغفل عن أهمية وطننا بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة، وعن أهمية استقرار الأوضاع فيه، لأن في ذلك مصلحة مهمة للعالم أجمع. فقال في أذار 1944 ( "الشرق الأوسط" منطقة للولايات المتحدة مصلحة حيوية فيها. إن الحفاظ على السلام في تلك المنطقة التي لم تشهد قلاقل متكررة في الماضي مهم جدا للعالم أجمع). هذه العبارة أفتتح بها التقرير الإستراتيجي الأمريكي لعام 1995م. مبدأ ترومان أو "نظرية الحصر والتطويق" مع تصاعد قوة الاتحاد السوفيتي وتمدد نفوذه في أوروبا ووصوله إلى حدود وطننا، جاء تصريح ترومان ـ مبدأ ترومان ـ الذي صدر عنه عام 1947م، الذي قصد منه الدفاع عن اليونان وتركيا، ولكنه سرعان ما امتد ليشمل وطننا. والذي أصبح حلقة رئيسة من حلقات إستراتيجية "الحصر والاحتواء". فقد جاء في تصريح ترومان (في هذه اللحظة من تاريخ العالم، يجب على كل أمة أن تختار بين طريقتين في الحياة مختلفتين، وكثيراً ما يحدث أن لا يكون هذا الاختيار حراً. تعتمد إحدى طريقتي الحياة على إرادة الأغلبية، وتتميز بمؤسسات حرة وحكومات تمثلها وانتخابات حرة، وضمانات للحرية الفردية، وحرية الكلام والديانة والتحرر من الاضطهاد السياسي، وتعتمد الطريقة الأخرى، على فرض إرادة الأقلية بالقوة على الأغلبية، بالإرهاب والاضطهاد والسيطرة على الصحافة والإذاعة، وتزوير الانتخابات وإلغاء الحرية الشخصية. أعتقد أن من واجبات الولايات المتحدة أن تتخذ سياسة دعم الشعوب التي تقاوم محاولات الإخضاع من قبل الأقلية المسلحة أو الضغوط الخارجية)(112). الذي يتأمل هذا النص مثلا ويرجع إلى كثير من خطابات الإرهابي بوش وإدارته وهم يتكلمون عن "الشرق الأوسط الكبير" وغيرها من مشاريعهم ومبادراتهم، سيجد أنها في غالبها لا تختلف عن مثل هذه الفقرة، وفقرات أخرى كما سيأتي معنا من خطابات رؤساء آخرين. ولم يتغير فيها إلا بعض العبارات التي تناسب المرحلة، مع إكثار الحديث عن دور المرأة ومؤسسات المجتمع المدني وتغيير المناهج التعليمية وكثرة تكرار مصطلح "الإرهاب"...وغيرها من الموضوعات التي لم تكن الإدارات الأمريكية السابقة تستطيع الحديث عنها لأن الواقع العربي آنذاك لم يكن مهيئا لتقبل مثل هذه القضايا كما هو اليوم. كما كشف تصريح ترومان عن أهمية وطننا في السياسة الأمريكية وعن توجهات السياسة الأمريكية نحوه، عندما قال فيه: (ليس ثمة خلاف حول الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية الكبيرة التي يتمتع بها إقليم "الشرق الأوسط"، ومن جانبنا نعتقد أن دول تلك المنطقة ما تزال تعوزها المقدرة الفردية والجماعية التي تمكنها من مقاومة عدوان بعض القوى الخارجية التي لا تكف عن التآمر عليهم والتربص بهم)(113). وكان يقصد بالقوى الخارجية "الاتحاد السوفيتي". هذه القوة تحولت عند الإرهابي بوش إلى ما يسميه "الإرهاب"، الذي هو الإسلام بصفة عامة، والمقاوم لهيمنة الغرب وسرقته لثروات وطننا بصورة خاصة، وأن دول وطننا لا تستطيع مواجهة خطرهم، ولذلك تعطي الولايات المتحدة لنفسها الحق في التدخل في شئون وطننا الداخلية، بحجة مساعدة هذه الدول على محاربة ما يدعيه"الإرهاب". لذلك رأى الرئيس الأمريكي هاري ترومان في ذلك الوقت كما يرى الإرهابي بوش اليوم، أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي ولكنها سوف تواجه هذه القوى لمنعها من الوصول والسيطرة على منطقة إستراتيجية مثل وطننا، (لسوف تضطلع الولايات المتحدة منذ الآن بالتدخل المباشر لا في أوربا الغربية فحسب بل وكذلك في شرق البحر المتوسط والشرق الأدنى، بهدف تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية للدول والحكومات المعارضة للأيديولوجية والسياسات السوفيتية)(114). سياسة الأحلاف ومحاولة دمج العدو الصهيوني ولأن من أهداف السياسة الأمريكية في وطننا إعادة رسم خريطة وطننا العرقية والدينية بدمج العدو الصهيوني في نسيج وطننا، وتأمين وجوده في وجه الرفض العربي المطلق له آنذاك. فإن الموقف العربي السلبي آنذاك تجاه تصاعد الدعم والتأييد الأمريكي للعدو الصهيوني، شجع الولايات المتحدة على إعلان "التصريح الثلاثي" الذي صدر في 25 أيار/ مايو 1950م، وشاركت في التوقيع عليه إلى جانب الولايات المتحدة كل من بريطانيا وفرنسا. وقد كان هذا التصريح تنفيذاً للمحور الثالث في الإستراتيجية الأمريكية نحو العدو الصهيوني، التي تهدف إلى دفع الدول الغربية لضمان حدود ووجود الكيان الصهيوني. ومحاولة أولى من أمريكا لدمج العدو الصهيوني في دول وشعوب المنطقة. فقد كانت أهداف هذا التصريح ( تأمين الوجود "الإسرائيلي" في وجه الرفض العربي المطلق له. فمن ناحية تعهدت الدول الغربية الثلاث بأن يجري تنظيم سباق التسلح على أساس متوازن بين الدول العربية مجتمعة من جانب، وبين "إسرائيل" من جانب آخر، وأن يكون هدف ذلك التسلح المتوازن الحفاظ على الأمن الداخلي والدفاع عن النفس، كما تعهدت بالوقوف ضد استخدام القوة المسلحة أو التهديد باستخدامه من جانب أحد الطرفين ضد الآخر، وأخير تعهدت الأطراف الثلاثة بإحباط أية محاولة قد يقدم عليها أي من أطراف الصراع لتغيير الحدود، أو المساس بالأوضاع الإقليمية القائمة بينها، أو حتى للتغيير في خطوت الهدنة التي رسمتها اتفاقيات رودس الموقعة بين العرب و"إسرائيل" في عام 1949، سواء جاء تنفيذ تلك التعهدات الغربية في نطاق تدابير دولية تقرها الأمم المتحدة أو خارجها)(115). لقد أكد "التصريح الثلاثي" على ثلاث نقاط مهمة، وهي : - تجاوز قرار التقسيم 181/1947م، الذي ينص على قيام دولتين "يهودية" وفلسطينية في فلسطين، والتأكيد على حدود الهدنة التي وقعت في اتفاقيات رودوس عام 1949م حدوداً دولية للعدو الصهيوني. إلغاء حق عودة اللاجئين. - التعهد بأن يبقى العدو الصهيوني متفوقاً عسكرياً على الدول العربية مجتمعة. - إخراج الصراع العربي – الصهيوني من إطاره الدولي خارج هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها. وقد نجحت أمريكا أخيراً في تحقيق ما فشلت في تحقيقه عند إعلان التصريح الثلاثي: فقد كان يهدف التصريح إلى إلغاء حق عودة اللاجئين، وقد تم فعلا مصادرة حق عودة اللاجئين الفلسطينيين منذ ذلك التاريخ. كما أنه ألغى منذ ذلك التاريخ حق الفلسطينيين في المطالبة بالأراضي التي نص عليها قرار الأمم المتحدة رقم "181" لعام 1947م، لإقامة دولة فلسطينية لهم عليها. والآن تعمل أمريكا على إلغاء حدود 1967م كأساس للتسوية، وإقرار شرعية الأمر الواقع على الأرض بعد التغييرات الجغرافية والسكانية الكبيرة التي حدثت على الأرض لصالح العدو الصهيوني، واعتمادها أساسا للتسوية. كما جاء في خطاب الضمانات الذي قدمه الإرهابي بوش للإرهابي شارون، وغدى يعرف ب"وعد بلفور الجديد". كما تعهد التقرير الاستراتيجي لوزارة الدفاع الأمريكية عام 1994م أن يكون العدو الصهيوني متفوق عسكريا على الدول العربية مجتمعة، لذلك يحارب العدو الأمريكي المتصهين بكل ما أوتي من قوة محاولة أي دولة عربية أو إسلامية امتلاك السلاح الإٌستراتيجي وخاصة النووي منه. أما أخطر ما كان في التصريح الثلاثي ، وهو: إخراج الصراع العربي ـ الصهيوني خارج إطار الأمم المتحدة ، فقد تحقق بدء من مؤتمر مدريد عام 1991م، مرورا باتفاق أوسلو وغيره من الاتفاقيات، وآخرها قمتي العقبة وشرم الشيخ. وتحقق ما نادى به الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، عام 1953، وجعله شعار حملته الانتخابية : (المفاوضات المباشرة بين العرب واليهود، وضرورة دعم البيان الثلاثي). حلــف الـدفــاع المشــترك بعد أن حدثت النكبة الكبرى، وتم اغتصاب 78% من أرض فلسطين أنشئ عليها الكيان الصهيوني، وبعد أن هزمت ستة جيوش عربية أمام العصابات الصهيونية، ازدادت المعارضة الشعبية للاحتلال الغربي في ما تبقى من أقطار عربية محتلة، وبدأت حالة من الغليان والغضب والتذمر من الواقع العربي السيئ الذي كانت ـ ولا تزال ـ حقيقته التبعية المطلقة للغرب، وتحميل الحكام العرب آنذاك المسؤولية عن ضياع فلسطين، وبدأت تتفشى في أوساط الطبقة المتوسطة خاصة، وفي المؤسسة العسكرية العربية بشكل أخص معارضة شديدة لهؤلاء الحكام. كما أنه بعد استقلال بعض الدول العربية، واتضاح الدور الغربي في ضياع فلسطين، بدأت الروح القومية عند الجماهير العربية تزداد قوة، وتتوق إلى تحقيق الوحدة العربية فعلياً، مع إنشاء جامعة الدول العربية. وقد زاد من شعور الغرب بالخطر على مصالحه في المنطقة. إلى جانب ما سبق، كان هناك عامل آخر لو قدر له الاستمرار بعد نجاحه، لهدد مصالح الغرب وقزمها في بلادنا منذ ذلك التاريخ، وهو: نجاح ثورة الدكتور (محمد مصدق) وتقليص سلطان الشاه وضرب الجناح الأمريكي البريطاني في النخبة الإيرانية، ثم تأميم البترول الإيراني وتشكيل حكومة وطنية معادية للإمبريالية وداعية للاستقلال الاقتصادي. شعرت الولايات المتحدة أن هذه الحال إذا ما استمرت، فإن العدو الصهيوني والمصالح الغربية عامة، وخاصة البترولية منها، سوف تصبح جميعها في خطر، فقامت المخابرات الأمريكية بتدبير انقلاب عسكري أدى للإطاحة بمصدق وإعادة الشاه. وما يؤكد على دموية الولايات المتحدة التوراتية، التي لا تبالي كم يقتل من أعدائها عندما تصبح أطماعها في خطر، فقد قامت باغتيال الألوف من الجماهير الإيرانية وأعلام الوزراء اليساريين في الحكومة. وكان المبرر هو "حماية البلاد من الشيوعية". ووقتها أعلن ريتشارد روبرتسون - أحد كبار مسئولي الخارجية الأمريكية – (أنه كان علينا أن نتدخل للدفاع عن مواردنا)؛ ويعلق الكاتب اليهودي الأمريكي الكبير (نعوم تشومسكي) على هذا قائلا: (مواردنا التي حدث أنها وجدت في أراضيهم!!(116). هذه هي الحقيقة التي يريد بوش تحقيقها اليوم باسم محاربة"الإرهاب". والتي دعا وزير خارجية العدو الأسبق (بنحاس سابير) في سبعينيات القرن الماضي اليهود والغرب إلى استعادتها، والحفاظ عليها، بدل تبذير الأمراء الخليجيين لها في بارات وكازينوهات العواصم الغربية، معتبرا أنهم يبذرون ثروات اليهود التي اغتصبوها!!. كما زاد من ميل الولايات المتحدة لإقامة هذا الحلف، ومحاولة ضم أكبر عدد من دول وطننا إلى ترتيباتها الأمنية الجديدة لتعزيز طاقاتها العسكرية الرادعة ضد الاتحاد السوفيتي في المنطقة، تطور مجريات الحرب الكورية في تلك الفترة. علما أن تدخل أمريكا في كوريا بدعوى صد العدوان الشيوعي الشمالي ضد كوريا الجنوبية، تم تحت مظلة الأمم المتحدة لأول مرة ـ كما حدث في حرب الخليج الثانية، ومحاولة إضفاء الشرعية الدولية على احتلال العراق اليوم، بعد أن احتلته مخالفة بذلك معارضة الشرعية الدولية. هذا بالإضافة لقرار حكومة الوفد في مصر في 8 أكتوبر 1951، إلغاء معاهدة 1936، والمطالبة بإجلاء القوات البريطانية عن قاعدة السويس، وتوحيد السودان مع مصر تحت التاج المصري. ولمواجهة ذلك أعرب الرئيس الأمريكي هاري ترومان في أواخر حكمه، صراحة، عن رغبته في تنشيط ما عرف في السياسة الأمريكية بـ "مبدأ ترومان" أو "نظرية الحصر والتطويق"، وذلك بإقامة "حلف للدفاع في الشرق الأوسط"، يضم الدول العربية والعدو الصهيوني ودول إسلامية أخرى، بحجة الدفاع ضد الشيوعيين. ففي (13أكتوبر1951، وبعد بضعة أيام من صدور قرار مصر بإلغاء معاهدة 1936، تقدمت حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا باقتراح يرمي إلى إقامة قيادة عسكرية متحالفة للدفاع عن "الشرق الأوسط". وقد طلبت تلك الدول من مصر أن تنضم إلى عضويتها. ولكن مصر رفضت تلك المبادرة فوراً، ودون تردد. وذلك للأسباب التالية: أدركت مصر أن قصر المقترحات الغربية على الأمور العسكرية وحدها، إنما هو مجرد مدخل لإنهاء الصراع العربي – الصهيوني، وتأمين المصالح الغربية في وطننا. أدركت مصر أنها لن تسترد قاعدة قناة السويس، ولكن سوف يتم تحويلها إلى قاعدة عسكرية توضع تحت تصرف القيادة المشتركة. أدركت مصر أن الولايات المتحدة تريد أن تبقي على الدول العربية كمورد مضمون للنفط، وذلك من خلال إيهامها بأن الغرب عندما يحصل على النفط يحصل عليه من دول ذات سيادة، وليس من خلال التعامل معها كمناطق نفوذ. كانت مصر تدرك أنها المفتاح لضم بقية الدول العربية، إذا ما انضمت إلى هذا الحلف). كما أنه كان هناك سبب آخر إلى جانب مشاعر العداء الشعبي للغرب بعد اغتصاب فلسطين، وهو: فشل الولايات المتحدة وقتها في إقناع الدول العربية بأن الشيوعية الدولية أو الاتحاد السوفيتي، هو الخطر الذي يهددها، وليس العدو الصهيوني. أما اليوم، فقد نجحت الولايات المتحدة في إقناع هذه الدول بأن العدو الصهيوني صديق ومحب للسلام، وأن الخطر الذي يهددهم جميعاً "الغرب والعدو الصهيوني والأنظمة العربية والعالم أجمع"، ليس الخطر الصهيوني والمحافظين النصارى الصهاينة الجدد في أمريكا، ولكنه الخطر الإسلامي المتهم "بالإرهاب". لذلك لابد من تحالفهم جميعاً لمواجهة هذا الخطر، وإقامة السلام مع العدو الصهيوني، ودمجه في وطننا من خلال التحالف معه في "النظام الإقليمي الجديد"، أو "الشرق الأوسط الكبير". وقد كشف خبراء الإستراتيجية الأمريكية آنذاك حقيقة أن تلك الأحلاف لم تكن ضد الشيوعية ـ كما هي اليوم ليست لمحاربة الإرهاب ـ ولكنها كانت ضد: خطر الحركات القومية يعيد الخبير الأمريكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة لإقامة مثل هذه الأحلاف، إلى: الاحتفاظ بمنابع النفط والسيطرة على قناة السويس، وأنها لم تكن ترى أن الخطر الوحيد عليها فقط هو الشيوعية، ولكن (.. إن تنامي الحركات القومية في إيران ومصر والعراق، ضد استمرار الوجود الغربي فيها بالقواعد والنفوذ ... إلخ، كان مصدراً هاماً آخر من مصادر هذا التهديد). احتواء الصراع العربي الصهيوني أما الخبير نادفا سافران فإنه أكد على أن الأساس لمقترحات ومشاريع الدفاع المشترك عن "الشرق الأوسط"، كان يكمن في التصريح الثلاثي الصادر في مايو 1950، ويشير إلى أن النزاع العربي – الصهيوني كان يعيق الجهود البريطانية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، ومن ثم اتضحت الحاجة إلى جذب ذلك النزاع وإدخاله ضمن دائرة التحكم الغربي حتى يسهل فيما بعد دفع أطرافه للمشاركة في ترتيبات الدفاع الغربي عن "الشرق الأوسط"(117). وما أكثر هذه الأحلاف اليوم، ومنها أحلاف يشارك فيها العدو الصهيوني بفاعلية، وتستعين بها بعض الدول العربية والإسلامية في تهديد دول عربية أخرى؟! إلى جانب الحلف الكبير الذي تسعى الولايات المتحدة لتحقيقه، والذي يهدف لإلغاء الهوية العربية والإسلامية لوطننا باسم "الشرق الأوسط الكبير"، وذلك بمحاربة حركات الإسلام السياسي التي ترفض محاولات الهيمنة الغربية على أمتنا ووطننا، ونهب ثرواتنا، والحجة محاربة "الإرهاب". برنامج المساعدات لدمج العدو الصهيوني في المنطقة برنامــج النقطـــة الرابعــــة إن كان مبدأ ترومان قد أصبح منذ عام 1947 بمثابة حلقة رئيسة وهامة من حلقات إستراتيجية "الحصر والتطويق" التي نفذتها الولايات المتحدة لخنق نفوذ أعدائها في أي مكان، وكذلك لموازين الصراع العالمي في أبعاده الواسعة. فإن "برنامج النقطة الرابعة" كان ولازال أهم المبادئ التي ساعدت الولايات المتحدة على شق الصف العربي، والتغلغل في وطننا، ويحاول من خلاله الإرهابي بوش اليوم أن يشق الصف العربي، ويحتوي بعض الأنظمة من خلال تقديم بعض المساعدات الهزيلة، لمن يتعاون ويستجيب للمخططات الأمريكية ضد الأمة والوطن. من خلال ما تشترطه إدارة بوش اليوم، كما في مبادرة كولن باول "للشراكة والديمقراطية"، وكذلك مشروع الإرهابي بوش "للشرق الأوسط الكبير"،من التبادل والتعاون الأمني للحصول على المساعدات، ولكن هذه المرة ضد الإسلام بدعوى محاربة "الإرهاب"، وليس ضد الشيوعية. فلقد كان برنامج النقطة الرابعة أهم أحد المداخل الرئيسة لتطبيق سياسة "الحصر والتطويق"، ولتعزيز الأمن القومي الأمريكي في المناطق ذات الثقل الاستراتيجي البارز، وعلى رأسها وطننا. وقد كانت فكرة برنامج النقطة الرابعة تقوم على أساس: أنه إذا أمكن تزويد الدول النامية التي تضم أراضيها التسهيلات الإستراتيجية المتميزة التي تحتاجها الولايات المتحدة، بالمعونات الاقتصادية والفنية التي تحتاجها، فإن ذلك سوف يدعم جهود التنمية فيها ويحقق لها الاستقرار السياسي تحت سلطة حكومات صديقة للولايات المتحدة الأمريكية،و النتيجة هي أن الشيوعية سوف تفقد جاذبيتها لتلك الدول، مما يهيئ ظروفا أفضل لتلبية متطلبات الأمن الأمريكي في هذا الجزء الواسع من العالم. ومن هذا المنطلق، سعت الحكومة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي أيزنهاور في بداية الخمسينيات إلى إبرام عدة اتفاقيات للمساعدات الاقتصادية مع كل من مصر ولبنان والأردن والسعودية وليبيا والعراق وتركيا وإيران و"إسرائيل". أما سوريا فإنها رفضت الدخول طرفاً في هذا الترتيب الثنائي متعللة في رفضها بأن تلك المعونات لم تكن إلا أداة مقنعة للتسلط "الإمبريالي الأمريكي".وسرعان ما أكدت السنون صحة الموقف السوري. فبحلول عام 1955م تبددت الانطباعات الإيجابية نحو برنامج المساعدات الأمريكية، وخاصة بين دول وطننا العربية حيث أخذت تظهر بعض المشاعر العدائية تجاه ذلك المشروع الأمريكي، بسبب الشبهات التي أحاطت بالدافع وراء تقديمه. فقد كانت تشترط الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت "التبادل / التعاون الأمني مقابل تقديم المساعدات". عندئذ أعلنت مصر رفضها له، خاصة عندما طلب عبد الناصر سلاح من أمريكا بقيمة (27) مليون دولار فقط، وذلك بعد العدوان الصهيوني المباغت على غزة عام 1955، ووضع دالاس شروطاً تعجيزية على مصر، منها الدفع بالعملة الصعبة، وعدم استخدام الأسلحة ضد العدو الصهيوني، ووضع لجنة أمريكية للتفتيش حول وسائل استخدام السلاح. مما أكد مخاوف عبد الناصر من السياسة الأمريكية وأبرمت مصر صفقة السلاح الشهيرة مع تشيكوسلوفاكيا. لأهمية العدو الصهيوني في إستراتيجية السياسة الأمريكية نحو وطننا، ولأن كل المبادئ في السياسة الأمريكية تتداخل فيما بينها لتحقيق الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في وطننا. فإن كل مبدأ من مبادئ السياسة الأمريكية يجب أن يُسخر من أجل خدمة مصالح العدو الصهيوني، وعلى رأسها توفير الأمن له ودمجه في المنطقة. لذلك سعت الولايات المتحدة لفرض هيمنتها على وطننا، والسيطرة على منابع البترول، وتثبيت الكيان الصهيوني وحمايته في قلب الأمة والوطن، من خلال استغلال برنامج النقطة الرابعة في "إقامة مجموعة من الأحلاف الإقليمية" يكون العدو الصهيوني محورها. لذلك عندما زار دالاس وطننا في مارس 1953م، صرح قائلاً: (إن بلادنا ستساعد حكومات الدول المستقلة حديثاً، وتقدم لهم المساعدات التقنية، وكل ما من شأنه رفع مستوى حياة شعوبها، كما سنعمل على تقوية الوضع العسكري الدفاعي في منطقة "الشرق الأوسط"، لمواجهة أي غزو شيوعي محتمل). وبعد تلك الزيارة قدم دالاس تقريراً في 1/6/1953 جاء فيه: (يجب أن تندمج "إسرائيل" في "الشرق الأوسط"، ويجب إقامة منظمة للدفاع عن "الشرق الأوسط"، والعرب يخشون الصهيونية أكثر من الشيوعية، يجب وقف التحيز الأمريكي "لإسرائيل"، وعلى أمريكا القيام بخطوات شجاعة لإزالة مخاوف العرب من التوسع الصهيوني)(118). ومنذ ذلك التاريخ والتراجع في المطالبة العربية بوقف التحيز الواضح للإدارات الأمريكية يتراجع، إلى أن تجلى في أبشع صوره في إدارة الإرهابي بوش، لأنه لم يصاحب هذه المطالبة العربية اتخاذ أي خطوات عملية أو فعلية لرفض هذا التحيز، يمكن من شأنه أن يكره الإدارات الأمريكية على تغيير سياستها تجاه قضايا أمتنا المصيرية. إستراتيجية الانتقام الشامل الأمريكي انسجاماً مع شعار "النظرة الجديدة" الذي رفعته إدارة أيزنهاور في حملتها الانتخابية للرئاسة، التي جرت والحرب الكورية في ذروتها، وكانت النتائج العسكرية مخيبة لتوقعات الرأي العام الأمريكي، أجرت عملية تقييم شامل لتضع أسس إستراتيجية دفاعية أمريكية جديدة، تأخذ في اعتبارها النقطتين السابق ذكرهما المتعلقتين بالصراع العربي – الصهيوني، وهما: أن يتم حل الصراع بين العرب واليهود بالحوار المباشر، وإنشاء تحالف بينهما لمحاربة الشيوعية وتوطين اللاجئين في الدول التي شردوا إليها، وتحسين ظروف معيشتهم لمنع تحالفهم مع الشيوعية. واليوم تم استبدال الشيوعية بما يسمونه التحالف لمحاربة "الإرهاب". وقد كانت تلك الإستراتيجية هي نفسها الإستراتيجية التي يمارسها اليوم مجرم الحرب بوش وإدارته. وعلى رأسها: |
|
|
|
|
|
#6 |
|
بقايا انسان
![]() ![]() تاريخ التسجيل: 11 / 9 / 2004
المشاركات: 392
معدل تقييم المستوى: 27 ![]() |
الضربة الاستباقية وسياسة الخطوة خطوة
لقد استندت الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة إلى فرضية مفادها أنه كان من الخطأ أن تنتظر الولايات المتحدة حدوث عدوان شيعي " ثورة الدكتور محمد مصدق في إيران" حتى تسارع إلى مقاومته وإحباطه. كما كان من الخطأ أيضاً أن تركز اعتمادها على الأسلحة التقليدية وحدها في الرد على التهديدات الشيوعية. ومن هنا كان تحولها باتجاه الإستراتيجية التي عرفت بإستراتيجية "الانتقام الشامل"، التي دعت إلى مقاومة محاولات العدوان الشيوعي بوسائل وفي أماكن يخضع تقديرها لحكم الولايات المتحدة وحدها، حتى وإن اقتضى الأمر استعمال الأسلحة النووية في صورة شاملة أو محدودة. ولقرب وطننا ومتاخمة حدوده مع حدود الاتحاد السوفيتي، فأنه كان هناك علاقة بين هذه الإستراتيجية ومشاريع الدفاع الغربي المشترك. وقد كان جون فولتر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس أيزنهاور، من محبذي سياسة الخطوة / خطوة أو سياسة المراحل في طرح مشروع دفاعي شامل لدول وطننا، وهذا ما تمثل في حلف بغداد الذي أفشلته يقظة الجماهير العربية والإسلامية(119). هذه السياسة بحرفيتها التي تبنتها إدارة الإرهابي بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، ضد ما أسمته بـ "الإرهاب"، لفرض سيطرتها وسطوتها على أمتنا ووطننا، وبات يعرف بالضربة الاستباقية على مساحة العالم أجمع، التي يحق للولايات المتحدة توجيهها ضد أية دولة أو مؤسسة أو ... إلخ، تصنفها هي وحدها أنها إرهابية، وليس الأمم المتحدة أو مجموعة من دول العالم، وكذلك استخدام أسلحة الدمار الشامل من دون مبالاة بما تلحقه من جرائم "أضرار" في المنطقة التي تريد، كما حدث في العراق وأفغانستان. من ليس معنا فهو ضدنا ! ومن المبادئ ذات الارتباط الاستراتيجي بإستراتيجية الانتقام الشامل الخاصة بوطننا، كان محاولة إقامة مشاريع وأحلاف للدفاع المشترك – مثل حلف بغداد وغيره-. ولأن وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون فولتر دالاس كان يتوقع أن يفشل في ما نجح فيه خلفه اليوم، أي في إقناع الدول العربية بأن الخطر الشيوعي أشد عليهم من الخطر الصهيوني، فقد أعلن مسبقاً عن إحدى عقائده المعروفة في السياسة، هي رفض الحياد، وإعلان نظريته السياسية التي تقول : "من ليس معنا فهو ضدنا"، لأن الحياد في نظره عمل لا أخلاقي، لأن هذا معناه أن أمة من الأمم تستطيع تحقيق أمنها عن طريق وقوفها على الحياد، وهذا قد يشجع دولاً أخرى للتحرر والخروج على الهيمنة الأمريكية. لذلك وقفت أمريكا في حينه بشدة ضد مبادئ عدم الانحياز ومؤتمر باندونغ وما تلاه(120). بعد أحداث 11 سبتمبر، وبعد أن أفاق الإرهابي بوش من صدمته والعالم لا زال يعيش هول الجرأة غير المسبوقة على قائدة النظام العالمي الجديد الإمبراطورية العظمى الوحيدة في العالم، وفي خطابه الشهير بعد تلك الأحداث، أعلن بالفم الملآن، وبأعلى صوته، وللدول العربية خاصة، أن: العدو الصهيوني لم يعد هو الخطر الذي عليكم أن تخشوه، ولكنه غدا الحليف والصديق الذي عليكم أن تضعوا أيديكم بيده لمحاربة الخطر المشترك الذي يتهددكم، والذي هو "الإسلام"، بدعوى محاربة "الإرهاب". وحتى لا يترك فرصة لأحد من هذه الدول للخروج والتمرد على التوجه الأمريكي الجديد، أعلن أيضاً أن "من ليس معنا فهو مع الإرهاب". علما أن الرئيس الأمريكي جون كيندي قد اعترف بخطأ هذه النظرية عندما فاز بالرئاسة خلفا لايزنهاور. وحتى لا تتهم الدول العربية بالإرهاب هرولت للانضمام إلى الحلف الأمريكي ضد الإسلام، وتقديم التسهيلات والدعم لضرب دولة مسلمة ضعيفة لا تملك من مقومات القوة أو البنى التحتية شيئاً – بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا معها ـ وهي أفغانستان ـ وإسقاط مئات الأطنان من القنابل النووية على رؤوس أهلها، لترهب به كل من يفكر في عصيان سيد الكون الجديد، أو الوقوف على الحياد. وبعدها كان العدوان الأمريكي على العراق، واحتلاله وارتكاب أبشع الجرائم في حق العراقيين. وهكذا أصبح الطريق مفتوحاً لدخول كثير من الدول العربية في أحلاف جديدة مع راعيتي الإرهاب أمريكا والعدو الصهيوني، ضد نفسها، ولتأمين الكيان الصهيوني من خطر الانتفاضة والمقاومة. الرئيس آيزنهاور : مثال للأمريكي الصهيوني مع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية وكثرة تبرير البعض لازدياد سياسة الدعم والتأييد، وقطع العهود والوعود من المرشحين المتسابقين على الدخول للبيت الأبيض للعدو الصهيوني، بحجة كسب أصوات اليهود الأمريكيين، أقدم لهم ما يكذب هذه المبررات، ويؤكد أن الموقف الثابت من العدو الصهيوني في السياسة الأمريكية لا علاقة له بأصوات الناخبين اليهود، ولكنه توجه أساسي ـ كما أوضحنا سابقا ـ في السياسة الأمريكية نحو وطننا. الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، مثله مثل كثير من الرؤساء الأمريكيين الذين فازوا في انتخابات الرئاسة، رغم أن اليهود صوتوا لصالح خصومهم من المرشحين، ومع ذلك هو وأمثاله جسدوا في سياساتهم روح التعصب الذميم للعدو الصهيوني، وبالغوا في عدائهم للعرب والمسلمين. ففي انتخابات ولايته الأولى التي تسلمها بدايات عام 1953، صوت اليهود بنسبة 75% منهم لخصمه المرشح الديمقراطي، أما في ولايته الثانية التي بدأت عام 1957، والتي أعقبت موقفه القوي والحازم والرافض لابتزاز اليهود وأنصارهم في مجلس الشيوخ والكونجرس، وتهديدهم بعدم التصويت له في الانتخابات الرئاسية القادمة إذا لم يتراجع عن قراره بانسحاب العدو الصهيوني من سيناء، التي احتلها عام 1956، فقد رفض هذا الابتزاز وأصر على الانسحاب الصهيوني دون إبطاء، بعدها فاز بـ 47 ولاية، وحصل على 457 صوتاً انتخابياً، مقابل 73 صوتاً لخصمه المرشح الديمقراطي، وكان ذلك واحداً من أعلى الأرقام في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وهذا يبطل أسطورة الصوت اليهودي الحاسم في الانتخابات(121). لقد جاءت ولايتا أيزنهاور الرئاسيتان "1953-1960" في مرحلة دقيقة من تاريخ السياسة الأمريكية تجاه أمتنا ووطننا. وقد كانت أمريكا آنذاك في حاجة قوية لكسب الدول العربية إلى جانبها، وكان بإمكان أيزنهارو ووزير خارجيته جون فولتر دالاس، أن يكسبا كثيراً من الأنظمة العربية القومية آنذاك، وعلى رأسها مصر، فيما لو تخليا قليلاً عن صهيونيتهما الفطرية وعدائهما للعرب، وتحليا ببعض المرونة والمصداقية في تعاملهما مع مصر وبعض الدول العربية الأخرى، وفيما لو خففا من تأييدهما ودعمهما للعدو الصهيوني، وكانا أكثر موضوعية ومصداقية في تعاطيهما مع القضية المركزية للأمة "فلسطين"، ولكنهما لم يفعلا، مما اضطر كثيراً من الدول العربية للتوجه نحو الاتحاد السوفيتي،وعلى رأسها مصر. وآيزنهاور، في ذلك الوقت، كان في مسيس الحاجة لكسب الود العربي؛ ذلك أن إستراتيجية الولايات المتحدة كانت تتركز في النقاط التالية : - توفير الحماية للعدو الصهيوني، والعمل على دمجه في المنطقة من خلال إقامة بعض الأحلاف. - إضعاف الروح القومية العربية، والقضاء على نزعة الوحدة العربية، والهيمنة على البترول. - السعي لحصر وتطويق الشيوعية والاتحاد السوفيتي داخل حدوده، ومنعه من التمدد إلى وطننا. - السعي ليحل محل حليفتيه "بريطانيا وفرنسا" في المنطقة، ومنع السوفيت من أن يكون لهم أي نفوذ فيها. رغم حاجة الولايات المتحدة للعرب آنذاك لتحقيق أهدافها هذه، إلا أنها تعاملت معهم بروح عدائية وانحياز واضح للعدو الصهيوني، ودفعت بالكثير منهم للتوجه نحو الاتحاد السوفيتي، لأنها كانت تعرض تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لهم مقابل شروط تعجيزية، تؤكد على سوء نواياها من وراء هذه المساعدات التي تغلغلت بها اليوم إلى العظم في وطننا. استمرار سياسة التطويق والاحتواء والمواجهة استمرت خطط الغرب لاحتواء دول المنطقة من خلال بناء الأحلاف العسكرية والسياسية، وبعد مباحثات طويلة وعسيرة تم في شباط/فبراير 1954 التوقيع في بغداد على الحلف العراقي- التركي، الذي سرعان ما انضمت إليه في 4 نيسان/إبريل بريطانيا، وفي 23 أيلول/سبتمبر باكستان، وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر إيران. وقد عرف هذا الحلف باسم (حلف بغداد). وقد أشرفت أمريكا على أجهزته الرئيسة ووضعتها تحت رقابتها. وقد رفضت الدول العربية الأخرى الانضمام إليه. وبالأخص مصر وسوريا، مما دفع الولايات المتحدة لمحاولة الالتفاف على مصر، فأغدقت عليها الوعود بالمنح والمساعدات الاقتصادية، وتسهيل توفير قروض بمبلغ مليار دولار لبناء السد العالي، شريطة أن توافق مصر في حال انسحاب القوات البريطانية من منطقة القناة، على الالتزام: (بتوفير كل التسهيلات اللازمة للمملكة المتحدة كي تجعل القواعد العسكرية في حالة صالحة للاستخدام الكامل الفعال عند حدوث هجوم عسكري محتمل تشنه قوة أجنبية على منطقة الشرق الأدنى والأوسط ضد أي بلد ينتسب في يوم توقيع الاتفاقية إلى معاهدة الدفاع المشترك للدول العربية، وضد تركيا)(122). وقد تم التوقيع على الاتفاقية في 9/11/1954، وتم الاتفاق فيها على أن تسحب بريطانيا قواتها من منطقة القنال خلال 20 شهراً. وكان إضافة تركيا في الاتفاقية لأنها تشترك في وقت واحد في حلف الناتو، وحلف بغداد. وعندما فشلت الولايات المتحدة في وضع مصر تحت إشرافها الاقتصادي والسياسي، ضغطت على "البنك الدولي" فألغى القرض الذي توصل إليه مع مصر وكان قيمته 250 مليون دولار لبناء السد العالي، فرد "عبد الناصر" على ذلك بإعلان تأميم قناة السويس. وهنا تغير نهج سياسة الاحتواء بعد أن تهددت مصالح الدول الغربية إلى سياسة التدخل العسكري المباشر، فكان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، واحتلال بريطانيا وفرنسا و"إسرائيل" للأراضي المصرية "سيناء"، ولقطاع غزة. وكان لأمريكا الطامعة في احتلال مواقع حلفائها الأوربيين "بريطانيا-فرنسا" في وطننا حساباتها الخاصة، لذلك عارضت العدوان لاعتبارين(123)، أولهما: خوفاً من التدخل السوفيتي واشتعال حرب عالمية ثالثة. وثانيهما: أنها كانت تعتقد بإمكانية التوصل إلى وضع تعايشي مع عبد الناصر. لذلك عارضت استعمال القوة الحربية لحماية الحقوق الغربية لدرجة أنها هددت ضمناً بتطبيق عقوبات اقتصادية على المعتدين، وضغطت على حلفائها حتى وافقوا على قرار الانسحاب الذي صدر في 8 نوفمبر 1956. وقد كان ليقظة الشارع العربي والإسلامي وفاعليته والمظاهرات المكثفة التي سيرها في كل مكان أثرها في الضغط على الولايات المتحدة للضغط من أجل صدور قرار الانسحاب، كما أنها اضطرت الدول الحليفة للغرب مثل العراق والأردن إلى إعلان معاداتها لانجلترا وفرنسا، وقطع علاقاتها معهما، ومصادرة ممتلكاتهما. ومنذ ذلك التاريخ لم تعد بريطانيا المهيمن الرئيس على الوطن العربي والإسلامي، وحلت محلها أمريكا، التي كانت سياستها في الخمسينيات (تقوم على أساس إيجاد قوة حربية في مناطق مختلفة من "الشرق الأوسط" موالية للولايات المتحدة وبناء قواعد جوية بشكل يخدم الحربية الأمريكية)(124). ومن أجل ذلك قامت بتشجيع إقامة منظمات إقليمية لمواجهة التهديدات المحتملة، واحتواء دول المنطقة لمنع إمكانية توسع السوفييت. وأعلن الرئيس الأمريكي آيزنهاور في فبراير 1957، مشروعه الذي حمل اسمه "مبدأ آيزنهاور" أو نظرية "ملئ الفراغ"، في خطابه أمام الكونجرس بقوله: (يمثل "الشرق الأوسط" جسراً يصل بين أوربا وآسيا من ناحية، وأفريقيا من ناحية أخرى، وهو يحتوي على ثلثي مخزون البترول في العالم كله)(125). وبعد رفض الدول العربية "مبدأ آيزنهاور" وأعلنت بعد اجتماع القاهرة عدم وجود فراغ فيما يسميه "الشرق الأوسط"، ورفضت بعض الدول العربية الدخول في حلف بغداد، لجأ الغرب إلى استبدال تلك الأنظمة بأنظمة موالية له. ففي الأردن أقيلت حكومة النابلسي عام 1957، وفي لبنان تم تقديم مبلغ 24 مليون دولار كمعونة اقتصادية أمريكية للبنان دعماً لحكومة كميل شمعون، وفي سوريا اكتشف في 3 آب/أغسطس محاولة انقلاب من تدبير المخابرات المركزية الأمريكية. وبعد قيام الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، ازدادت حدة التوتر في المنطقة، مما دفع بالغرب إلى تشكيل اتحاد مضاد من العراق والأردن في 14 شباط/فبراير 1958، وقد اقتربت الأحداث من درجة الغليان عندما حاول كميل شمعون في أيار/مايو 1958، تعديل الدستور اللبناني ليضمن تجديد ولايته الرئاسية لمدة أخرى في لبنان، فهب الشعب اللبناني معارضاً، فطلب كميل شمعون العون من نوري السعيد حاكم العراق، الذي قرر وحلفائه في حلف بغداد من الدول الإسلامية الاجتماع في 14تموز/يوليو في اسطنبول لمناقشة غزو لبنان، إلا أنه حدث انقلاب عسكري صبيحة 14 تموز في العراق، مما أربك المخططات الغربية، ودفعها إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة للحفاظ على الأنظمة الموالية لها في المنطقة، خاصة الولايات المتحدة التي أنزلت عشرة آلاف جندي أمريكي على شواطئ لبنان، حتى دون مشاورة حلفائها الأوربيين، مما دفع بريطانيا في محاولة لاستعادة مواقعها في وطننا، وتلبية لصرخات حسين ملك الأردن، إلى إنزال 2500 من قوات المظليين في الأردن. ولكن سرعان ما اضطرت القوات الأمريكية والبريطانية للانسحاب في الشهر التالي أمام معارضة وضغط الجماهير العربية والإسلامية. وكان لابد لأمريكا بعد ذلك أن تعيد النظر في سياستها تجاه وطننا، بعد فشلها في استخدام القوة مما أضعف من مصداقيتها أمام شعوب وطننا. الصراع صراع حضارات وفي عقد الستينيات مع تصاعد المد الثوري وحركات التحرر، وتثبيت الاتحاد السوفيتي أقدامه في بعض دول وطننا، ومع تصاعد أهمية النفط كمصدر رئيس للطاقة في الغرب، واعتماد اقتصاده عليه، اتجهت سياسة الغرب والولايات المتحدة بالذات إلى السيطرة على منابع النفط والتحكم فيها لتأمين احتياجات الغرب الاقتصادية، وذلك من خلال إقامة تحالفات أمنية مع بعض الدول النفطية العربية والإسلامية، بحجة مواجهة الخطر الشيوعي ظاهراً، واحتواء اقتصادها ومواردها النفطية باطناً. وفي الوقت نفسه كانت لا تخفي عدائها الصارخ ضد الإسلام ودول وشعوب وطننا، ووقوفها المطلق إلى جانب العدو الصهيوني. وهذا ما عبر عنه (يوجين روستو) اليهودي الأمريكي، مستشار الرئيس الأمريكي (جونسون) لشؤون "الشرق الأوسط" حتى عام 1967 عندما قال: (يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول وشعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة "المسيحية"، لقد كان الصراع محتدماً ما بين "المسيحية" والإسلام منذ القرون الوسطى وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصورة مختلفة، ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، وخضع التراث الإسلامي للتراث "المسيحي". وتركت هذه السيطرة آثارها البعيدة في المجتمعات الإسلامية حتى بعد انتهاء أشكالها السياسية بحيث جعلت المواطن العربي يواجه معضلات ومشكلات هائلة وخطيرة في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلم لا يدري كيف يتفاعل معها في علاقته الداخلية والخارجية على السواء. إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي بفلسفته وعقيدته ونظامه، وذلك يجعلها تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية، لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها)(126). إن روستو يحدد أن هدف أمريكا هو تدمير الحضارة الإسلامية، وأن إقامة الكيان الصهيوني، هو جزء من هذا المخطط، وأن ذلك ليس إلا استمرارا للحروب الصليبية. وهذا ما أعلنه الإرهابي بوش عند إعلان عزمه العدوان على أفغانستان، وبدء تجريد أول حملة صليبية بداية القرن الحادي والعشرين. لذلك تعارض الولايات المتحدة حل الصراع العربي ـ الصهيوني طوال العقود الأربعة الماضية، لأنها لم تقض على الإسلام وحضارته بعد. وقد كان أشهر المواقف التي كشفت ذلك، موقف هنري كيسنجر عام 1970م عندما وافق الرئيس المصري (جمال عبد الناصر) على مشروع روجرز، وقد كان في ذلك الوقت مستشار للرئيس نيكسون، اتصل بغولدا مائير رئيسة وزراء العدو الصهيوني وطلب منها الحضور إلى واشنطن، وأن تبدأ بالهجوم على أمريكا ومشروع روجرز حتى يتم إفشاله. لأن كيسنجر اليهودي الذي خلف اليهودي السابق يوجين روستو في استشارية الرئيس الأمريكي، كان يريد إفشال المشروع، لأنه جاء ليؤكد على العودة لحدود عام 1967، وعلى حق عودة اللاجئين الفلسطينيين. وهذين الأمرين لا يريده اليهود في داخل فلسطين المحتلة أو خارجها. وهذا نفسه الذي جعل كيسنجر والعدو الصهيوني يرفضان مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر جينف بعد حرب رمضان عام 1973. ومع دخول عقد السبعينيات بدأت دول وطننا توجه ضرباتها إلى سيطرة الغرب على نفطها، في محاولة منها استعادة ثرواتها والحد من استنزاف الشركات الأجنبية لها. وذلك بإعلان تأميم تلك الشركات كلياً أو جزئياً. لذلك سرعان ما عاد الغرب إلى سياسة التهديد باستخدام القوة والتدخل العسكري المباشر للحفاظ على مصالحه الحيوية "العدو الصهيوني - النفط"، وخاصة أثناء حرب 1973م، التي شنتها مصر وسوريا على العدو الصهيوني لاستعادة أراضيها المغتصبة منذ عام 1967، حيث أقامت أمريكا جسراً جوياً مع "إسرائيل" أمدها بأحدث الأسلحة، واستنفرت أمريكا قواتها في العالم. ومنها النووية، دفاعاً عن العدو الصهيوني أداة الحفاظ على أنظمة التجزئة. وبعد أن استخدمت الدول العربية المصدرة للبترول، النفط كسلاح سياسي في تلك المعركة وأثبتت مدى فعاليته، هددت أمريكا علناً وعلى لسان وزير خارجيتها (كيسنجر) باستخدام القوة ضد الدول المنتجة للبترول. بعد حرب أكتوبر 1973م، بدأت أمريكا تعيد النظر في سياستها في وطننا، وتنتهج سياسة الإجهاض لكل أشكال المقاومة، وإثارة الفتن والخلافات والصراعات الداخلية والإقليمية. وبالتحديد منذ عام 1975م في عهد الرئيس الأمريكي (جيرالد فورد) ووزير خارجيته اليهودي (كيسنجر). وقد رسم كيسنجر سياسة أمريكا تجاه وطننا ورؤيتها لحل الصراع العربي ـ الصهيوني والتي تهدف في المدى البعيد إلى حرمان المسلمين من التمتع بعائداتهم النفطية، والسيطرة الكاملة على القوة النفطية في وطننا. فبدأت بشق وحدة الصف العربي بين مصر وسوريا عام 1975م. بتوقيع مصر على اتفاق جزئي مع العدو الصهيوني في 4 سبتمبر/أيلول، كان من أهم نقاطه: أن ينسحب العدو الصهيوني من أراضٍ محدودة من سيناء مقابل تعهد مصر بأن لا يتم حل النزاع بالقوة العسكرية. وتبع ذلك رفع الحظر عن تصدير النفط بطلب من الرئيس المصري أنور السادات من السعودية استجابة لطلب كيسجر، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وفض الاشتباك على الجبهة السورية. وتبع ذلك مسلسل الكوارث في وطننا، من الحرب الأهلية في لبنان عام 1975-1976م، والتي استمرت إلى توقيع اتفاق الطائف عام 1987م، مروراً بتعميق الشق في وحدة الصف العربي وفصل مصر عن الأمة بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979م، ثم الحرب العراقية الإيرانية عام 1980م التي استمرت إلى 1988. بعد انسحاب العدو الصهيوني النهائي من سيناء في 25 نيسان/إبريل 1982م تم ضرب الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية في حرب 1982م في لبنان، التي انتهت بإخراج قيادة منظمة التحرير من بيروت. مخطط السيطرة على منابع النفط عام 1974 يُعَدُّ التقرير السنوي لوزارة الدفاع الأمريكية عن السنة المالية 1976 - والذي قدمه (جيمس شليزنجر) وزير الدفاع الأمريكي في ذلك الوقت من أخطر الوثائق التي توضح تفصيلاً الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لتأمين منابع النفط الخليجية، ولعل طرح الوثائق التي تضمنها؛ والتي تم إعدادها منذ عام 1975، وتواكب نشرها والإعلان عنها مع الذكرى العاشرة لبدء عملية تحرير الكويت "عاصفة الصحراء". لعل طرحها في هذا التوقيت يفسّر الكثير من توجهات السياسة الأمريكية تجاه وطننا بصفة عامة ومنطقة الخليج بصفة خاصة. خاصة وأن التقرير الاستراتيجي الأمريكي الذي صدر عام 1995م، بعد أن تغيرت كثير من الظروف التي كانت قائمة في ذلك الوقت، وتمنع أمريكا الكشف عن خططتها نحو وطننا، ركز على هذه النقاط الرئيسة الثلاث، وجاء الإرهابي بوش وأعضاء إدارته ليضعوها موضع التنفيذ. وهي(127 ): ـ فكرة تأمين منابع النفط. ـ إستراتيجية استخدام القوة المسلحة. ـ حجم القوة المقترحة لإدارة العمليات في الخليج. ولعل القراءة المتأنية لهذه الوثائق - التي تواكب الإعلان عنها مع الذكرى العاشرة لتحرير الكويت - تشير إلى أن الرئيس العراقي "صدام حسين" بغزوه لدولة الكويت قد هيَّأ أنسب الطرق لتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية لتأمين منابع النفط، كما أوجد المبرر المناسب لاستمرار تواجد وانتشار هذه القوة وتنامي مجموعها، واتساع نطاق مهامها الإستراتيجية – ليس فقط لتأمين منابع النفط - بل لحماية المصالح الأمريكية بشكل عام في منطقة "الشرق الأوسط". وقد زادت المخاوف الأمريكية بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي "جيمي كارتر" للإعلان في 23 يناير 1980 - في خطاب له أمام الكونجرس الأمريكي - عن نظرية أمن صريحة بالنسبة لمنطقة الخليج تضع كافة الدراسات والوثائق والمناقشات التي تمت - سواء في لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي أو في جلسات الاستماع للجنة الفرعية للسياسة الاقتصادية الخارجية التابعة للجنة الشئون الخارجية بنفس المجلس - موضع التنفيذ؛ والتي عرفت بمبدأ كارتر، الذي ينطوي على شقين: أحدهما شق سياسي، أعلنه الرئيس كارتر رسميًّا؛ فقال: (إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج سوف تعتبر في نظر الولايات المتحدة هجومًا على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل بما فيه القوة المسلحة). أما الشق الثاني، فهو تكملة عسكرية للإعلان السياسي وقد تمثلت في إنشاء ما يسمى "قوة الانتشار السريع" من خلال تقرير قدمته وزارة الدفاع عام 1988 إلى لجنة القوات المسلحة في الكونجرس، أعدت على أساسه ميزانية هذه القوات لتلك السنة؛ وقد وقف الجنرال كولن باول – رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية – يدافع عنها أمام لجنة العلاقات الخارجية في أول مارس 1990، حيث قال: (يجب أن ننظر إلى التاريخ وإلى الحوادث الجارية وعيوننا على المستقبل، ومهما كانت الظروف فإن هدفنا لا يمكن أن يصبح حلا أو تفكيك القوة الأمريكية. إنني تولّيت منصبي كرئيس لهيئة الأركان في الحرب آملاً أن أساعد في تشكيل القوة الأمريكية لمواجهة تحديات المستقبل، وليس لأقوم بتسريح الجيش الأمريكي، وأُضعف موقف الولايات المتحدة في العالم)."هذا هو الحمائمي في إدارة الإرهابي بوش؟!!". تلك كانت الحقائق في التفكير والتخطيط التي غابت عن الرئيس العراقي (صدام حسين)، والتي تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت مؤهلة للهدف الذي أخذت على عاتقها تحقيقه… وهو تأمين منابع النفط في منطقة الخليج. وقد حذّر الرئيس الأمريكي (جورج بوش الأب) في 3 أغسطس 1990 النظام العراقي من أي توسيع لقواته في اتجاه المملكة العربية السعودية أو أي دولة بترولية أخرى. كما درس مع وزير الدفاع الأمريكي عملية دفع قوات "المنطقة المركزية الأمريكية" المخصصة لهذه المهمة إلى المملكة العربية السعودية، وذلك بعد أن تأكدت من كثافة الحشود العراقية على حدود المملكة العربية السعودية، وبطلب من الملك فهد بن عبد العزيز عاهل المملكة السعودية – بعد عرض الصور الجوية عليه في لقاء مع وزير الدفاع الأمريكي في 6 أغسطس 1990 - دعا الملك فهد القوات الصديقة إلى المملكة لتعزيز الدفاع عنها. وفي 7 أغسطس 1990 بدأ تدفق القوات الأمريكية على المملكة العربية السعودية في إطار عملية حشد إستراتيجي وصلت إلى أكثر من ربع مليون جندي في نهاية أكتوبر 1990. وهكذا استقرت القوات الأمريكية في منطقة الخليج تنفيذًا لمخططها الذي بدأت في تدشينه منذ "إستراتيجية الخنق" التي مارستها الدول العربية في عام 1974. تجــــزئة المجـــزئ في سبعينيات القرن الماضي أصدر (زيبغينينو بريجنسكي) مستشار الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر) للأمن القومي، كتابا بعنوان "بين جيلين"، وقد قدم فيه معلومات مغلوطة لا تمت للحقائق التاريخية والعرقية والحضارية بأي صلة. في محاولة منه لدفع الإدارة الأمريكية في سبعينات القرن الماضي بعد ما كان من العرب من تأميم للبترول، واستخدامه كسلاح ضد الغرب أثناء حرب رمضان عام 1973م، إلى إعادة تشكيل خريطة وطننا، لتسهيل دمج العدو الصهيوني فيه، بعد أن يحوله إلى فتات. حيث جاء فيه: أن "الشرق الأوسط" مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة يجمعها إطار إقليمي. فسكان مصر ومناطق البحر المتوسط غيرعرب، أما داخل سوريا فهم عرب. وعلى ذلك فسوف يكون هناك " شرق أوسط" مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة، على أساس مبدأ الدولة ـ الأمة، تتحول إلى "كنتونات" عرقية وطائفية يجمعها إطار إقليمي "كونفدرالي". ويمضي بريجنسكي في أطروحته قائلا: وهكذا سيسمح للكنتون "الإسرائيلي"، أن يعيش في المنطقة بعد أن تصفى فكرة القومية.( 128). وقد لخص بريجنسكي رؤيته لتحقيق ذلك من خلال إعادة الدعوة لتبني المخططات القديمة، التي طرحها السابقون من يهود وصليبيين، وضرورة استخدام القومية العربية كسلاح لإفشال الوحدة الإسلامية ونهضة الأمة، واستمرار تمزيق هذه الأمة إلى دويلات صغيرة، فلخص نظريته بتبني أسلوب (نسف التوجه القومي من الداخل من خلال تأجيج الصراعات الطائفية واتخاذ الدين نقيضاً للقومية على أساس من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بالشكل الذي لا يمكنها من الانبعاث والنهوض وأداء دورها الحضاري والرسالي من جديد)(129). ولقد كان مبعث هذا الخوف من دور الإسلام الحضاري عائد إلى تزايد نشاط الحركات الإسلامية، خاصة الإسلام الراديكالي. الذي دفع الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر) أن يطلب من وكالة الاستخبارات الأمريكية أن تعد دراسة عن نشاط الحركات الإسلامية في العالم، كما ذكرت صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية. كما ذكرت أن بريجنسكي قال: (إن الإدارة الأمريكية تشعر بقلق بالغ إزاء تزايد نشاط الحركات الإسلامية المنتشرة ليسهل على الإدارة الأمريكية وأصدقائها في المنطقة الإسلامية مراقبتها عن كثب حتى لا تفاجأ باندلاع ثورات إسلامية في أي مكان من العالم الإسلامي، لأن أمريكا حريصة على عدم السماح للإسلام المتشدد بان يلعب دوراً مؤثراً في السياسة الدولية)(130). إنهم يضعون توصيات وتحذيرات العلماء والمؤرخين والمختصين موضع التنفيذ، فالمؤرخ البريطاني المشهور توماس أرنولد، يعتبر من أشهر علماء الغرب المعاصرين الذين كتبوا عن صعود وسقوط الحضارات، وخاصة الحضارة الإسلامية، وقد حذر في مناسبات كثيرة من قوة الإسلام، وقدرته على التأثير في الشعوب الأخرى في كل ظروفه. لذلك حذر من إمكانية أخذ الإسلام لدوره الحضاري في أي حرب عنصرية قادمة، عندما قال: (إذا سبب الوضع الدولي الآن حرباً عنصرية يمكن للإسلام أن يتحرك ليلعب دوره التاريخي مرة أخرى.. أرجو ألا يتحقق ذلك)(131). أما الرئيس الأمريكي (ريتشارد نيكسون) فبعد انتهاء فترة رئاسته بسنوات طويلة، وأمام تصاعد المد الإسلامي الجهادي في وطننا، لم يستطع الصمت، فدعا كلاً من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى نسيان ما بينهما من خلافات أو تأجيلها على الأقل، والاتحاد لمواجهة ما أسماه "الخطر الإسلامي"، الذي سيظهر في المستقبل القريب في شكل ثورة إسلامية. وقال في مقال كتبه لمجلة "الشؤون الخارجية" الأمريكية: (إن على الاتحاد السوفييتي أن يساعد الولايات المتحدة في هذا الأمر، خاصة وأن ثلث سكانه من المسلمين، ولأن الثورة الإسلامية يمكن أن تشكل خطراً على مصالحه في العالم الثالث)... وأضاف: (إن على الدولتين أن تواجها القوة الإسلامية بدلاً من بيع الأسلحة إلى دول العالم الثالث... وضرب مثلاً بالأسلحة المباعة إلى باكستان، وقال: عن نتائجها ستكون مأساة لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي)(132). وهذا يؤكد أن الغرب شرقيه وغربيه يمثل نموذجا حضاريا واحدا نقيضا للنموذج الحضاري الإسلامي. غطــــرســــة القــــــوة لقد كان لاختلال النظام الدولي القديم، نظام القطبين الذي انتهى مع انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي عام 1989-1990م، انعكاساته على الوضع في الوطن العربي والإسلامي. وإن كان انهيار الاتحاد السوفيتي قد ترك فراغاً في كثير من فضاءات العالم السياسية، إلا أن الفراغ الذي حدث في وطننا العربي، وزاد من الأطماع الأمريكية في ملئه، ليس ناجماً فقط عن انهيار الاتحاد السوفيتي، ولكنه ناجم أكثر عن انهيار النظام الإقليمي العربي الذي بقي لزمن طويل هيكلاً فقط، إلا أنه تحطم مع دخول الجيش العراقي إلى الأراضي الكويتية عام 1990م، وعدم قدرة الدول العربية على معالجة هذا الحدث عربياً، والسماح لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بأن تعبث بوطننا باسم "تحرير الكويت" وتفتت ذلك النظام الإقليمي العربي مع انقسام دوله بين مؤيد ومعارض ومحايد في هذه القضية. منذ ذلك التاريخ بدأت الولايات المتحدة تحاول اغتنام ما اختاره (وليم فولبرايت) عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الأسبق، عنوانا لكتابه "غطرسة القوة". الذي قال فيه: أنه تأتي لحظة تاريخية لاستخدام القوة. هذه اللحظة تكون فاصلة بين تاريخ وتاريخ إذا ما أحسن استغلالها، وإذا لم يتم استغلال هذه اللحظة فإنها تذهب، وقد لا تعود أو تتكرر إلا بعد عقود أو قرون، وذكَّر الإدارة الأمريكية بأنه إذا جاءت هذه اللحظة فعليها استغلالها لفرض هيمنتها على العالم. ولم يفوت جورج بوش الأب هذه الفرصة عندما حانت بعد حرب الخليج الثانية، وانعقاد مؤتمر مدريد لما يسمى السلام في أكتوبر 1991م برعاية أمريكية، حيث حدد في كلمته في الجلسة الافتتاحية هدفه من التسوية، ورؤيته لما يسمى "الشرق الأوسط" حيث قال: (إن هدفنا ليس إنهاء حالة الحرب في " الشرق الأوسط"، وأن تحل محلها حالة عدم الحرب، إن هذا لن يستمر، لكننا نريد السلام الحقيقي، إنني أتحدث عن الأمن والعلاقات الاقتصادية والتجارية والتبادل الثقافي)( 133). وبعد خروج العراق من الكويت وبدء صعود نجم الولايات المتحدة كإمبراطورية عظمى ووحيدة تقود العالم، أصدر الرئيس الأمريكي الأسبق (ريتشارد نيكسون) كتابه "الفرصة السانحة"، الذي لا يختلف في مضمونه عن كتاب وليم فولبرايت سابق الذكر. وإن كان هناك اختلاف فيتمثل في الخطة التي تضمنها الكتاب لكيفية فرض الولايات المتحدة لهيمنتها على العالم بالقوة، وفرض قيمها الحضارية، وسحق قيم الحضارة الإسلامية التي لم تعد تصلح لهذا الزمن.و التأكيد على ضرورة إعلاء شأن "البعد الحضاري القيمي" في الحياة الأمريكية، الذي يعتمد على القيم المادية والرأسمالية، وقيم الاستهلاك، لتدمير القيم الإنسانية المتعارف عليها، ونشره وتعميمه على العالم فيما غدى يعرف "بالعولمة" اليوم. كما أكد على "البعد الاقتصادي النفعي" الأمريكي الذي يركز على الرغبة الجامحة عند الولايات المتحدة للسيطرة على ثروات العالم. هذان البعدان اللذين ركزت عليهما (كونداليزارليس) مستشارة الأمن القومي في ورقتها التي وضعتها قبل الحملة الانتخابية للإرهابي بوش قبل بدء سباق الرئاسة الذي فاز فيه بالتزوير. وقد أكدت على أن هذين البعدين هما الركيزتان الأساسيتان اللتان يجب أن تحكماعلاقات الولايات المتحدة مع الآخر، وخاصة الوطن العربي والإسلامي، ولا بد من العمل على تعميمهما ليكونا قيم العالم الجديدة. ومن يراجع تاريخ الإدارات الأمريكية السابقة كلها يجد أن هذين البعدين هما اللذين تتحكمان في علاقاتها مع العالم. كما أن الكتاب تضمن تفاصيل السياسة التي يجب أن تتبعها الإدارات الأمريكية في المرحلة القادمة لفرض هيمنتها على العالم، بدء من تصنيف دول محور الشر التي تحدث عنها الإرهابي بوش، وضرورة القضاء على الخطر الأكبر الذي يهدد الحضارة الغربية، المتمثل في "العروبة والدين الإسلامي" على حد تعبير نيكسون!!. مرورا بالصراع العربي الصهيوني والأسس التي يجب أن يتم على أساسها التسوية، انتهاء بالتعامل مع المؤسسات الدولية. هذه السياسة التي تكاد إدارة الإرهابي بوش أن تكون قد اعتمدتها بحرفيتها. لذلك بدأت الولايات المتحدة انتهاج سياسة الغطرسة والاستعلاء والهيمنة في كل مكان من العالم، من خلال ممارستها دور الشرطي العالمي في حفظ النظام الدولي، وحماية وتطبيق الشرعية الدولية، وإرساء قواعد الأمن والسلم الدوليين في كثير من مناطق الصراع والنزاع المنتشرة على مساحة الكرة الأرضية، مستغلة في ذلك مجلس الأمن والأمم المتحدة التي بدأت تتحول عاماً بعد عام كأحد دوائر صنع القرار الأمريكي. وكثر التركيز الإعلامي على مفاهيم ومصطلحات جديدة : القطب الأوحد، النظام العالمي الجديد، العولمة، سيادة قيم السوق، منظمة التجارة العالمية "الجات"، نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، الانفتاح العالمي، محاربة الإرهاب والحركات الراديكالية ...إلخ. كما أنها بدأت لتحقيق أهدافها هذه في حشد العالم الغربي خلفها لتضمن تأييده لها في أي صراع قادم ضد فرض السيطرة والهيمنة الأمريكية، بتصعيد التأكيد على مفهوم صراع الحضارات، وهيمنة الصدام بين الحضارة النصرانية الغربية والحضارة الإسلامية والكونفوشيوسية وغيرها من الحضارات الشرقية المعادية للقيم الثقافية والأخلاقية الغربية التي تحتمي بقوة التقليد والموروث الديني والثقافي الخاص بها، والذي تعتبره الولايات المتحدة سبب تخلف هذه الحضارات وعدم انفتاحها على ثقافة الآخر "الرجل الأبيض" سيد الكون. كل ذلك في محاولة منها لكسب الوقت لصالحها، إلى أن تحين اللحظة التاريخية التي تتمكن فيها الولايات المتحدة من استخدام غطرسة القوة، وفرض هيمنتها على العالم. وأمام تصاعد المد الإسلامي الجماهيري، في فلسطين "ثورة المساجد ـ الانتفاضة الأولى عام 1987". وبدء العدو الصهيوني معاناته من أزمة خطيرة جداً تهدد مشاريعه التنموية بسبب نقص المياه، المتوفرة في دول الجوار العربي والإسلامي. هذه الدول التي بعد مرور 50 عاماً على قيامه في قلب الوطن لازال لم يلق القبول الرسمي أو الشعبي فيها. أضف إلى ذلك تصاعد المد الإسلامي السياسي على صعيد الوطن ككل، حتى أن لعبة الديمقراطية التي ابتكرها الغرب لبعض الأنظمة في وطننا لسحب البساط من تحت أقدام الإسلاميين، ارتدت عليهم، وعرت الأنظمة الموالية لهم شعبياً وأثبتت القبول الشعبي للإسلام، وللحركات الداعية إلى تطبيق الشريعة الإسلامية. أمام هذه المتغيرات التي باتت تهدد العدو الصهيوني ووجوده، ووجود الغرب الحامي له في وطننا. كان لابد للولايات المتحدة استغلال انتصارها في فرض الرؤية الصهيوـ أمريكية لما يدعونه سلام على وطننا. في محاولة لتهدئة الأوضاع فيها ونزع فتيل الصراع نهائياً، ودمج العدو كجزء أصيل من نسيج وطننا جغرافياً وتاريخياً. تمهيداً لإقامة النظام الإقليمي الجديد، المتمثل آنذاك في "الشرق الأوسط الجديد" و "السوق الشرق أوسطية"، التي ستجمع شعوب الوطن ذات الدين الواحد والتاريخ المشترك والتوجه الحضاري الواحد مع العدو الصهيوني النقيض الديني والحضاري والتاريخي للأمة، وإعطائه الدور الريادي في قيادتهما. لذلك كانت مدريد 1991م بالإكراه أو الرضا، على أساس قراري مجلس الأمن "242، 338"، اللذان يصادران حق الوجود للشعب الفلسطيني، ويفرضان عليه التفريط في أهم حقوقه. ثم كان عقد اتفاق المبادئ الفلسطيني-الإسرائيلي مع ياسر عرفات 1993م لإضعاف موقف المفاوض العربي على المسارات الأخرى، وإتباعه بالاتفاق الأردني-الإسرائيلي عام 1994م. وتجدر الإشارة إلى أن شيمون بيريز بعدها قد أصدر كتابه "الشرق الأوسط الجديد" الذي أكثر فيه من الحديث عن خطر ما سماه"الأصولية الإسلامية"، وعن ضرورة نشر الديمقراطية، وقال: (يحتاج الشرق الأوسط إلى الديمقراطية حاجة الكائن البشري إلى الأوكسجين، .... وقد أثبتت الأنظمة الشمولية أنها مكلفة وغير مؤهلة، إنها تتطلب قوة بوليس سري كبيرة، وجيشًا يلمع الأحذية، ورقابة دائمة، ويعيش المواطنون في خوف دائم)(134). وسرعان ما تلقفت أفكار بيريز هذه التي هي مجرد إعادة إحياء لأفكار قديمة صهيونيا وغربيا، وبادر الاتحاد الأوروبي إلى الاهتمام بمنطقة "الشرق الأوسط" وتحديدًا عام 1995م عندما أنشأ برنامج باسم "حوار المتوسط"، الذي جمع كل من الكيان الصهيوني وست دول عربية أخرى من شمال إفريقيا، بالإضافة إلى مصر والأردن. كما قام "حلف الناتو" بتغيير المفهوم الثابت لإستراتيجية الحلف، الذي كان يقتصر على الدفاع عن أوروبا ليمتد إلى الجنوب؛ حيث العرب والمسلمين. وصف الإسلام بالإرهاب ولأن شعوب الغرب اعتادت قبل انهيار الاتحاد السوفيتي على وجود عدو يهدد وجودها ومصالحها ونموذجها الحضاري والديمقراطي والرأسمالي، الذي من خلال تضخيمه تكسب الإدارات الغربية شعوبها إلى جانبها في حربها ضد الآخر، وتزرع فيها الشعور بالاستعلاء على غيرها، وضرورة الدفاع عن وجودها وقيمها الحضارية ضد العدو المتخلف والهمجي، الذي يفتقر إلى قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويريد أن يرتد بالعالم إلى عصور الظلام والاستبداد والقهر. ولأن الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب (بشقيه الحضاري والعلمي حظي على مدار تاريخه وخاصة في الفترة الأخيرة باهتمام قادة الحضارة الغربية، فإنه استحوذ على اهتمام الولايات المتحدة وهي تسعى للانفراد بقيادة العالم وفرض النمط الحضاري الغربي على كل بقاع العالم تحت اسم "العولمة" والنظام الدولي الجديد. والذي زاد من هذا الاهتمام الأمريكي بالإسلام : أن الوطن العربي والإسلامي يتوفر لـه من عوامل المقاومة الذاتية القوية الراسخة والرافضة للهيمنة الحضارية الغربية ما لا يتوفر لغيره من الأمم، وتتمثل هذه المقاومة بشكل أساسي في الحضارة العربية الإسلامية بكل معانيها. لذلك كان الإسلام هو العدو الجديد للغرب والولايات المتحدة بالتحديد. وكان لابد من تشويهه في عقلية الأمريكيين، وتضخيم خطره على وجودهم الحضاري ووصفه بالإرهاب وأنه العقبة في طريق المساعي الأمريكية لتحقيق السلام والاستقرار بين شعوب المنطقة)(135). كان هذا العدو هو الإسلام. وقد كان أول من صاغ تعبير الإسلام كعدو بديل ورُفِع شعار "الإسلام عدو بديل" ويحاربه اليوم تحت دعوى "محاربة الإرهاب"، على المستوى السياسي الغربي، في "منتدى الشؤون الأمنية الدولية" في ميونيخ عام 1991م، وكان أول من استخدم هذا التعبير لأول مرة في محفل سياسي دولي، هو وزير الدفاع الأمريكي آنذاك -ونائب الرئيس الأمريكي حاليا- ديك تشيني. ولقي موقفه حينئذ ردود فعل شديدة، في البلدان الإسلامية، وفي أوساط ثقافية ودينية غربية تخوّفت مما يعنيه الصدام الكامن وراء تلك الشعارات التي وصلت إلى مستويات مؤثرة في صناعة القرار السياسي، كما كان مع نظريتي "نهاية التاريخ" لفوكوياما، و"صدام الحضارات" لهنتينجتون. ولهذا بدأ البحث في أوائل التسعينيات عن كلمة أخرى غير الإسلام، فبدأ التركيز على "الأصولية" مع "تصريحات" تقول بتبرئة الإسلام كدين سماوي منها، وتثبيت فكرة أن الأصولية هي "الإسلام السياسي". وبالتالي فإن استثناء كلمة "الإسلام" من المواقف المعادية، كان يعني واقعيًّا الاقتصار على استثناء صنف معين من "الإسلام" كما يريده أو يتصوره الغربيون، أي الإسلام الذي يتخلى عما يرتبط بالسياسة، والحكم، والتشريع، والقوانين(136). وهكذا أصبح "الإرهاب الإسلامي" هو الذي يهدد أمن واستقرار وطننا، وأمن واستقرار الغرب والعالم. وأن خطره سيزداد إذا ما تمكنت جماعاته من السيطرة على الحكم في الدول البترولية. هذه الصرخة تلقفتها منذ ذلك التاريخ وسائل الإعلام الغربي والأمريكي والصهيوني على الأخص، وبدأت حملتها لتشويه الإسلام والحط من قدر المسلمين، وجعل الإسلام قرين "الإرهاب" والجريمة المنظمة، وكثر الحديث عن صراع الحضارات ... إلخ. بمعنى أدق بدأت الولايات المتحدة واليهود يطلقون أكاذيبهم ضد العدو الجديد ـ القديم "الإسلام"، ووصفه "بالإرهاب" والعداء لقيم الحضارة الغربية، وأنه يشكل خطرا وجوديا على الغرب. ولذلك اجتهد الغرب في السعي لإنهاء الصراع العربي ـ الصهيوني، وتجديد الدعوة إلى خلق ما يسمى "الشرق الأوسط الجديد"، كما ذكر (وارن كريستوفر) وزير خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) من أجل الحد من تنامي تهديد الحركات الإسلامية: (إن من أهم أهداف الولايات المتحدة من تسوية الصراع العربي ـ "الإسرائيلي" خلق "شرق أوسط جديد" من مجموعة من الأمم المختلفة، بحيث تتشارك المصلحة العامة وتعيش بسلام وتتمتع بالاستقرار والتقدم الاقتصادي وتقدم جميع الشعوب في المنطقة)(137). وقال بأن: (تسوية الصراع في المنطقة وإقامة نظام إقليمي فوق قومي، سيحد من تنامي التيارات السياسية المتطرفة)(138). إن هذا الموقف الأمريكي من الحضارة الإسلامية وشعوبها كما سبق الإشارة إليه، هو موقف أصيل في السياسة الأمريكية، أكد عليه كل الرؤساء الأمريكيين إلى جانب سياسة الحكومات الأمريكية على مر السنين، كما أن صحيفة "التايمز" الأمريكية عبرت عن هذه الرؤية، مذكرة بأن الخوف من خطر المسلمين لم ينتهِ بقولها: (أزاح الغرب مع مضي الوقت عن كيانه خطر المسلمين إلا أنه لم يتخلص تماماً من ذكرى الخوف الذي عانى منه ألف سنة)(139). الاستراتيجية الأمريكية ومبادرة الشرق الأوسط الكبير إن المخططات الأمريكية هي تنفيذ لأفكار وسياسات وسيناريوهات ومسارات تم بحثها ودرسها ورسمها بعناية في مراكز البحث المتصلة بالإدارة الأمريكية بصورة أو بأخرى، وكذلك في الندوات والدراسات التي مهدت لهذه الاستراتيجيات مثل:ندوة "التقييم الاستراتيجي 1995" ودراسة صموئيل هنتنغتون الشهيرة "صدام الحضارات" وكذلك دراسة فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ". يكفي أن نعقد مقارنة بسيطة بين الأهداف الاستراتيجية الأمريكية التي وضعت قبل أحداث أيلول وبين ما يحدث الآن بعد أحداث أيلول. لقد اقترح بول هينز وإندرز ويمبش من مؤسسة راند سنة 1992 الأهداف الاستراتيجية التالية: يجب النظر إلى منطقة "الشرق الأوسط" من خلال البلدان المحيطة به. (فما مصطلح "الشرق الأوسط الكبير" إلا تعبير عن هذه النظرة الموسعة للشرق الأوسط. فقد أصبح "الشرق الأوسط" يمتد من المغرب الأقصى غربا إلى باكستان وأفغانستان شرقا). يجب وضع الطاقة وتوسيع المجال التجاري على رأس قائمة الأهداف الاستراتيجية الأمريكية. (ومن هنا جاء احتلال أفغانستان ومن ثم العراق ودخول ليبيا في الحظيرة الأمريكية لتعبر عن السيطرة على منابع النفط وتحرير التجارة في المنطقة). - يجب إيلاء البلدان الكبيرة في المنطقة الاهتمام الخاص مثل: تركيا وإيران والهند والباكستان. يجب مساعدة الدول الناشئة في آسيا الوسطى سياسيا واقتصاديا لتقف على قدميها مع الاهتمام الخاص للقوتين الصاعدتين في المنطقة وهما: أوزبكستان وقازاخستان. الترويج للدمج الاقتصادي للمنطقة الممتدة من البحر الأسود إلى الصين. - الاعتراف بالدور النفطي لمنطقة القوقاز في القرن الحادي والعشرين. فيجب مساعدة أذربيجان في استغلال ثروتها النفطية والغازية وتأهيل جورجيا لتكون ممرا رئيسا لنقل النفط والغاز من أذربيجان والمناطق الأخرى في آسيا الوسطى للأسواق العالمية. يجب توثيق العلاقات بأرمينيا لاستيعابها ضمن المصالح القومية والأهداف الإستراتيجية الأمريكية. يجب الاستمرار في إدارة النزاع العربي "الإسرائيلي" على ضوء مصالح وأهداف الاستراتيجية الأمريكية. يجب تشجيع استمرار التعاون بين "إسرائيل" وتركيا. يجب الاستمرار بصبر وواقعية في مطالبة دول المنطقة بالتحول الديموقراطي واحترام حقوق الإنسان. ومثل هذه الدراسات لاقت هوى في نفس بوش الابن وتطابقت مع رؤيته المسيانية Messianic التي استمدت أصولها من أيديولوجية المستعمرين الأوائل (البيوريتان). لقد اقتنع بوش بأنه موسى العصر عندما التقى أحد أنبياء الصهيونية الأنجلو-سكسونية (بيلي غراهام) ووصف لقاءه به بالولادة الجديدة وراح يقرأ الكتاب المقدس وأحضر معه رفاق الدرس إلى البيت الأبيض مثل مايكل غيرسون Michael Gerson و دافيد فرم David Frum اللذين كتبا له خطابه الشهير عن "محور الشر". وكانت فرصة سانحة للمحافظين الجدد لتقديم رؤيتهم الاستراتيجية التي بلوروها منذ سنة 1997 في "مشروع القرن الأمريكي الجديد" وعلى رأسهم ديك تشيني ودونالد رامسفيلد. فأصبحت دراساتهم -التي قاموا بها في التسعينات من القرن العشرين- ومشاريعهم هي خارطة الطريق- إن صح التعبير- التي ستؤدي إلى السيطرة والهيمنة الأمريكية على العالم بأسره. لقد تشكل "مشروع القرن الأمريكي الجديد" سنة 1997 وأطلق سهمه الأول بتوجيه رسائل إلى الرئيس السابق كلينتون وإلى أعضاء الكونغرس يدعون فيها إلى تغيير النظام في العراق بالقوة وإرساء تواجد عسكري قوي ودائم في المنطقة. وفي سنة 2000 وقبل أشهر من فوضى الانتخابات التي أحضرت بوش الابن إلى سدة الرئاسة، أصدرت المجوعة إياها وثيقة مفصلة من 90 صفحة يقترحون فيها إعادة تشكيل القوة العسكرية والدور الأمريكي في العالم. وأشاروا إلى أن الهيمنة الأمريكية تتم عبر بناء شبكة من القواعد العسكرية دائمة ومؤقتة في جميع أنحاء العالم وخاصة في الشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية(140). وقد تزامن صدور كتاب شيمون بيريز "الشرق الأوسط الجديد" مع صدور التقرير الاستراتيجي الأمريكي في أيار/مايو 1995م، الذي جاء متفقا تماما مع ما جاء في كتاب ريتشارد نيكسون "الفرصة السانحة"، الذي لا تخرج سياسة الإرهابي بوش عن كونها تنفيذا لتوصياته، وإن كانت تبدو وكأنها استجابة للمصالح الشخصية لأعضاء إدارته، والشركات الخاصة بهم، أو التي يعملون لصالحها. وسوف أعرض لبعض القضايا الرئيسة التي ركز عليها التقرير، وتنفذها إدارة الإرهابي بوش الآن، في سعيها لتنفيذ ما يسمى "الشرق الأوسط الكبير". فقد حمل التقرير على الإسلام والحركات الإسلامية الرافضة للهيمنة الغربية على وطننا وأمتنا، والتي تشكل خطراً على العدو الصهيوني في فلسطين متهما لها "بالإرهاب" وخاصة حركتي "حماس والجهاد الإسلامي". فقد جاء في الفصل الثاني منه، وهو تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن "الشرق الأوسط" تحديد لأنماط ما يسميه التقرير "الإرهاب"، حيث ألقى باللائمة على حركات المقاومة الإسلامية في تعطيل مسيرة ما يسمونه العملية السلمية، وليس على العدو الصهيوني الذي يريد السلام مقابل السلام فقط، واعتراف عربي بحدود آمنة له، في الوقت الذي يريد أن يبقي محتفظا بالأرض العربية وضمها إلى الكيان الصهيوني، ويرفض التخلي عنها أو إعادة جزء منها لأصحابها الشرعيين. فقد جاء فيه: (اعتبار "الإرهاب" الذي يتنكر بزي الإسلام مشكلة لحكومات "الشرق الأوسط" وتهديدا للعملية السلمية بين العرب و"إسرائيل"). كما أنه اعترف بقدرة حركتي حماس والجهاد الإسلامي على تدمير ما يسميه العملية السلمية، فقال (141): (أظهرت المجموعات الإسلامية المتطرفة كحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية قدرة فعالة متزايدة ومعقدة على صعيد الهجمات الإرهابية التي تهدف إلى تدمير عملية السلام في "الشرق الأوسط"). كما جاء في الفصل الأول منه، وهو تقرير وزارة الدفاع، أن الإسلام هو العدو الرئيس و الخطر الذي يهدد المصالح الحيوية الأمريكية: (إن الإسلام الراديكالي هو الخطر الرئيس على العالم الغربي الديمقراطي بعد انتهاء الحر ب الباردة. لكنه يرفض الزعم أنه صراع حضارات بل الصراع الحقيقي داخل الحضارات نفسها، بين المتطرفين والمعتدلين. ومع ذلك استخدمت بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة العنف لتعزيز برامجها وأهدافها، وقد تشكل خطر على مصالح أمريكا في الاستقرار الإقليمي وعلى المواطنين والممتلكات الأمريكية). |
|
|
|
|
|
#7 |
|
بقايا انسان
![]() ![]() تاريخ التسجيل: 11 / 9 / 2004
المشاركات: 392
معدل تقييم المستوى: 27 ![]() |
ازدياد أهمية وطننا في السياسة الغربية
كما كشف تقرير وزارة الدفاع الأمريكية عن أهمية الموقع الجغرافي للوطن العربي والإسلامي، وما وهبه الله من ثروات وخيرات جعلته يحتل الدرجة الأعلى في اهتمامات السياسة الأمريكية. ثم طرح توجهات السياسة الأمريكية المستقبلية. وأقتطف بعض أهم ما جاء في التقرير حول وطننا, مصالح أمريكا الحيوية فيه، وأهمية توفير الأمن والتفوق العسكري للعدو الصهيوني، وغيرها(142). فعند حديثه عن "إستراتيجية الولايات المتحدة الأمنية في الشرق الأوسط": قال وزير الدفاع الأمريكي (وليم بيري) عن أهم ما يهدد المصالح الأمريكية ويملي عليها وجوب استخدام القوة: (إن أحد أكثر القضايا إثارة للجدل التي تواجه الولايات المتحدة في حقبة ما بعد انتهاء الحرب الباردة هي: متى تستخدم القوة العسكرية في العالم المعقد؟. ولكن لا يكاد يكون هناك خلاف حول وجوب الاستعداد لاستخدام القوة للدفاع عن مصالحنا الحيوية: عندما يكون بقاء الولايات المتحدة الأمريكية أو حلفائها الرئيسيين في خطر، أو عند تهديد مصالحنا الاقتصادية المهمة، أو عند التعامل مع بروز تهديد نووي مستقبلي. وليس هناك من مكان تبرز فيه هذه المعايير بوضوح أكثر من بروزها في منطقة "الشرق الأوسط"). ثم يتحدث التقرير عن مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية والثابتة في وطننا، ( فهو يحتوي على 70% من نفط العالم، ... وأنه موطن الجماعات المتطرفة التي تستخدم "الإرهاب" لتحقيق أهداف معادية لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية...وفيه عدد من النقاط البحرية الحيوية والخطوط البحرية والجوية الرئيسة التي تصل أوروبا والبحر الأبيض المتوسط بإفريقيا وآسيا والمحيط الهندي. إن حالة عدم الاستقرار المتكررة في "الشرق الأوسط" وتجاوره مع القوقاز وآسيا الوسطى يعطيه أيضا القدرة على تعقيد عملية الإصلاح، وعلى تأزيم النزاعات السياسية والعرقية في أجزاء من الاتحاد السوفيتي السابق). وبعد أن يستعرض التقرير قدرة الولايات المتحدة العسكرية على التدخل السريع في وطننا، وقدرتها الدبلوماسية في العالم، ويعيد تكرار الحديث عن أسلحة الدمار الشامل والجماعات المتطرفة، والخوف من فشل ما يسميه العملية السلمية مع العدو الصهيوني، يعرض لطريقة تعامل الولايات المتحدة مع وطننا، فيقول: (وبصورة عامة، فإن طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الأمن في "الشرق الأوسط" تتخذ شكل التدخل أو الحضور المسبق أو الرد السريع. كما تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز وتعديل شراكات أمنية مع الدول الرئيسة في المنطقة، وتوسيع العلاقات الاقتصادية والثقافية، والعمل على التوصل إلى تسوية سلمية إلى النزاعات الإقليمية قبل تفاقمها وتحويلها إلى صراعات مفتوحة). ويجدد التقرير إصرار الولايات المتحدة على أن وطننا سيبقى يعاني من مصاعب حتى بعد التوصل إلى تسوية سلمية نهائية، وذلك ليبرر لأستمرار هيمنته ووصايته على دول المنطقة، فيقول: (وباختصار، سيبقى "الشرق الأوسط" يواجه مصاعب كبيرة حتى بعد أن تصل العملية السلمية إلى نهاية ناجحة. وإضافة إلى ذلك، سيظل للولايات المتحدة نفس المصالح الأمنية القومية التي كانت موجودة منذ عدة سنين. "لاعتبارات أساسية أهمها": · بقاء العالم معتمدا على بترول الخليج. · حماية الأمريكيين، ونشر الديمقراطية، وقيم السوق، وحقوق الإنسان. · تعزيز ازدهار أمريكا في الداخل والخارج. · تشجيع إيجاد عالم مستقر تزدهر فيه الحريات بأنواعها المتعددة. في ضوء الاعتبارات السابقة حدد وليم بيري ثلاثة معايير لتحديد إن كان هناك خطريهدد المصالح الحيوية الأمريكية، وهي: 1- إذا كان يهدد بقاء الولايات المتحدة أو حلفائها الرئيسيين. 2- إذا كان يهدد مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية الهامة. 3- إذا كان يشكل خطرا نوويا مستقبليا. ويرى التقرير أن هذه المعايير تنطبق أكثر ما تنطبق بشكل واضح على "الشرق الأوسط". ويواصل التقرير الحديث عن رؤية الولايات المتحدة للمخاطر وأسباب عدم استقرار الأوضاع في وطننا، على نفس المنوال، وبتكرار ممل، ليبرر وجوب تدخلها المباشر سياسيا وعسكريا وثقافيا في وطننا. وضرورة دعم الولايات المتحدة لأصدقائها في وطننا، وعلى رأسهم العدو الصهيوني، الذي عاد التقرير ليؤكد على ما أكد عليه كل الرؤساء الأمريكيين السابقين، والإدارات الأمريكية السابقة، وهو وجوب تفوق العدو الصهيوني عسكريا على جميع الدول العربية. فقال: (يرى التقرير أهمية أمن الشركاء الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة ليس من أجل ضمان تدفق النفط فحسب، وإنما أيضا للدور الذي تلعبه هذه الدول في المنطقة. ويركز بشكل خاص على التزام الإدارة الأمريكية بالحفاظ على أمن "إسرائيل". ويوضح التزام الولايات المتحدة بتفوق "إسرائيل" العسكري على الأعداء المحتملين لها مجتمعين. وهي تتطلع إلى نجاح العملية السلمية على المدى البعيد من أجل تعزيز أمن "إسرائيل" وجيرانها). ولأن السلام الصهيو ـ أمريكي يقوم على أساس القوة والتفوق العسكري، فالسلام كما قال اسحاق رابين يعني أن تكون قويا ومستعدا للحرب!!. لذلك تحدث التقرير عن دعم الولايات المتحدة المالي والعسكري للعدو الصهيوني، وعن التعاون التكنولوجي المشترك، وتطوير الصواريخ، وتخزين المعدات العسكرية لحلف الناتو في الكيان الصهيوني، كل ذلك (لضمان محافظة "إسرائيل" على تفوق عسكري نوعي لمواجهة التهديدات في المنطقة على المدى البعيد). والملاحظ سواء في سياسة بوش أو في مشروعه "الشرق الأوسط الكبير"، ففي الوقت الذي لم يغفل فيهما شيء مما جاء في التقرير، إلا أنه أسقط منهما ما أوصى به التقرير حول ما يسمى العملية السلمية. وذلك بعد أن تراجعت عوامل المقاومة في الأمة، وتراجعت مكانة القضية المركزية بعيدا عن أولويات اهتمامات الدول العربية، وانصب تركيزها على محاربة عدو أمريكا الأول ما تسميه "الإرهاب"، وانشغلت بصراعاتها الداخلية للقضاء عليه، بعد أن نجحت أمريكا في جعله عدوا مشتركا لها ولهذه الأنظمة المرتبطة كليا بأمريكا. وبعد أن قدم بوش ـ كما قلنا ـ مصالحه وأسرته ومصالح أعضاء إدارته وشركاتهم والشركات التي يعملون لصالحها، على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية بين العرب والعدو الصهيوني. ولكنه ركز جهوده على استغلال الوضع العربي المتردي لتحقيق ما سعى أسلافه إلى تحقيقه، ولكن الظروف لم تساعدهم عليه، وهو حفظ أمن العدو الصهيوني وتصفية القضية المركزية للأمة "فلسطين"، ودمج العدو الصهيوني في وطننا ( وإقامة علاقات ثنائية وقوية بين "إسرائيل" وجيرانها العرب. "لأن" السلام الشامل ضروري لحماية مصالح أمريكا الأمنية). من غير أن يحقق شرط ذلك الذي حدده التقرير، وهو: (إن اتفاق السلام سيؤدي إلى دمج الفلسطينيين و"إسرائيل" على حد سواء في النسيج الاقتصادي للمنطقة، ويعزز الرخاء الإقليمي، ويقلل من دواعي وفرص ظهور صراع يهدد استقرار المنطقة). وبوش يريد أن يحقق كل ذلك دون أن يعطي ضرورة التوصل إلى تسوية بين الفلسطينيين و اليهود أي اهتمام يذكر!!. شـــموليــة الهجمـــة لم يقف الأمر في توجهات السياسة الأمريكية لما بعد الحرب الباردة، وفي مشروع الإرهابي بوش "الشرق الأوسط الكبير"عند إعلاء قيم المادة والسوق في وطننا، وفرض العدو الصهيوني عضواً ريادياً في "النظام الإقليمي الجديد" الذي سيتم فرضه على وطننا، ولكن أمعن في محاولة إذلال الأمة، وسحق هويتها المتميزة، والحط من قيمها الأصيلة، وذلك بفرض القيم والأخلاق الغربية عليها، وخاصة الأمريكية منها. هذه الأخلاق التي يريد أن يفرضها كنظام حضاري وأخلاقي وقيمي واحد على العالم، من خلال فرض العولمة في كل شيء على وجه الكرة الأرضية جميعها. ولأنه لازال في الأمة اتجاهات سياسية وثقافية ـ الإسلامية بالتحديد ـ تعارض ذلك، فقد ركز التقرير على ضرورة القضاء على ما أسماه (اتجاهات سياسية وثقافية إقليمية تمنع الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها الإستراتيجية). وذلك لأن التجربة ـ على حد قول التقرير ـ (قد أثبتت خطورة محاولة فرض النماذج السياسية الغربية على مجتمعات يمكن للمؤسسات المحلية فيها توفير أسس أكثر ثباتا للحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية). لذلك يجب القضاء على الاتجاهات السياسية والثقافية في الأمة، التي تمثل آخر ما تبقى من مقومات دينية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لازالت تمنع تقبل الأمة لكل قيم الحضارة الغربية بصفة عامة، والأميركية بصفة خاصة. حتى يسهل على الغرب تدميرها تدميرا نهائيا، والقضاء على هويتها الغربية والإسلامية. وقد بدأت الولايات المتحدة تنفيذ ذلك بعد حرب الخليج الثانية، ولم تفوت الفرصة، وذلك من خلال إكراهها على القبول بمقررات ما سموه "مؤتمر السكان والتنمية"، الذي عقد في القاهرة خلال الفترة من 5 إلى 13 أيلول/سبتمبر 1994م، و"المؤتمر العالمي الرابع للمرأة" الذي عقد في الصين عام 1995م. إلى جانب مجموعة أخري من المؤتمرات، على تنوع أطروحاتها، وتعدد أساليبها، ترمي إلى ابتداع أنماط وأشكال جديدة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية، تحطم الحواجز الأخلاقية، وتعارض القيم الدينية، وتنشر الإباحية باسم الحرية، وتشجع على التحلل باسم التحرر. ولعل أهم قضايا وثيقة "مؤتمر السكان و التنمية" هي: الربط بين زيادة السكان وبين الفقر واستحالة التنمية، وأن الحد من النمو السكاني هو الطريق الأمثل للتنمية وتحقيق الرفاه الاجتماعي، والقضاء على الفقر. لذلك ترى أن السبيل إلى ذلك يتركز في (143): 1- إباحة الإجهاض، بجعله قانونياً معتمداً.. وقد حاول واضعو الوثيقة استخدام تعابير متعددة لإباحة الإجهاض، مثل: الحمل غير المرغوب فيه.. إنهاء الحمل وتخفيف عواقب الإجهاض.. الإجهاض غير المأمون. 2- تقديم المعلومات والثقافة الجنسية للمراهقين، وإباحة الممارسات الجنسية، وحقهم في سرية هذه الأمور، وعدم انتهاكها من قِبل الأسرة. 3- التشجيع على الممارسات التي تقع خارج نطاق العلاقات الشرعية. 4- إلغاء القوانين التي تحد من ممارسة الأفراد لنشاطهم الجنسي، واعتبار ممارسة الجنس والإنجاب حرية شخصية وليست مسؤولية جماعية. والحقيقة التي لابد من إبرازها هنا، أن هذه المؤتمرات، خاصة المؤتمرات المتعلقة بالمرأة، من المؤتمر العالمي الأول للمرأة، وكان شعاره: (رفع التمييز ضد المرأة)، الذي انعقد في مكسيكوستي عام 1975، ومروراً بمؤتمر كوبنهاجن عام 1980، ومؤتمر نيروبي 1985، ومؤتمر السكان والتنمية في القاهرة عام 1994، ومؤتمر بكين 1995، ووصولاً إلى مؤتمر اسطنبول للإسكان والاعمار 1996، تنطلق من أهداف محددة، وتحكمها فلسفة واحدة، وتلتزم إستراتيجية طويلة المدى في تطوير وسائلها، وتستظل بمظلة الأمم المتحدة، وحراسة النظام العالمي الجديد، بكل ما يمتلك من قدرات مالية، وخبرات إعلامية، وسلطان سياسي قاهر، قادر على أن يفرض ما يريد من قيم ومبادئ، تعمل على نسخ ثقافات الشعوب الأخرى وحضاراتها، وتهميشها، لتصبح جُزراً صغيرة في المحيط الكبير، القائم على التسلط والإغراق الثقافي، باسم العالمية، دون أن يمثل هذا النظام الذي تُدَّعى له العالمية، شيئاً من المشترك الإنساني. وتبذل وسائل الإعلام الغربية وأبواقها من الفاسدين والمنحرفين الشواذ، ومن المرتزقة والمأجورين عمل مقاربة بين قيم الحضارة الغربية والقيم الإسلامية، ومحاولة إضفاء المسوغات الشرعية الإسلامية على الوافد الغربي، لتسهيل مرور القيم، والأفكار، وأنماط الحياة الغربية، من خلال القيم الإسلامية نفسها، وإيجاد ثقوب وثغرات في الجدار الواقي، والعمل على إيجاد شريحة من المثقفين غير العلمانيين –بحسب الظاهر، تطرح أسماؤهم، وتمهر كتاباتهم سمة المفكرين الإسلاميين الكبار، والفقهاء الشرعيين أصحاب الجرأة(!)- للمناصرة والترويج والتسويغ لهذه السفاهات. بوش وتدمــير أخــلاق المسـلمين هذا وأسوأ منه فاخر به الإرهابي جورج دبليو بوش في خطابه الذي ألقاه أمام الكونجرس عن حال الاتحاد اليهودي "المسيحي" بتاريخ29/1/2002, بعد عدوانه على أفغانستان، وهو في نشوة وهم الانتصار الزائف. وقد تضمن خطابه تفصيلات عن الخطط المستقبلية للسياسة الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي. جاء فيه(144): السيد الرئيس.. أعضاء الكونجرس, المواطنون الأمريكيون: أود بكل اعتزاز أن أقول لكم أن حال الاتحاد "المسيحي" اليهودي الأبيض والثري قوية تماما, ولم يحدث أبدا في تاريخنا أن كانت القوة الأمريكية والهيمنة الأمريكية والقيم الأمريكية قوية ومهابة ومحترمة ومقبولة في العالم كما هي اليوم. فاليوم يوجد العلم الأمريكي والقوات المسلحة الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية سي.اي.ايه ومكتب التحقيقات الفيدرالي في أكثر من100 دولة لضمان السلام والإذعان والتحرر من الخوف والإرهاب.. وينبغي أن يكون الأمريكيون فخورين بي وبحكومتهم وبرجال القوات المسلحة ونسائها الذين يضحون بمباهج الحياة من اجل ضمان استمرار أسلوب حياتنا الأمريكية .. إنني فخور أن أبلغكم أن طالبان قد انتهت, وان كابول تحررت, وأن أسامة بن لادن, والملا محمد عمر, إما أن يكونا قد قتلا, أو أنهما يحتضران, أو يختفيان, ولكن ليس لوقت طويل إذ أنني مصمم على تقديمهما للعدالة أحياء أو موتي ! وأن أبلغكم أن النساء الأفغانيات تخلين عن براقعهن إلى الأبد , وان الفتيات الأفغانيات رجعن إلى المدارس ليطالعن كيف ظفرنا بالغرب الأمريكي, وان رمز الحضارة الغربية الثقافي الأكثر أهمية , وهو التليفزيون عاد للحياة الأفغانية والأفغان سعداء الآن وأحرار في التنقل في بلادهم لزراعة الأفيون!!! وعلي الرغم من أن الحرب في أفغانستان توشك على نهايتها فان أمامنا طريقا طويلا ينبغي أن نسيره في العديد من الدول العربية والإسلامية , ولن نتوقف إلى أن يصبح كل عربي مسلم مجردا من السلاح وحليق الوجه وغير متدين ومسالما ومحبا لأمريكا ولا يغطي وجه امرأته نقاب !!!. إنني مصمم على استخدام جميع مواردنا لتحقيق ذلك قبل انتخابي لفترة رئاسية ثانية. وقد اهتمت إدارتي بوضع سياسة طاقة قومية تحت إشراف نائب الرئيس تشيني , وسنبدأ على الفور بالحفر في أرجاء أراضينا للتنقيب عن النفط وسنبدأ العمل في مشروع طموح لبناء خط أنابيب مباشر تحت الماء من السعودية والخليج وإيران والعراق إلى نيويورك وعلى نفقتهم !!! لضمان إمدادات نفطية غير منقطعة . لقد حان الوقت لنعيد تشكيل العالم ليصبح على صورتنا !. وبفضل إلهنا سنقوم نحن شعوب العالم من الجنس الأبيض المتحضر بفرض معتقداتنا الرزينة والودودة والتحررية على عالم جائع لأموالنا ورسالتنا..!!. ولن يخضع الرجال بعد الآن لشرط إطلاق اللحى , ولن تخضع النساء لشرط تغطيه وجوههن وأجسادهن !!!. ومن الآن فصاعدا يحق للعالم تناول الخمر والتدخين وممارسه الجنس السوي أو الشذوذ الجنسي بما في ذلك سفاح القربى واللواط ومشاهدة أفلام السلب والقتل والأشرطة الخلاعية داخل فنادقهم أو غرف نومهم !!! وبالنسبة لشركاتنا التي تنتج مثل هذه المنتجات فسيحق لها الوصول من دون أي عقبات للدول المتخلفة التي منعت تلك الحريات عن شعوبها !!! ولن يجبرنا ملك أو أمير عربي نفطي على تحسين كفاية وقود سياراتنا المتطورة , وهذا لن يحدث وانأ رئيس للولايات المتحدة , وعلى العكس سيضطرون لزيادة الإنتاج وتخفيض الأسعار. ونحن الآن ـ واستخدم هنا عبارة صديقي شارون ـ "ذلك غير ذي صلة" نعتبر جميع المنظمات التي الدولية التي تعارض أي هدف يتعلق بالمصالح الوطنية الأمريكية "الإسرائيلية" "غير ذي صلة" ويشمل هذا منظمات كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي...والجامعة العربية التي يجب في اعتقادي أ، يتم حلها فورا....وجميع المنظمات الإسلامية.... والإرهابيون المسلمون خونة لعقيدتهم وهم يحاولون في الواقع اختطاف الإسلام ذاته، ولهذا السبب نفصل نحن في العالم اليهودي "المسيحي" سياستنا عن عقيدتنا ونفصل حروبنا وإرهابنا عن عقيدتنا..فعندما نقتل لا يتم هذا باسم الإيمان وإنما يتم للدفاع عن حريتنا وحضارتنا، فلماذا يكرهوننا؟. وأكثر ما يكرهونه هو أن مواطنينا من اليهود الأمريكيين ينفقون الملايين للحصول على تأييدكم الأبدي لحليفتنا الحيدة في العالم إلى جانب انجلترا وهي "إسرائيل".....وهم ـ الإرهابيون ـ يريدون الإطاحة بحكومات قائمة في العديد من الدول العربية مثل مصر والمملكة العربية السعودية والأردن ولن نسمح بحدوث ذلك فالرئيس مبارك والملكان فهد وعبد الله أصدقائنا وهم يريدون الخير لأمريكا . ويريد أعدائنا طرد "إسرائيل" من "الشرق الوسط"...ولكن هذا لن يتم غلا على جثتي... أريد أن أعلن للعالم أن خضوعنا الكامل وتحالفنا مع "إسرائيل" قوي كالحديد وإنما أأيد بقوة وعلى نحو كلي الحرب ضد "الإرهاب" التي يشنها شارون وتدمير السلطة الفلسطينية وعرفات وإنني أعلن اليوم أن الولايات المتحدة ستوقف جميع اتصالاتها مع عرفات.....ونحن لا نستطيع أن ندع الجهات الإرهابية والدول المارقة تعادي هذه الدولة أو حلفاءنا..... يا دادي ـ يقصد أبوه بوش الأب ـ إنني أمل أن أكون قد حافظت على إرث آل بوش حيا بمحاربه العرب والمسلمين كل عشر سنوات لضمان عدم استمرار الفوضى في بلادهم !!! وينبغي أن تتاح الفرصة لجميع الأمريكيين ليكسبوا المال خلال انتقامنا من ابن لادن وأعوانه... إن فضح العدو الأمريكي المتصهين لما ارتكبه جنوده في سجن أبو غريب في العراق، من جرائم يندي لها جبين الإنسانية، إلا رسالة استفزاز لجس رد فعل الأمة على هذه الأفعال، وتقول لهم هذه هي الحرية الحقيقة التي يريد نشرها الإرهابي بوش، وهذه لن تكون إلا بتدمير عقيدتنا، وهذا هو الهدف الذي يسعى لتحقيقه بوش من وراء ما تضمنه مشروعه "الشرق الأوسط الجديد"، من دعوة إلى التحرر من كثير من القيم الإسلامية التي يعتبرها سبب لما يسميه "الإرهاب"، وعقبة في طريق انطلاق الأمة نحو التقدم والنهضة. هذه هي أهداف التدميرية للمشاريع الغربية التي تقدم باسم الإصلاح وآخرها مشروع بوش "الشرق الأوسط الكبير". كل ذلك لأن الغرب يعلم علم اليقين، أن هذه الأمة مع ضعفها الظاهر وهزيمتها المهينة أمامه، وأمام العدو الصهيوني إلا أنه لن يتمكن من وطننا، ولن يستتب الأمر له فيه أبداً، لأن أمتنا تملك مصادر قوتها من خلال مكونات وجودها الدائمة، "عقيدتها الدينية"، التي لن يستطيع الغرب القضاء عليها مهما أوتي من قوة. ويعلم أنها قادرة على التغلب على ضعفها وهزيمته والعودة وبقوة ساحقة إلى ميدان الصراع الدولي، والمشاركة في العطاء الحضاري الإنساني، وتزعم العالم مرة أخرى. لذلك نجده يمارس كل هذا الإرهاب على دول وشعوب وطننا، واستغلال حالة الضعف والفرقة التي تعاني منها الأمة لفرض حلوله الاستسلامية عليها، والقضاء على كل مقومات قوتها، وما يمكن أن يثير روح العداء للغرب والعدو الصهيوني في مورثنا الديني والثقافي والتاريخي، وإنهاء حالة الصراع التي طال شوق الغرب لإنهائها. وهكذا يتبن من جديد أن العدو الصهيوني ليس مجرد كيان استيطاني، ومجرد أداة من الأدوات السياسية الغربية إنما هو "حليف حقيقي" للغرب الصليبي، والأداة المتقدمة والظاهرة من جسد اليهودية العالمية الممتدة في العالم، وخاصة الغربي، والمتحالفة تحالفاً وثيقاً مع الصليبية الغربية، وقوى الشر والاستكبار العالمي، من أجل تدمير الوجود الإسلامي، إنه في حقيقة الأمر (إفراز وتجسيد لمنهجية عالمية كاملة الأبعاد ومضادة لمنهجية الحق الإلهي، بل هي أعنف أشكالها وهي ماضية إلى تدمير كل مقومات الوجود الإسلامي والعربي يدعمها العالم الغربي الكافر)(145). وجــاءت الفــرصـــة على نفس منوال كتاب وليم فولبرايت "غطرسة القوة"، نسج وزير الخارجية الأمريكي المشهور هنري كيسنجر مقالاً ولكنه استخدم مصطلحاً آخر للتعبير عن ذلك، وهو "فائض القوة"، مبرراً فيه السياسة الأمريكية القائمة على استخدام القوة في فرض هيمنتها ونهب ثروات ومقدرات الشعوب. كما يرى هنري كيسنجر في مقاله هذا أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي حدث فراغ في العالم، وكشف لصناع القرار في الإدارة الأمريكية عن حجم فائض القوة التي تملكها الولايات المتحدة على صعيد العالم، وأنه لابد لها من استخدام هذا الفائض في القوة لديها في ملء الفراغ الذي تركه خروج الاتحاد السوفيتي من الصراع مهزوماً. وأن هذا الفائض في القوة هو الذي يولد الغطرسة الأمريكية، ويبرر استخدامها في فرض هيمنتها وسيادتها على العالم! وقد تمثلت "اللحظة التاريخية" التي تحدث عنها وليم فولبرايت، والفرصة السانحة التي تحدث عنها ريتشارد نيكسون، واستثمار فائض القوة الذي نبه إليه هنري كيسنجر، في أحداث 11 سبتمبر 2001م، هذا التاريخ الذي أنهى مرحلة تاريخية، وبدأت معه مرحلة تاريخية جديدة شنها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، بإعلان حربه الصليبية ـ الصهيونية الجديدة ضد الأمة والوطن، التي بدأت بحملته الأولى على أفغانستان. فقد أعلن هذا الإرهابي أن حربه على أفغانستان أنها "حربا صليبية". وقد وصف الباكستانيين والأفغان بكلمة إنجليزية كانت تستخدم في الحروب الصليبية الأولى لوصف المسلمين بأنهم "بربر وهمج". وعندما أثار هذا الوصف حالة من الاستنكار من المسلمين، ولم يجد تجاوبا مع حروبه الصليبية الجديدة، لا من الشعب الأمريكي، ولا الشعوب الأوروبية، وخاف استثارة مشاعر المسلمين، تراجع واستخدم لها وصافا دينيا آخر كانت تستخدمه الدول الأوروبية الصليبية في الماضي لتبرر حروبها ضد الشعوب التي تغزوها وتحتلها. فوصفها "بالعدالة" المطلقة"، وعندما تم الاعتراض على هذا الوصف لأن الله وحده هو العدالة المطلقة، تراجع ووصفها "بالحرب العادل". و"الحرب العادلة" مفهوم كاثوليكي تم تصنيفه في القرن التاسع عشر، ووضعت له سبعة شروط بحيث حصرتها في الحرب على الإسلام(146). وهذه هي حقيقة حرب بوش وسابقيه كما أوضحنا ولازلنا نوضح. أما عندما بدأ التجهيز لحملته الصليبية الثانية على العراق، فقد قال: (نحن نشن حربا باسم السماء، وأن الله اختار الشعب الأمريكي لأداء هذه الرسالة). ولما لا وهو يعتبرها حربا ضد قوى الشر في العالم، وهو يمثل قوى الخير، التي حسب خرافات الصهيونية ـ النصرانية ستخوض آخر المعارك ضد قوى الشر وتنتصر عليها في معركة "هر مجدون" في فلسطين. ولأنه وقع عليه اختيار العناية الإلهية ليبدأ هذه الحروب، فإنه كما يقول (منير العكش) في مداخلة له في برنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة الفضائية، بتاريخ 2/12/2003م: إن بوش فعل كما فعل ماكنلي، الذي ادعى خرافات غير صحيحة عندما غزا الفلبين عام 1899م، حيث ادعى بوش (أن الله قد زاره في البيت الأبيض وأمره بالحرب على العراق، وأنه أخبره أنه موسى العصر...)!!. ويبدو أنه مولع بالحروب الصليبية، ويتخيل نفسه قائدا من قادتها، وخاصة من أمثال(أرناط) الذي لم يكن يحفظ عهدا ولا ذمه لأحد من المسلمين، وكان لا يرى بأسه وشجاعته إلا على الضعفاء المسالمين من قوافل التجار والحجيج. لذلك عندما ودع القوات الكندية المشاركة في على العراق قال لهم: (أنتم تؤازروننا في حربنا الصليبية). وقد استغل بوش وأعضاء إدارته من "المحافظين الجدد"، الذين جندتهم المخابرات الأمريكية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ليخترقوا لها الجيل الأول المؤسس لهذا الاتجاه في الحزب الجمهوري الأمريكي، الذين كان معظمهم من اللبراليين والاشتراكيين والتروتسكيين، الذين كانوا من أشد المعارضين للحرب الأمريكية في فيتنام،. الذين كما يقول عنهم (لويس لافام) رئيس تحرير مجلة "هاربرز"، وأحد أعضاء فريق بوش المقربين، في معرض دفاعه عن عدم فهم الأوروبيين لأسباب همجيتهم ووحشيتهم وخسارة أمريكا لمقعدها في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف في مطلع أيار/ مايو 2001م، فيقول: أنهم يمثلون ("مذهب البراءة الأمريكية" بشكل كامل، هذا المذهب الذي فهمه البيوريتانيين "حركة إصلاح بروتستنتية سعت إلى تطهير الكنيسة الإنجليزية من بقايا الباباوية الروماني الكاثوليكية في القرنين 16و17"، الأوائل في براري ماسا تشوسيتس الموحشة، على أنه اختيار من قبل الرب)(147). وفي معرض إعطاء المذهب الأمريكي بعده الميتافيزيقي يزعم (لافام): (إن الله اختار أمريكا لتكون موقع إنشاء الجنة الأرضية، فقد كان الهدف الأمريكي عادلا دوما، ولم يكن أي شيء ابدأ غلطة أمريكا). ويضيف: إن الأجيال المتلاحقين من السياسيين الأمريكيين عبرت عن إيمانها هذا بكلمات مختلفة من مثل: "أمريكا الأمل الأخير للبشرية"، "أمريكا سفينة الأمان وناشرة الحضارة"..ألخ(148). هذه النظرة من الرؤساء والساسة الأمريكيين لأنفسهم جعلتهم ينظرون إلى أنفسهم أنهم فوق الأخطاء البشرية، ويجب عليهم عدم الاعتذار عن أي سلوك يصدر عن هذه الدولة المريضة بالنرجسية ـ إن صح التعبير ـ ، ولذلك رفضت التوقيع على ميثاق تأسيس "محكمة الجنايات الدولية"، وطلبت استثناء جنودها في كل مكان من تطبق أحكام هذه المحكمة عليهم، وهددت في حال رفض ذلك بسحب قواتها التي تشارك في حفظ السلام في عدد من دول العالم. وهذا ما عبر عنه الكاتب في مجلة "التايم" (تشارلز كروثامر)، على نحو لا شوب في صراحته: (ليست أمريكا مجرد مواطن عالمي، إنها السلة المهيمنة على العالم، أكثر هيمنة من أي قوة أخرى منذ عهد روما، ووفقا لذلك فإن أمريكا في وضع يؤهلها لإعادة تشكيل المعايير،وتغيير التوقعات وخلق حقائق جديدة أما كيف يكون ذلك؟ فيكون بإظهار إرادة غير اعتذارية لا سبيل إلى تغييرها)(149). ولكنها اضطرت إلى الاعتذار بعد أن فضحت لا إنسانية ووحشية وانحطاط أخلاق جنودها الحضاريين الذاهبين لتحرير العراقيين من ديكتاتورية صدام حسين، ونشر الحرية الديمقراطية والحضارة في العراق، هذه الوحشية الحيوانية التي مارسها جنودها المتحضرين في "سجن أبو غريب" التي فاقت وحشية الحيوانات في غاباتها. لذلك استغل "المحافظين الجدد" بعد أن انقلبوا على أفكار الجيل الأول صدمة العالم من هول الحدث في 11 سبتمبر، لتحقيق خرافات الصهيونيةـ النصرانية لتدمير العالم. وقبل أن يفيق العالم من هذه الصدمة، استصدروا قراراً دولياً من مجلس الأمن، يسمح له بالهجوم على دولة ضعيفة لا تملك شيئاً من مقومات القوة والمواجهة للقوة الأمريكية، للقضاء على النظام السياسي فيها، وقتل وتدمير المنازل على رؤوس المدنيين...إلخ، مما ارتكبه في أفغانستان، كل ذلك من أجل إرهاب العالم، وإرساء قواعد قانون جديد يسمح للكاوبوي الأمريكي بمطاردة من يشاء، وسجنه أو قتله أو حصاره ... باسم "محاربة الإرهاب". ثم بدأ بعد ذلك يصنف الدول والمنظمات المدنية والخيرية والسياسية إلى نوعين : صديقة وحليفة، وإرهابية أو داعمة للإرهاب. وغدت تهمة الإرهاب هي سوط الغطرسة الأمريكية الذي به تفرض هيمنتها على العالم، وغدت قوائمها في تحديد الإرهابي من غير الإرهابي، هي القائمة العالمية! ومن لا تنطبق عليه شروط الإرهاب، اتهم بامتلاك أسلحة الدمار الشامل. هذا الفائض في القوة، وما تولد عنه من غطرسة في استخدام القوة، هما اللذان دفعا الولايات المتحدة إلى ممارسة هذه العربدة والإرهاب العالمي خارج إطار الشرعية والقانون الدوليين، في كثير من الأحيان، وخاصة عندما تتعارض مصالح الولايات المتحدة مع مصالح بعض الدول، أو مع الشرعية الدولية، وخاصة في وطننا. في محاولة منها لسحق الفتات العربي المتناثر الذي عجز عن استغلال الانتفاضة الجماهيرية في فلسطين، في استعادة الحد الأدنى من تماسكه والتفافه حول قضيته المركزية "فلسطين"، واستعادة بعضا من قوته، ومقاومته، لإفشال المشاريع الغربية التي تستهدف كياناته الهزيلة ـ كما حدث في خمسينات القرن الماضي ـ. مما شجع العدو الأمريكي المتصهين للإعلان عن عزمه إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، ورسم خارطة سياسية جديدة لها، والسيطرة على ثروات المنطقة كاملة، وتوفير الأمن للعدو الصهيوني، كما عبر عن ذلك مراراً كولن باول، وزير خارجية الولايات المتحدة. وهذا أيضا مما تضمنه كتاب نيكسون "الفرصة السانحة". وهكذا بدأت عملية ذر رماد النظام الإقليمي العربي مع بدء العدوان الأمريكي على العراق، وإعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أن احتلال العراق سوف يساعد في "إعادة هيكلة المنطقة بطريقة دراماتيكية من البحرين إلى موريتانيا". وأنه لن يوقف العدوان على العراق إلا بعد إزاحة نظام صدام حسين، مها طال الزمن. ومنذ بدء العدوان، وقبل أن تضع الحرب أوزارها، بدأ الإعلان الأمريكي عن قائمة الدول التالية بعد العراق في وطننا، التي عليها أن تقدم استحقاقات المرحلة الجديدة، وعلى رأسها سوريا وإيران، وبقية دول الشر التي ذكرها نيكسون في كتابه. وكذلك بدأت حملة الحرب الإعلامية الأمريكية على الدول التي اعتبرها نيكسون "معتدلة"، وأن مناهجها التعليمية المعتدلة تعيق سرعة تنفيذ السياسة الأمريكية للهيمنة على ثروات الأمة والوطن، وترفض تقبل قيم الحضارة الغربية والأمريكية خاصة، كما أن مناهجها تساعد على أن تكون هذه الدول منبع للأفكار والجماعات الإرهابية، لذلك لا بد من الضغط عليها لتتخلى عن اعتدالها، واستبدال أنظمة الحكم فيها بأنظمة تكون أكثر تقبلا لقيم الحضارة الأمريكية، وهي "مصر والسعودية". وتندرج أيضا هذه الحملة تحت ما أسماه المجرم (دونالد رامسفيلد) وزير الحرب الأمريكي بعد أحداث 11سبتمبر بضرورة شن "حرب فكرية"، لأن ما يدعيه "الإرهاب" في نظره لا يمكن هزيمته بالقوة العسكرية فقط،ولكن عبر محاولة كسب العقول والقلوب، الذي يحرم الجماعات المعادية لأمريكا بتجنيد عناصر جديدة. لذلك قبل أن يعلن الإرهابي بوش طرحه خارطة الطريق الأمريكية – الصهيونية لتسوية الصراع الصهيوني – الفلسطيني، أعلن كولن باول أنه قبل تنفيذ خارطة الطريق لابد من تنفيذ خرائط طرق في المنطقة! وإذا ما علمنا أن شرط تنفيذ خارطة الطريق في فلسطين وهدفها الرئيس هو القضاء على ما يصفه العدو الصهيوـ أمريكي "الإرهاب" يقصد به الانتفاضة والمقاومة فلسطينياً "وهو نفسه الذي طالب به نيكسون"، علمنا أن المقصود بخرائط الطرق التي لابد من تنفيذها قبل تنفيذ خارطة الطريق، هو : أن تقوم إيران وسوريا بنزع سلاح حزب الله، وطرد حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، واعتبارهما حركات إرهابية بحسب القائمة الأمريكية. وهذا ما أعلن عنه العدو الصهيوني صراحة. إلا أن العدو الأمريكي قد أفصح عنها صراحة يوم زيارة كولن باول لسوريا، حيث أعلنت مستشارة الأمن القومي الأمريكي كونداليزا رايس : على سوريا أن تلبي طلب أمريكا بحل حزب الله ونزع سلاحه. أما باول فقد رد على إعلان فاروق الشرع، وزير الخارجية السوري، عن استعداد سوريا للتفاوض مع أمريكا : إن المطالب الأمريكية لسوريا غير قابلة للتفاوض. والقصد من ذلك هو القضاء على آخر ما تبقى من قوة في الوطن والأمة، تقف عقبة في طريق تحقيق الغاية الأمريكية – الصهيونية في السيطرة على نفط وثروات وطننا، وتوفير الأمن للعدو الصهيوني. فهل تنجح "غطرسة القوة" أو "فائض القوة" في ذلك، أم تتحطم هذه الغطرسة على صخرة آخر ما تبقى في الأمة والوطن من مقاومة في فلسطين والعراق؟!. في ظل ما تقدم، إن الدارس لمفردات الخطاب السياسي الأمريكي هذه الأيام، في سعيه الحثيث لإحكام هيمنته على وطننا، وتأمين وحماية ودمج العدو الصهيوني فيه، تحت مسميات عدة آخرها مشروع الإرهابي بوش "الشرق الأوسط الكبير" أو "الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا" يجد أنها هي، هي لم تتغير، ولكن الذي تغير هو: نحن، الجماهير العربية والشعوب الإسلامية، التي أفشلت سابقا كل هذه المخططات والمشاريع بوعيها ويقظتها، أما اليوم فيبدو أنها استسلمت لعدوها وفقدت قدرتها على المقاومة والرفض. مما شجع الأنظمة الحاكمة التي كانت بالأمس تخشى من مجرد التلميح بقبول المشاريع السابق ذكرها، التي ظاهرها مصلحة الأمة والوطن، على ، القبول بها علناً اليوم باسم: الواقعية والعقلانية السياسية، لأن الزمن تغير، وموازين القوى تغيرت، وإن كان بالأمس 99% من الأوراق بيد الولايات المتحدة، فاليوم جميع الأوراق بيدها!!. إن ضعف الشارع العربي والإسلامي اليوم هو الذي جعل الإرهابي بوش رغم أنه يعيش نشوة النصر في أفغانستان والعراق بالتحديد، يقبل بنصيحة شركائه الأوروبيين بعدم فرض مشروعه "الشرق الأوسط الكبير" على الأنظمة فرضا، وأن يقبل بالتعاون مع الأنظمة الحاكمة في تنفيذ مشروعه، وإجراء الإصلاحات التي يريدها الغرب في وطننا، لأن الشارع العربي والإسلامي الذي يعول عليه بوش الأمل في إجبار الأنظمة على قبول ذلك ضعيف ولا تأثير يذكر له، وأن الأنظمة ما زالت قوية، ومن الأفضل له التعاون معها. مشروع بوش "الشرق الأوسط الكبير" تصديق لما سبق!! بعد ما تقدم نستطيع القول بكل اطمئنان أن المشروع قديمه وجديده الهدف منه استبعاد الإسلام من حياة الأمة، لأنه يمثل المقوم الوحيد في هذه الأمة القادر على الوقوف بحزم وقوة في وجهة النموذج الحضاري الغربي والأمريكي بصفة خاصة، بل وقادر على هزيمته. وليس أدل على ذلك من ارتفاع الأصوات في الغرب بعد تصاعد المقاومة في الفالوجة، وفشل القوات الأمريكية من دخولها، والاضطرار للتراجع والقبول بشروط أهل الفالوجة وأبنائهم المقاومين، هذه الأصوات التي كانت من أنصار إطلاق المشروع بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ظنا منها، أن روح المقاومة قد ماتت في الأمة، وأن النموذج الفلسطيني لن يتكرر في غير فلسطين، ولذلك فهذا الوقت هو أنسب الأوقات لتوجيه الضربة الأخيرة، والقاضية لعقيدة الأمة، بعد أن غاب عنها طابع الرفض والمقاومة. هذه الأصوات قد علت محذرة من أن المقاومة هي أخطر ما يهدد المشروع الأمريكي، ضد الأمة والوطن "الإسلام"، وأن احتمالات نجاح المشروع في ضرب عقيدة الأمة مع تصاعد المقاومة ليست كبيرة، خاصة إذا ما أصبح النموذج المقاوم في فلسطين والعراق مثل للجماهير العربية. ومشروع "الشرق الأوسط الكبير" عبارة عن مجموعة أفكار متناثرة وغير معدة، ولا يمثل خطة أو مشرعا متكاملا، أو رؤية واضحة المعالم. وقد يكون هو كذلك بالفعل لأن الإدارة الأمريكية التي تمثل أسوأ الإدارات الأمريكية غطرسة وتعصبا دينيا وعرقيا، وأكثرها تخلفا ورجعية في تعاملها مع الآخر، تفاجأت بهذا الانهيار العربي والإسلامي غير المتوقع، فأرادت أن تستغل الفرصة وتطرح مشروعها، ثم تبلوره بعد ذلك حسبما تسمح كل مرحلة من مراحل استجاب الأمة له. أو أنها أرادت استطلاع ردة فعل الأمة الرسمي والشعبي، وكذلك شريكها في العداء للإسلام "الاتحاد الأوروبي"، ومن خلال ردود الفعل والتشاور مع الشركاء تبلور خطتها المناسبة للمشروع. وهذا ما حدث من تراجع وتغيير في بعض النقاط التي طرحها بوش، خاصة حول أسلوب نشر الديمقراطية والإصلاح والتغيير، بحيث تكون من داخل دول الوطن، وليس فرضا بالقوة والإكراه من الخارج كما كان يريدها بوش. ولأن المشروع لازال مجرد أفكار متناثرة جوهره ضرب الإسلام والقضاء عليه، وما القضايا الأخرى المطروحة إلا الأدوات التي بها سيتحقق الهدف الرئيس، لذلك سوف نعرض لهذا الهدف الرئيس في المشروع، بما يتسق والسياق التاريخي الذي طرحناه من خلال تصورنا ورؤيتنا التي قدمناها للصراع مع الآخر الغربي، وسعيه لسحق النظام السياسي العربي بعد أن تم سحق النظام السياسي الإسلامي، واستبعاد علاقة الدين بالسياسة من حياة الأمة نهائيا. نقطة التحول في السياسة الأمريكية لقد كانت السياسة الأمريكية فيما قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001م لا تهتم بالأحوال الاجتماعية والاقتصادية الداخلية المتردية في وطننا، بل كانت تراها مفيدة للمصالح الأمريكية والصهيونية في وطننا، لكن بعد تلك الأحداث اكتشفت الولايات المتحدة فجأة!!! ـ لأن الحقيقة أن هذه التفجيرات جاءت لتكون بمثابة الذريعة للتحرك لتحقيق المخططات السابق ذكرها ـ أن الأفكار الراديكالية الإسلامية، هي نتيجة هذه الأوضاع المعيشية الصعبة، ونتيجة غياب الحرية والديمقراطية في وطننا، إضافة إلى أن طبيعة الدين الإسلامي تشجع على "الإرهاب" حسب تعبيرهم. لذلك رأت ضرورة التخلي عن الأنظمة الحاكمة التي دعمتها طوال العقود الماضية، وضرورة إحداث تغييرات جذرية في مناهج التربية والتعليم في مدارسنا، وفي كثير من البنى الاجتماعية والثقافية والفكرية والاقتصادية ... في مجتمعاتنا. لذلك كان الإرهابي بوش واضحا وصريحا في تقييمه لسياسة الولايات المتحدة فيما مضى،عندما قال: (إن ستين عامًا من التسامح والتفهم الغربي لغياب الحرية في الشرق الأوسط لم تفعل شئيًا لتجعلَنا أكثر أمانًا؛ لأنه- وعلى المدى الطويل- لا يمكن شراء الحرية بأي أموال)(150). وقد كان السفير ريتشارد هاس مدير قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية في خطابه الذي ألقاه في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن في4 كانون الثاني/ديسمبر 2002، أكثر وضوحا في الاعتراف بدور الولايات المتحدة في تعطيل الديموقراطية في وطننا. عندما قال: (... كما أن جهودنا الرامية إلى تشجيع الديمقراطية في العالم الإسلامي قد كانت أحيانا عرجاء وغير كاملة. الحقيقة أن الحكومات الأميركية المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، لم تجعل من الديمقراطية أولوية بشكل كاف في العديد من أجزاء العالم الإسلامي، وعلى الأخص، في العالم العربي). ويذكر المبررات التي جعلت الولايات المتحدة لا تهتم بنشر الديمقراطية في وطننا، فيقول: (في بعض الأحيان، تجنّبت الولايات المتحدة النظر بتعمّق في الأعمال الداخلية للبلدان لصالح تأمين دفق متواصل من النفط، ولكبح التوسع السوفيتي والعراقي والإيراني، وللتعامل مع القضايا المتصلة بالنزاع العربي - الإسرائيلي، ومقاومة الشيوعية في شرق آسيا، أو تأمين حق الحصول على القواعد لقواتنا العسكرية. وهكذا، ولإهمالنا تقديم المساعدة لتعزيز المسار التدريجي نحو الديمقراطية في العديد من علاقاتنا الهامة - بخلقنا ما يمكن تسميته "الاستثناء الديمقراطي" - فاتتنا فرصة مساعدة تلك البلدان لكي تصبح أكثر استقراراً، وأكثر ازدهاراً، وأكثر سلاماً، وأكثر تكيّفاً مع ضغوطات عالم في طور التعولم). والولايات المتحدة في سعيها لنشر الديمقراطية في وطننا تدرك حتمية فوز أنصار التيار الإسلامي المفترض أنهم أعداء أمريكا. وهذا ما اعترف به (هاس) في خطابه: (نحن ندرك تماماً عندما نشجع الديمقراطية، أن التحرك المفاجئ نحو الانتخابات الحرة في البلدان ذات الأكثرية الإسلامية قد يأتي بالأحزاب الإسلامية إلى الحكم. لكن السبب لا يكمن في كون الأحزاب الإسلامية تتمتع بثقة السكان الساحقة بل لأنها في الغالب المعارضة المنظمة الوحيدة للحالة الراهنة التي تجدها أعداد متزايدة من الناس غير مقبولة. بعد الذي قلته، دعونا لا نترك مجالاً لسوء الفهم: الولايات المتحدة لا تعارض الأحزاب الإسلامية تماماً كما لا تعارض الأحزاب المسيحية أو اليهودية أو الهندوسية في الديمقراطيات ذات الأسس العريضة). والسبب في عدم معارضة الولايات المتحدة فوز التيارات الإسلامية، هو قبول هذه التيارات بالتعددية الحزبية، وأن الأحزاب الإسلامية التي فازت في بعض الدول الإسلامية التي حرى فيها انتخابات نزيهة ـ على حد تعبير هاس ـ كان خطابها السياسي نحو الولايات المتحدة معتدل. كما يقول هاس: (... ونسمع أصواتاً إسلامية مشجعة تدعو إلى التعددّية والديمقراطية، بدءاً من محمد طالبي في تونس إلى نورشوليش مجيد، على مسافة نصف العالم، في إندونيسيا، البلد الإسلامي الأكثر سكاناً. تلك هي فقط بعض الأمثلة عن التّخمرّ الديمقراطي الذي يحصل في أماكن أخرى من العالم الإسلامي). لذلك هو يرفض قول الذين يقولون: (إن الديمقراطية مستحيلة في العالم الإسلامي لأنه لديه القليل من التاريخ أو التقاليد الديمقراطية. وهذا قول أرفضه أيضاً؛ ذلك أنه، حتى زمن غير بعيد، كان عند القليل من أجزاء أخرى من العالم بعض التجارب الديمقراطية. هذا الإدعاء يعكس ما وصفه الرئيس بوش بأنه "تعصب مقنع يقوم على أدنى التوقعات الممكنة")(151). كما أن بوش في خطابه في 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2003 الذي ألقاها أمام المؤسسة الوطنية للديمقراطية في واشنطن، دافع عن الدين الإسلامي والاتهامات الموجهة له من جانب بعض الغربيين بأنه يتعارض مع الحكم الديمقراطي، وشدد على أن الديانة الإسلامية "تنسجم تماما مع مبادئ الحكم الديمقراطي، واستشهد بعدد من الدول الإسلامية التي تحكمها أنظمة ديمقراطية، ومنها تركيا وإندونيسيا والسنغال والنيجر.. إن هذا الغزل الأمريكي للإسلام وعدم تعارضه مع الديموقراطية، وعدم معارضة الولايات المتحدة لفوز أحزاب إسلامية ... لم يأتي من فراغ، ولكنه جاء بعد أن أدركت الولايات المتحدة عدم قدرتها على إبعاد الإسلام عن حياة وواقع الأمة، بعد أن كشفت الانتخابات النزيهة في أربعة دول عربية وإسلامية فوز الإسلاميين فيها. لذلك كان لا بد لها أن تقبل بالإسلام ولا تستثيره في هذه المرحلة، وأن تبحث أيضا عن نموذج حكم إسلامي لا يعارض النموذج الحضاري الغربي، لتروجه نموذجا إسلاميا للحكم في الوطن العربي والإسلامي. الـترويـج للنمـوذج الـتركي أمـريكـيا لقد نشرت صحيفة الفجر التركية في 30/1/2004م خبرًا عن عرض الرئيس الأمريكي بوش لرئيس الوزراء التركي (رجب طيب أرودغان) خلال استقباله في البيت الأبيض في 28/1/2004م معالم "الشرق الأوسط الكبير"، الذي يمتد من المغرب حتى إندونيسيا، مرورًا بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز، وتقول الصحيفة: (إن بوش أراد أن تقوم تركيا بالدور المحوري في المشروع، وأن تتولى قيادة النموذج الديمقراطي في المنطقة؛ حيث إن "إسلام" تركيا معتدل، ويصلح للتطبيق في العالم الإسلامي، والذي يؤكد صدق ما نشرته الصحيفة هو أن النموذج التركي بالفعل هو الوجه المضيء بالنسبة للغرب عمومًا، فهو ملتزم بالعلمانية التي تناصب الدين العداء على طول الخط، وتحرص على ألا يكون له دور في واقع الحياة، كما أن الغرب يعد تركيا جزءًا منه، وبالتالي فهي محسوبة عليه، إضافة إلى تحالفها الوثيق مع أمريكا، ومن ثم فالنموذج التركي العلماني الليبرالي يوفر للغرب النموذج المثالي للإسلام المعتدل، وهذا يتوافق مع ما تسعى إليه أمريكا من "لبرلة" الأفكار والتصورات الإسلامية بما يتوافق مع ثقافتها ومصالحها)(152). كما صرَّح أحد أهم وأخطر المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية (ريتشارد بيرل)، والمسمى بـ"أمير الظلام" أثناء زيارة رئيس الوزراء التركي لواشنطن بأن تركيا هي (العمود الفقري للرؤية الأمريكية "للشرق الأوسط الكبير"، وتحت قيادة "أوردغان" تنظر الإدارة الأمريكية إلى تركيا على أنها قوة صادقة وقوية، وتستحقق الثناء). كما امتدح هاس النموذج التركي في خطابه الذي سبق الإشارة إليه، بقوله: (لقد عبّر عن ذلك ـ عدم تعارض الإسلام مع الديموقراطية ـ رئيس وزراء تركيا، عبد الله غول، على أحسن ما يرام، عندما قال بعد إدلاء القَسَم قبيل تسلمه منصبه: "نريد أن نثبت أن الهوية الإسلامية يمكن أن تكون ديموقراطية، ويمكن أن تكون شفافة، ويمكن أن تتماشى مع العالم المعاصر." والأميركيون على ثقة بأن الشعب التركي قادر على إثبات كل هذا ونريد أن نساعدهم في ذلك)(153). كما أن بوش في وصفه للمجتمع الديمقراطي الناجح، قال ملمحا للنموذج التركي: (إن المجتمعات الناجحة تضع حدودا لسلطة الدولة وسلطة الجيش لكي تتمكن الحكومة من الاستجابة لإرادة الشعب بدلا من الاستجابة لإرادة النخبة ليس إلا)(154). وتأكيدا من دول الثماني في قمتها في سي آيلاند في أمريكا في حزيران / يونيو 2004م، فإنه قد وقع اختيارها على الرئيس التركي (طيب رجب أردوغان)، ليتحدث للصحفيين في المؤتمر الصحفي الذي عقد في تلك القمة نيابة عن رؤساء الدول العربية والإسلامية التي دعيت لحضور المؤتمر، وقد رأى المحللين السياسيين في ذلك أنه إجماع من دول الثماني على الدور الذي ستلعبه تركيا في "الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا". فهل رحبت الولايات المتحدة بحزب العدالة مع أنه إسلامي، لأنه معتدل، أم لأنه قدم "طمأنات" (وربما تنازلات مهمة) في القضية الشائكة بين المسلمين والغرب (قضية فلسطين) |
|
|
|
|
|
#8 |
|
بقايا انسان
![]() ![]() تاريخ التسجيل: 11 / 9 / 2004
المشاركات: 392
معدل تقييم المستوى: 27 ![]() |
الانتقادات الموجهة للنموذج التركي
عقدت في الفترة من 22- 23 مارس 2004 بالقاهرة ندوة مغلقة تحت عنوان "الشرق الأوسط بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. "رؤى مصرية وتركية"، نظمها مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة مع مركز الدراسات الإستراتيجية بوزارة الخارجية التركية، وشارك فيها حشد كبير من الدبلوماسيين والباحثين والخبراء المصريين والأتراك لبحث العلاقات المصرية التركية وأثرها على أوضاع الشرق الأوسط، ورؤية كل طرف لفكرة "الشرق الوسط الكبير" الذي تسعى واشنطن لفرضها على المنطقة العربية، ومدى صلاحية النموذج التركي للتطبيق، وقد شهدت جلسات الندوة ناقشات مطولة حول مسألة ترشيح أمريكا لتركيا كنموذج علماني للتطبيق في منطقة "الشرق الأوسط الكبير"، وأبدى الجانب التركي -من خلال كلمات بعض الضيوف- انطباعات بأنهم مع الفكرة الأمريكية للتغيير والترويج لها؛ باعتبار أن نموذجهم يستجيب للفكرة الديمقراطية، ويعد تجربة مثالية لديمقراطية تفصل بين السياسة والدين. وأيدوا التغيير والإصلاح في العالم العربي، مشددين على أن النموذج التركي ليس كما هو مفهوم في العالم العربي "لا ديني" وأن العلمانية التركية يفهمها الآخرون خطأ، ولكنها نموذج ديمقراطي، وهم مسلمون مع الإصلاح، ويعتبرون الدين في القلب والعلاقة مع الله، وما عدا ذلك "إسلام سياسي" يجب تحجيم دوره. وقد طلب السفير (مورات بيلهان) التركيز على الفصل بين الجوانب الدينية البحتة المتمثلة في العلاقة بين المسلم وربه، والجوانب السياسية المتصلة بالحكم، وقال: (إن نموذجهم ليس دينيا بما فيه نموذج حكومة حزب العدالة الحالية التي أكدوا أنها ليست إسلامية، وفوزها لا يعني -كما تصور البعض- أن هناك إحياء إسلاميا في تركيا، ولكنها -كما قالوا- تسير وفق النموذج العلماني التركي، معتبرين أن مسائل مثل الحجاب واللغة العربية وغيرها لا علاقة لها بالدين، ولكنها ضمن الإسلام السياسي). أما في الجانب العربي المصري فقد عبر د.كمال المنوفي ود.نادية مصطفي عن مخاوف مثقفين مصريين من أن تمثل تركيا خطرا على العرب، وأنها تلعب دورا لصالح الغرب ضد العالم العربي، ودورا آخر معاديا للعرب من خلال التعاون العسكري مع إسرائيل، خاصة أن تركيا تعتبر العلاقات مع العرب "أداة" وليست "هدفا" في علاقاتها الكبرى مع الغرب. كما أشار المصريون إلى أن النزاع بين "النظام الشرق أوسطي" في ظل الهيمنة الأمريكية والصهيونية والشراكة الأوربية المتوسطية في ظل قيادة الاتحاد الأوربي سوف يلبس ثوبا جديدا، يعطي لكلٍ من الدورين التركي والإسرائيلي أهمية متصاعدة على حساب الدور المصري، وعلى حساب المساعي التي تبذل من أجل إعادة بناء نظام إقليمي عربي من جديد، وإنه لا يمكن استغناء تركيا عن بعض محددات سياساتها، مثل دور جيشها في تحسين علاقاتها الخاصة مع إسرائيل والغرب، ورغم ذلك فهناك مجالات للمصالح المشتركة. بل وألمحت د.نادية إلى أن هناك تخوفات من أن تستغل أمريكا كلا من تركيا ومصر أو هذا النموذج المطلوب لتحقيق أهداف أمريكية خالصة والضغط على كل بلد. حيث يمكن مستقبلا الضغط على مصر بمشكلة المياه، والضغط على تركيا بورقة حريات الأقليات مثل الأكراد؛ وهو ما اتفق معه بعض الضيوف الأتراك. ووفقا لهذه الحقائق يرى الطرف التركي أن الأفضل للمنطقة هو التوجه للإصلاح الداخلي بدلا من أن يتم فرضه عليها بالتدخل الخارجي(155). كما رأت د. نادية (أن تركيا دولة غربية وليست إسلامية، أو ربما تكون إسلامية ولكنها تواجه أزمة هوية بسبب المعوقات التي تجابهها على صعيد الامتزاج في داخل القارة الأوربية؛ الأمر الذي سيجعلها تراجع سياستها الخارجية، وتعيد النظر بشأنها. هذا يثير الشكوك حول مستقبل العلاقة مع تركيا، فهي إما أن تعتبر مصدرا للتهديد ضد المصالح العربية وضد الأمن العربي، وإما أنها تعتبر حليفة ممكنة بسبب الإرث الإسلامي الواحد الذي يجمع الأتراك والعرب)(156). ويرى الأستاذ (مصطفى محمد الطحان) أن أمريكا تفاوضت علي صناعة النموذج التركي الحالي منذ عام 1997م؛ أي قبل إسقاط حكومة (نجم الدين أربكان). ليكون جاهزا لتقديمه نموذجا للحكم في وطننا. ويقدم عدة أدلة على ما ذهب إليه، منها: طلب بوش من أردوغان بأن تصبح تركيا العمود الفقري لنشر فكرة الشرق أوسطية الجديدة في العالم الإسلامي، وأن ترسل تركيا دعاةً ووعَّاظًا إلى منطقة الشرق الأوسط يروجوا للفكرة. واستعداد حكومة أردوغان لقبول التنازل عن أراضٍ قبرص المسلمة للجانب القبرصي اليوناني المعترَف به دوليًّا؛ وهو شرط اليونان لإيجاد حلٍّ للقضية القبرصية. أضف إلى ذلك معارضة أردوغان لمبدأ إقامة "سوق إسلامية مشتركة"،الذي أعلنه في كلمته بمنتدى جدة الاقتصادي الخامس، الذي عُقد بين 17 و18 يناير 2004م- حيث رأى خطأ مفهوم إقامة سوق إسلامية مشتركة؛ حيث إن المشروعات التي تقوم على أساسٍ عرقي أو ديني أو مذهبي لا يُكتب لها النجاح، معتبِرًا في الوقت نفسه أن مثل هذه الأطروحات لا مكانَ لها في عالم التجارة في وقتٍ يتَّجه العالم فيه نحو العولمة، وفي الوقت الذي عارضت الأوساط الإسلامية التركية تصريحات "أردوغان" اعتبرها التيار العلماني رسالةً موجهة للعالم الإسلامي لحثِّه على الحداثة، والتوجُّهِ نحو ما أسمَوه "اليبرالية الدينية". كما استشهد الكاتب بما جاء في مقالٍ للكاتب الصحفي والسياسي (سليمان عارف أمره) من حركة "مللي جوروش" الإسلامي التي يتزعَّمها "نجم الدين أربكان"، جاء فيه: إن "أردوغان" يتوجه تدريجيًّا نحو التغريب والتخلص من فكره السابق؛ بمطالبته رفض السوق المشتركة الإسلامية، وأضاف: (إن تصريحات رئيس الحكومة تتعارض مع أمنيات وآمال الشعب التركي.. لو كان "أردوغان" يتخوف من الأساس الديني للسوق المشتركة ويعارضها من هذا المنطلق، تُرى هل نسي أن هناك أحزابًا في كثير من الدول الأوروبية تحمل الاسم "المسيحي"؟). وتابع سليمان قائلا: (فيما يتعلق برفضه للمشروع على أساس قومي، فإن الاتحاد الأوروبي يستند على أساس عرقي باستخدام كلمة "أوروبي"؛ فهل سيتراجع "أردوغان" عن انضمام تركيا لعضوية الاتحاد لأنه يستند لأساس عرقي؟!). صحيفة "ترجمان" العلمانية اعتبرت تصريحات "أردوغان" درسًا للعالم الإسلامي من تركيا الديمقراطية، بينما رأت صحيفة "دنيا" الاقتصادية أن ما رفضه "أردوغان" في منتدى جدة، وتصريحاته بعدم وجود صحة لفكرة مشروع إقامة سوق مشتركة بين الدول الإسلامية. يُعدُّ تطورًا في السياسة الخارجية التركية، ودعوةً للبلاد الإسلامية للاحتذاء بالنموذج التركي. من جهتها اعتبرت الكاتبة الصحفية "سيبل آرصلان" في مقال لها بصحيفة "وقت" أن الدور المعطى لأردوغان يتفق ورؤية وزير الخارجية الأمريكية السابق "هنري كيسنجر"، التي طرحها في عام 1995م، والتي تقول إن تركيا يجب أن تكون دولةً محوريةً "بالشرق الأوسط"(157). البحث عن مفاوض إسلامي "معتدل" ولأن الولايات المتحدة كما ذكرنا اكتشفت أنها لا تستطيع تجاوز التيارات الإسلامية في وطننا، لأنها مخولة بتسلم زمام الأمور في أي انتخابات نزيهة، فإنها بدأت تبحث عن مفاوض أو محاور إسلامي معتدل، بمواصفات غربية، متحررا من أي من "موروثه الديني والثقافي"، وأكثر تفهما "بمعنى ألا يربط بين التعامل مع أمريكا وموقفها من الكيان الصهيوني"، شبيه بالنموذج الإسلامي التركي. فقد أعلنت مجلة "الوطن" الكويتية عن عقد مؤتمر في الكويت في كانون الثاني/ يناير 2004م، حضره ممثلين عن أمريكا، حول (دور الجماعات الإسلامية في الإصلاح الاقتصادي في "الشرق الأوسط"). فالولايات المتحدة لا تريد أن تترك المنطقة للظروف، ولا تستطيع أن تتحمل مفاجآت من العيار الثقيل -مثل تلك التي حدثت في العراق- حين اكتشفت مؤخرا أن الإسلاميين الشيعة لهم شعبية كبيرة، ولهم تنظيم، ولهم وجهة نظر "دينية" في شكل النظام الذي يجب أن يحكم في العراق بعد زوال الاحتلال. وإذا أضفنا إلى مفاجأة العراق نتائج استطلاعات الرأي الكثيرة التي أجريت في العالم العربي -حول مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية، وحول نواياها في تحقيق ديمقراطية في المنطقة إذا ما اصطدمت نتائج هذه الديمقراطية "المفترضة" بالمصالح الأمريكية في المنطقة- فسنجد أن هناك بالفعل هاجسا لدى الأمريكيين، يدفعهم للتحرك خطوة في اتجاه الجماعات الإسلامية في المنطقة. ويبدو للبعض أن هذا التحرك -على تواضعه- هو محاولة أمريكية لفض الاشتباك بين المصالح والمعتقدات. فالولايات المتحدة الأمريكية تعرف سلفا أن هناك دورا عقائديا في الصراع؛ ولا يمكن لها مهما فعلت أن تتغلب عليه أو تحيده؛ كما أن لها مصالح لا يمكنها هي أن تتخلى عنها أو تؤجلها، أو تتركها نهبا للضياع أو المفاجآت. وعليه فلقد طرحت في المؤتمر أفكارا (صدرت عن إسلاميين) من قبيل: "لنترك خلافنا العقائدي جانبا؛ فالإسلاميون لن يتخلوا عن فلسطين، ولكن لنتباحث حول علاقات طبيعية تقوم على الاحترام المتبادل". وقد كان الأمر الأكثر خشونة في قضية التعامل مع الإسلاميين -من وجهة نظر الأمريكيين- هو قضية الأحزاب السياسية الدينية؛ فهناك خلط كبير يحتاج إلى جهود للتفريق بين الأحزاب السياسية ذات الخلفية الدينية والأحزاب الدينية، ولم ينجح الإسلاميون في فض الاشتباك، وإزالة اللبس. ويبدو أن الموقف الأمريكي الرسمي من الجماعات الإسلامية بقي "محلك سر" لحين الوصول إلى حلول وسط. وفي نفس التوقيت وبنفس اللهجة -وربما بلهجة أشد وأقسى ووفقا لمعطيات المؤتمر المشار إليه- فإن الجماعات الإسلامية لن تخطو خطوة في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، وربما بالغ البعض في موقفه العدائي منها؛ نظرا لأنه عقب المؤتمر بأيام قليلة رفض الأمريكيون رفضا قاطعا إجراء انتخابات في العراق (وهو القطر المفترض أن يكون نموذجا ديمقراطيا يحتذى لبقية الشعوب العربية). وبعد هذا الرفض تم تسريب خبر من وكالة الاستخبارات الأمريكية يقول بأن الإدارة الأمريكية لن تسمح لأي تغيير في المنطقة -وتحديدا مصر والسعودية- لأن ذلك يعني عدم استقرار المنطقة والإضرار بمصالحها(158). دمــج العــدو الصهيــوني إن محاولة دمج العدو الصهيوني في وطننا هو جزء رئيس من المخططات الغربية ضد الأمة والوطن، لذلك لم يكن بوش وإدارته في غفلة عن ذلك، وإننا نجد هذا الهدف حاضرا في كل المشاريع التي تم تقديمها. بدء من مشروع بوش في 9 أيار / مايو2002م، لإنشاء ما أسماه "منطقة للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة ودول "الشرق الأوسط" في غضون عشر سنوات. وقد رأى المراقبون لتطور الأوضاع في وطننا أن هذا المشروع يخدم العدو الصهيوني بالدرجة الأولى وعودة فكرة "الشرق الأوسطية" التي طرحها بيريز، كما يعمل على تحقيق الأهداف الأمريكية في المزيد من التفكك العربي والتبعية!. مرورا بـ"مبادرة الشراكة" التي تحدث عنها كولن باول وزير الخارجية الأمريكي في 3 نيسان / إبريل 2003م، التي حاولت فرض فكرة "الشرق أوسطية" على دول الوطن، وغني عن التذكير أن العدو الصهيوني هو الجزء الرئيس في فيها. كما حاولت المبادرة الربط بين المشاريع الاقتصادية والفوائد المادية للمبادرة وبين التعامل بين الحكومات مع العدو الصهيوني، وإلا حرمت من تلك المشاريع.! انتهاء بما جاء في خطاب بوش عن مشروعه "الشرق الأوسط الكبير"، حيث قرن بين القيام بـ (إصلاحات ضرورية كمكافحة الفساد والإرهاب، وحماية حقوق الملكية، وتحسين مناخ الاستثمار...) وبين أن تقر الدول العربية وتعترف (بحق "إسرائيل" في الوجود كدولة يهودية تعيش بسلام مع جيرانها، مع القيام بتغييرات في النظام القضائي العربي). كما حمل على الحكومات العربية والإسلامية المعادية للعدو الصهيوني، خصوصا سوريا وإيران، ـ بالإضافة إلى مصر والسعودية ـ الذي اعتبرته الكاتبة "مته جوندوغان" في صحيفة "مللي غازتة" دعوة لإقامة "إسرائيل الكبرى"، فكتبت: (إن طرح أمريكا لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" في هذا الوقت بالذات- بينما تضغط على سوريا وإيران- يعني طرحًا لمشروع دولة "إسرائيل الكبرى)(159). ولا يستبعد المحللين أن يكون "اللوبي اليهودي الأمريكي" هو الذي يقف وراء تلك الدعوة التي يهاجم فيها بوش الحكومات العربية، التي تعادي العدو الصهيوني، رغم حاجة الإدارة الأمريكية لهذه الحكومات في مواجهة من يصفونهم بـ"الإرهابيين". وإن كان المحافظون الجدد "النصارى الصهاينة"، ليسوا في حاجة لمن يحرضهم على القيام بأعمال لخدمة العدو الصهيوني. وقد أثارت ساسة المحافظين الجدد حفيظة كثير من الأمريكيين من جميع شرائح المجتمع الأمريكي، مما دفع البعض منهم لفضح حقيقتهم. فقد كتب الكاتب الأمريكي (بات نيوكانن) تحت عنوان "حرب من؟" بمجلة "المحافظة" الأمريكية في 24/3/2003م، والتي يقول فيها عنهم: (نحن نتهم عصابة من المسئولين بأنهم يسعون لتوريط الولايات المتحدة في سلسلة من الحروب، لا تخدم المصالح الأمريكية، نتهمهم بأنهم يتعاونون مع الكيان الصهيوني لإشعال هذه الحروب، وتدمير اتفاقات "أوسلو"، ونتهمهم بأنهم يسعون عمدًا لتدمير علاقات الولايات المتحدة مع كل دولة في العالم العربي تحاول أن تتحدى الكيان الصهيوني أو تؤيد حق الشعب الفلسطيني في وطن قومي)(160). كما كشف الجنرال الأمريكي المتقاعد (أنتوني زيني) مؤخرا: أن الإدارة الأمريكية ممثلة في المحافظين الجدد، ومعظمهم يهود صهاينة، أقدمت على احتلال العراق لضمان مصالح الكيان الصهيوني وإزالة التهديد العراقي للكيان من المنطقة لضمان تفوق استراتيجي مستقبلي على الدول العربية والمنطقة، في محاولة لإجراء تغييرات جيوبوليتيكية في "الشرق الأوسط" يكون الكيان مركزه، بما يخدم الكيان والمصالح الأمريكية)(وكالات الأنباء). مــن هــم الإرهـــابيــــون؟! بقي أن نعرض لمفهوم السلام في التوراة، لنؤكد على كذبة الإرهابي جورج بوش الابن الذي جعل محور مشروعه "الشرق الأوسط الكبير" هو: محاربة ما يدعيه "الإرهاب الإسلامي" !!. وذلك من خلال تغيير مناهج القرآن الكريم والتربية الإسلامية والتاريخ وغيرها من المناهج المدرسية، التي تلعب دورا كبيرا في الحفاظ على بعض ما تبقى من ثوابت دينية تمنع المسلم من الانهيار أمام مظاهر الحضارة الغربية، ويبقى محافظا على الحد الأدنى من العداء للغرب والعدو الصهيوني. وفرض مناهج جديدة عليها معدة في أمريكا!!. لأنه إن كان هناك إرهاب أو إرهابيين، أو مناهج دراسية يجب أن تحارب وتتغير، أو دين يجب أن يهذب ويحذف منه شيء، فهي: "التوراة اليهودية"، ومن يؤمنون بها وبخرافاتها، التي تتعارض مع كل بديهيات العلم، وكل قيم الرسالات السماوية، والقيم الإنسانية الدينية والوضعية. لأنه إن كان هناك بعض أعمال للمقاومة التي تتبنى الإسلام منهجا لها، وتقوم بها ردا على الجرائم الأمريكية والصهيونية في وطننا، قد يرى فيها البعض أنها تتنافى مع قيم ديننا الإسلامي الحنيف، فهي ليست أصل في الدين الإسلامي. ولكنها ردة فعل على جرائم العدو الصهيوـ أمريكي التي ترفضها كل القيم والأعراف الدولية والإنسانية، وتخالف مواد وقوانين ومعاهدات جينيف والأمم المتحدة المختلفة لحقوق الإنسان في كل الظروف. وتنطبق عليها قوانين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وتمارسها وتطبقها يوميا في فلسطين والعراق وغيرهما. وذلك من منطلقات دينية، وتعتبر عند المؤمنين بتلك الخرافات أعمال تعبدية، ويتقربون بها إلى إلههم الخاص. لذلك سنعرض للأصول الدينية لهذه الممارسات الصهيو ـ أمريكية التي تمارس يوميا في فلسطين والعراق وغيرهما من دول العالم التي تصل إليها الأيدي الصهيوني أو الأمريكية. الســلام في التــوراة اليهــوديـة قليل من العرب والمسلمين خاصة دعاة فصل الدين عن السياسة المؤمنين حقاً بالسلام مع اليهود، يروّجون لإمكانية نجاح ذلك تحت مبررات كثيرة يظنون أنها مقنعة ولن أقول أنهم أنفسهم يعلمون أنها غير صحيحة ولكن هناك دوافع مختلفة ومتفاوتة بين هؤلاء ليتظاهروا بأنهم يدافعون عن ذلك بقناعة تامة. قليل من هؤلاء من يعرف : (أن اليهودية شرع يحكم أفعال اليهودي منذ استيقاظه حتى نومه، ومن ميلاده حتى وفاته)(161). من هنا، علينا أن نتعرف إلى مفهوم السلام في الشريعة التوراتية التي تحكم أفعال أتباعها من مولدهم إلى مماتهم(162): (أولاً) عدم الصلح : المبدأ الأساسي في التوراة هو عدم الصلح، فقد جاء في سفر الخروج الإصحاح (34) النصوص من (12 إلى 15) : (إياك أن تعقد معاهدة مع سكان الأرض التي أنت ماضٍ إليها لئلا يكونوا شركا لكم. بل اهدموا مذابحهم، واكسروا أنصابهم، واقطعوا أشجارهم المقدسة. إياكم أن تعبدوا إلهاً آخر غيري، لأن الرب اسمه غيور جداً) وهذا معناه رفض مبدأ السلام من أصله خاصة مع أصحاب الأرض المجاورة التي وعدهم بها الرب "فلسطين الحالية" ممّا يعني فقدان الثقة في هذا السلام الزائف من البداية. وهذا ما أكّدته مسيرة ما يسمى بالعملية السلمية وقطعت الأحداث الأخيرة الشك باليقين في ذلك، وأصبح واضحاً أن إمكانية السلام الآمن والعادل لنا لن يكون يوماً في عقد صلح مع يهود. (ثانياً) القتل والإبسال والتدمير : أما بعد احتلال الأرض فإن الأوامر الإلهية واضحة وشديدة الصرامة في القتل والإبسال والتدمير، فقد جاء في سفر التثنية، الإصحاح (7) النصوص من (1 إلى 5) : (ومتى أدخلكم الرب إلهكم إلى الأرض التي أنتم ماضون إليها لترثوها، وطرد من أمامكم سبع أمم، أكثر وأعظم منكم ... وأسلمهم الرب إليكم وهزمتموهم، فإنكم تحرمونهم – تقتلونهم – لا تقطعوا لهم عهداً، ولا ترفقوا بهم ... اهدموا مذابحهم وحطّموا أصنامهم وقطّعوا سواريهم وأحرقوا تماثيلهم). ويضيف في نفس الإصحاح مؤكداً على ضرورة القتل دون شفقة أو رأفة لأنهم شعب مقدس وخاص للرب اختارهم من بين كل شعوب الأرض لينفذوا أوامره ويطيعوا وصاياه التي هي : (وتستأصلون جميع الشعوب الذين يسلمهم الرب إليكم، فلا تشفقوا عليهم ولا تعيدوا آلهتهم لأن ذلك شرك لكم) – النص 16- فالأوامر الإلهية نحو سكان الأرض المحتلة هو القتل. (ثالثاً) الهدف من القتل : ويوضح الرب لشعبه المقدس الهدف من وراء هذه الأوامر والوصايا المشددة بضرورة القتل ووجوب عدم الإبقاء على أحد وذلك في سفر العدد الإصحاح (33). النص (55). (ولكن إن لم تطردوا أهل الأرض من أمامكم، يصبح الباقون منهم أشواكاً في عيونكم، ومناخس في جنوبكم، ويضايقونكم في الأرض التي أنتم مقيمون فيها) إن الرب لا يريد لشعبه المقدس المختار للسيادة من بين شعوب الأرض من يزعجه ويقلق راحته ولذلك لا بد من قتلهم والتخلص منهم. (رابعاً) الويل لمن يرفض أوامره : أما في حال عدم تنفيذ الشعب المقدس لأوامر الرب "يهوه" بالقتل والحرق والتدمير فالويل له لأنه سيكون عقابهم قاسي جداً فما كان سيفعله الرب في "الجوييم" – الأمم الأخرى غير اليهود – من قتل وإبسال فإنه سيفعله بهم – شعبه المقدس – جاء في سفر العدد الإصحاح (33) النص (56). (عندئذ أنزل بكم ما أنا مزمع أن أنزله بهم" وفي سفر التثنية، الإصحاح (8) النص (20) يتوعدهم : "كالأمم التي يبيدها الرب من أمامكم هكذا أنتم أيضاً تبيدون، لأنكم لم تطيعوا أمر الرب إلهكم). ما سبق تؤيده فتاوى حاخاماتهم اليوم، التي تدعو إلى قتل العرب بدون رحمة ولا تمييز، ومن يملك الرفض وتوراتهم تتوعدهم بالقتل لكل من يعصي أو يرفض تنفيذ حكم الحاخام كما جاء في سفر التثنية، الإصحاح (17) النص (12) : (ومن يرفض متمرداً تنفيذ حكم الكاهن الماثل هناك لخدمة الرب إلهكم، أو القاضي، فإنه يقتل. وبذلك يستأصل الشر من إسرائيل. فيشيع الخبر بين جميع الشعب فيخافون ولا يتمردون بعد). وبعد : هل نعجب للمذابح والمجازر وعمليات الإبادة التي تقوم بها (إسرائيل) في فلسطين ولبنان؟! (خامساً) شرائع الحصار : أما شرائع حصار وفتح المدن والصلح معها فله حكمان وهما : الأول: خاص بمدن أرض الميعاد "فلسطين" فقد جاء في سفر التثنية الإصحاح (20) النص (16، 17) ما يؤكد أوامر الرب بتدميرها : (أما مدن الشعب التي يهبها الرب إلهكم لكم ميراثاً، فلا تستبقوا منها نسمة حية، بل دمروها عن بكرة أبيها). أما من بقي منهم في فلسطين ولم يستأصل – يقتل – فأوامر الرب توصي بالطرد التدريجي بعد أن يستغلوا كالعبيد في أعمال السخرة وكالخدم في تهيئة الأرض والبلاد لراحة شعبه المقدس وبعد ذلك يتم التخلص منهم كما جاء في سفر التثنية، الإصحاح (7) النص (22، 23) : (غير أن الرب إلهكم سيطرد تلك الأمم من أمامكم تدريجياً، لئلا تتكاثر عليكم وحوش البريّة إن أسرعتم بالقضاء عليهم دفعة واحدة. إن الرب إلهكم يسلمهم إليكم موقعاً بهم الاضطراب العظيم حتى ينقرضوا) وهذه هي السياسة التي رسمها مؤسس الصهيونية الحديثة (ثيودور هرتزل) فقد كتب في يومياته : (إذا رحلنا إلى منطقة فيها من الحيوانات ما ليس اليهود متعودين عليه كالأفاعي الكبيرة وغيرها، سأستخدم أهل البلاد ـ فبل أن أعطيهم أعمالا في البلاد المجاورة ـ ليقضوا على مثل هذه الحيوانات، وأعطي لهم جوائز كبيرة لمن يأتي بجلود الأفاعي وبيضها)(163). الثاني : خاص بمدن الأرض البعيدة. أي ما هو خارج أو محيط بأراضي فلسطين وهذه حكمها في سفر التثنية الإصحاح (20) النصوص من (10 إلى 15) : (وحين تتقدموا لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولاً. فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيداً لكم). أما إذا رفضت الصلح : (فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة من أسلاب، فاغنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا) – فلسطين -. وهذا ما يفسر لنا التسابق المحموم بالترغيب والترهيب والإكراه أو الرضا نحو إقامة " الشرق الأوسط الكبير، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. (سادساً) الاندماج والتطبيع الثقافي : أما حكم الاندماج والتطبيع الثقافي وغيره من مخالطة الأمم الأخرى من غير اليهود بعد السلام، وما يمكن أن ينقله اليهود عن الشعوب الأخرى فقد جاء تحذير ووعيد من الرب "يهوه" لشعبه المختار منها. ما جاء في سفر التثنية الإصحاح (8) النص (19) بعد أن يذكرهم أنه هو الذي منحهم القوة والثروة يحذرهم من الهلاك : (أما إن نسيتم الرب إلهكم، وغويتم وراء آلهة أخرى وعبدتموها وسجدتم لها، فإنني أشهد عليكم أنكم لا محالة هالكون). أما في حال الاندماج فإن سفر يشوع. الإصحاح (23) النص (12، 13) يتوعدهم : (ولكن إذا ارتددتم والتصقتم ببقية هذه الأمم الماكثين معكم، وصاهرتموهم واختلطتم بهم وهم بكم. فاعلموا يقيناً أن الرب لا يعود يطرد تلك الأمم من أمامكم، فيصبحوا لكم شركاً وفخاً وسوطاً ينهال على ظهوركم، وشوكاً في أعناقكم حتى تنقرضوا من الأرض الصالحة التي وهبها لكم الرب إلهكم). أما حكم من يدعو إلى ذلك من اليهود فهو القتل، كما جاء في سفر التثنية، الإصحاح (13) النصوص من (6 إلى 10) : (وإذا أضلك سراً أخوك ابن أمك، أو ابنك أو ابنتك، أو زوجتك المحبوبة، أو صديقك الحميم قائلاً : "لنذهب ونعبد آلهة أخرى غريبة عنك وعن أبائك من آلهة الشعوب الأخرى المحيطة بك أو البعيدة عنك من أقصى الأرض إلى أقصاها"، فلا تستجب له ولا تصغ إليه، ولا تشفق قلبك عليه، ولا تترأف به، ولا تتستر عليه بل حتماً تقتله، كن أنت أول قاتليه ثم يعقبك بقية الشعب، ارجمه بالحجارة حتى يموت). ولمعرفة ما فعله أنبياء توراتهم بعد العودة من السبي البابلي بمن اختلط بالشعوب الكنعانية آنذاك يراجع سفر (عزرا) و(نحميا). ولا يسعنا إلا أن نختم بقول (البشير الإبراهيمي) : (وهل يلام العرب بعد هذا – والمسلمون من ورائهم – إذا اعتقدوا أنها حرب صليبية بعض أسلحتها اليهود وأنها ممالأة مكشوفة من الدينين الصالب والمصلوب على الإسلام. وكلمة اللنبي في القدس رنينها مجلجلاً في الآذان وصداها متجاوباً في الأذهان)(164). المــــــراجـــــــــع (1) رسالة الثقلين، مجلة فصلية إسلامية تصدر عن المجمع العائلي العالمي لأهل البيت، السنة الأولى، العدد الثاني، ربيع الثاني ـ جماد الثاني 1413 ه ـ 1992م، ص 209 . (2) العالم الإسلامي والنظام الدولي، مجموعة من الكتاب، (وليد نويهض: "العالم الإسلامي ومقاومة الاستبداد الدولي")، مركز دراسات العالم الإسلامي، سلسلة الدراسات الإستراتيجية (8)، الطبعة الأولى 1992، ص 45، هامش رقم (9). (3) فهمي هويدي: جريدة الأهرام القاهرية، بتاريخ 22/3/1988، ص9 . (4) وليد نويهض، مرجع سابق، لمزيد من ص 57 ـ 65 . (5) جلال العالم: قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام وأبيدوا أهله، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، 1986، ص 56 ، 57. (6) بسام العسلي: فن الحرب الإسلامي في العهد العثماني، المجلد الخامس، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ص 378. (7) نفس المرجع. (8) رفيق شاكر النتشة: السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين، مطابع الشرق الأوسط، الرياض، 1406ه ـ 1985م، الطبعة الثالثة، ص 66. (9) عبد الوهاب الكيالي "دكتور": تاريخ فلسطين الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981م، الطبعة الثامنة، ص 25 ، 26. (10) القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني: مجموعة من الكتاب (مروان بحيري "دكتور"، الحركة الصهيونية منذ نشأتها حتى نشوب الحرب العالمية الأولى)، اتحاد الجامعات العربية، الجزء الأول، ص 175. (11) أحمد سوسة "دكتور": العرب واليهود في التاريخ، العربي للإعلان والنشر والطباعة والتوزيع، دمشق، الطبعة الثامنة، ص 727. (12) حسان علي الحلاق "دكتور": دور اليهود والقوى الدولية في خلع السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش (1908 ـ 1909)، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، ص 228. (13) نفس المرجع. (14) أحمد سوسة: مرجع سابق، ص 728ز (15) ملف وثائق فلسطين: الجزء الأول 637 ـ 1949، وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات ، القاهرة، 1969, ص 153. (16) حسان علي الحلاق: مرجع سابق، ص 229. (17) عاطف الغمري: "من يتطوع لإنقاذ إسرائيل"، جريدة الأهرام القاهرية، عدد يوم الأربعاء بتاريخ 29/1/1992. ولطفي الخولي: عرب؟ نعم. وشرق أوسطيون أيضا، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1415ه ـ 1994م، الطبعة الأولى، ص62. (18) موسوعة السياسة: عبد الوهاب الكيالي"دكتور" وأخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الجزء الثالث، الطبعة الأولى،1983، ص456. (19) لطفي الخولي، مرجع سابق، ص62. (20) المرجع السابق، ص63. (21) توجهات أمريكية تجاه الشرق الأوسط، إعداد وتحرير جواد الحمد، الترجمة محمود الخطيب، مراجعة الترجمة دكتور شحدة فارع، مركز دراسات الشرق الأوسط، تقارير (15)، عمان، نوفمبر 1995، ص 49 ، 50. (22) يوسف صايغ: "منظور الشرق الأوسط ودلالاته العربية"، المستقبل العربي "مجلة" ، السنة 17، العدد 192، (شباط ـ فبراير 1995)، ص 5. (23) نيفين عبد الخالق مصطفى: "المشروع الشرق أوسطي والمستقبل العربي"، المستقبل العربي "مجلة" ، السنة 17، العدد 193، (آذار ـ مارس 1995)، ص 12. شيمون بيريز: الشرق الأوسط الجديد، ترجمة محمد حلمي عبد الخالق، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان ، 1994، ص 100 ، 106. (24) لطفي الخولي: مرجع سابق، ص 71. (25) مجـدي ريــاض الشرق الأوسط: من الاستعمار التقليدي إلى التعريف الأمريكي إخوان أون لاين . 17/04/2004. (26) القضية الفلسطينية: مرجع سابق، ص 264. (27) يوسف عماد وأروى الصباغ: مستقبل السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط، مركز دراسات الشرق الأوسط، دراسات 17، عمان، الطبعة الأولى، يناير 1996، ص28. (28) القضية الفلسطينية: مرجع سابق، ص263. (29) فلاح خالد علي "دكتور": فلسطين والانتداب البريطاني 1939 ـ 1948، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1980م ـ 1400ه ، ص 5. (30) توجهات أمريكية تجاه الشرق الأوسط: مرجع سابق، ص 40. (31) النشرة الشهرية لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوبك): السنة 22، العدد (2)، كانون الأول / ديسمبر 1996. تصدر عن إدارة الإعلام والمكتبة، دولة الكويت. (32) الدليل الإحصائي العالمي للنفط والمعادن لعام 1989، إصدار الإدارة الاقتصادية والبحوث، الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية، الدمام، المملكة العربية السعودية، إعداد قسم الدراسات الاقتصادية والصناعية، معهد البحوث، جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، الظهران، المملكة العربية السعودية، ص 22 ، 23. (33) منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول: تقرير الأمين العام السنوي السابع عشر، 1410/1411ه ـ 1990، القاهرة، 1991، ص 52 ، 53. (34) المرجع السابق، ص 56. (35) التقرير الاقتصادي العربي الموحد: سبتمبر (أيلول) 1995، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، الصندوق العربي للاتحاد الاقتصادي والاجتماعي، صندوق النقد العربي، منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، ص 65. (36) المرجع السابق، ص66. (37) المرجع السابق، ص 66 ، 67. (38) المرجع السابق، ص 67. (39) مستقبل السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص 29. (40) توجهات أمريكية تجاه الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص 40 44. (41) الإستراتيجية الأمريكية في الشق العربي: كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، شركة الطبع والشر الأصلية، 1968، ص 29. (42) يوسف صايغ، المستقبل العربي"مجلة"، مرجع سابق، ص 7 . (43) التقرير الاقتصادي العربي الموحد، مرجع سابق، ص 2. (44) الكتاب السنوي للإحصاءات الزراعية العربية، مجلد رقم (15)، جامعة الدول العربية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، الخرطوم، ديسمبر 1995، ص 5. (45) المرجع السابق، ص 8. (46) المجموعة الإحصائية لدول الوطن العربي 1980 ـ 1993، جامعة الدول العربية، الأمانة العامة، الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية، إدارة الإحصاء، العدد الرابع، 1994، القاهرة، المعادي، مطابع جامعة الدول العربية، ص 10. (47) العالم الإسلامي والنظام الدولي، (نبيا زكي: "خريطة عالمية سياسة جديدة")، مرجع سابق، ص 15. (48) المرجع السابق، ص 14. (49) مستقبل السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص 221. (50) محمد جمال عرفة: الشرق أوسطية.. مسمار بوش في المنطقة العربية! الشراكة الأمريكية مع العرب لصالح شارون، إسلام أن لاين،12/05/2003. (51) الانعكاسات السياسية لاتفاق الحكم الذاتي الفلسطيني "غزة ـ أريحا أولا"، عماد يوسف وآخرون، مركز دراسات الشرق الأوسط، دراسات (9)، دار البشير للنشر والتوزيع، عمان، يناير 1995، هامش ص 138. شؤون عربية "مجلة"، العدد 067)، أيلول / سبتمبر 1991، ص 51. (52) الصهيونية بلا قناع: إيفان دونيف، ترجمة فرات الجوهري، دار الفارابي، بيروت، تموز 1974، ص 228. (53) المرجع السابق، ص 228 ، 229. (54) المرجع السابق، ص 229. (55) الاقتصاد السياسي لإسرائيل: فؤاد مرسي "دكتور"، دار الوحدة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1403ه ـ 1983م، ص 28. (56) مخططات إسرائيل الاقتصادية في ضوء معاهدات الصلح المنفرد: إعداد سمير جبور، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، سلسلة كتب تسجيلية رقم (8)، الطبعة الأولى، 1980، ص 11. (57) المرجع السابق، ص 40. (58) المرجع السابق، ص 50 ، 51. نقلا عن "دافار" صحيفة صهيونية، بتاريخ 21 / 11 / 1977. (59) المرجع السابق، ص 127. نقلا عن " معاريف" صحيفة صهيونية، بتاريخ 19 / 10 / 1978. (60) المرجع السابق، ص 41. نقلا عن "دافار" صحيفة صهيونية، بتاريخ 4/ 4/ 1972. (61) المرجع السابق، ص 50. نقلا عن "معاريف" صحيفة صهيونية، بتاريخ 6 / 6 / 1979. (62) مستقبل السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص 34. (63) بشير نافع "دكتور"، "ملاحظات أولية على اتفاق غزة ـ أريحا"، قراءات سياسية "مجلة"، مركز دراسات العالم الإسلامي والعالم، السنة الرابعة، العدد (1)، شتاء 1994، ص 97. (64) شيمون بيريز: الشرق ا؟لأوسط الجديد، ترجمة دار الجليل، دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، عمان، الطبعة الأولى 1994، ص 79. (65) مستقبل السياسات، مرجع سابق، ص221 ، 222. (66) حمزة الأمين باعو: "دراسة عن مؤتمر القمة الاقتصادية حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، وزارة الخارجية السودانية، الإدارة العربية، ص 5. (67) ماجد كيالي: "النظام الدولي الإقليمي في الشرق الأوسط"، الفكر الإستراتيجي العربي "مجلة"، معهد الإنماء العربي، بيروت، العدد (41)، تموز 1992، ص 86. (68) وكالات الأنباء، 21 ، 22 / 6 / 2003. (69) كادمي كوهين: "دولة إسرائيل"، منشورات فلسطين المحتلة، الطبعة الأولى 1401ه ـ 1981م. (70) بداية المؤامرة: اتحاد طلبة فلسطين، الكويت،1985، ص 7. (71) إسماعيل الكيلاني: الخلفية التوراتية للموقف الأمريكي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية 1415ه ـ 1994م، من مفكرة فلسطين، ص 98. (72) المرجع السابق، ص 41. (73) شبلي العيسمي: عروبة الإسلام وعالميته، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية 1985، ص 9. (74) الأهرام القاهرية "صحيفة يومية"، مقال للأستاذ (فهمي هويدي) بتاريخ 9 / 12 / 1987. (75) المرجع السابق. (76) الخلفية التوراتية، مرجع سابق، ص 248. (77) الشرق الأوسط الجديد، مرجع سابق، ص 79 ، 80. (78) الخلفية التوراتية، مرجع سابق، هامش رقم (1)، ص 201. (79) المرجع السابق، ص 196 ، 197. (80) عبد الوهاب زيتون: يهودية أم صهيونية؟ أحداث ووقائع، دار الأصالة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1411ه ـ 1991م، ص119. (81) القضية الفلسطينية، مرجع سابق، ص 170. (82) رويجينا الشريف: الصهيونية غير اليهودية جذورها في التاريخ الغربي، ترجمة: أحمد عبد الله عبد العزيز، كتاب عالم المعرفة (96)، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، مطابع الرسالة، الكويت، 1982،ص 39. (83) المرجع السابق، ص 269. (84) المرجع السابق، ص19. (85) الخلفية التوراتية، مرجع سابق، ص 25 ، 26. (86) المرجع السابق، ص 166. (87) صالح مسعود أبو يصير: جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، رسالة ماجستير، بيروت، دار الفتح، القاهرة، 1970، ص 282. (88) الخلفية التوراتية، مرجع سابق، ص 166 ، 167. (89) محمد محمد دهان "المدير العام بالأزهر الشريف سابقا": قوى الشر المتحالفة "الاستشراق، التبشير، الاستعمار" وموقفها من الإسلام، نحو عقلية إسلامية واعية (5)، الفاء للطباعة والنشر، المنصورة، الطبعة الثانية 1408ه ـ 1988م، ص 48. (90) مصطفى الخالدي "دكتور"، عمر فروخ "دكتور": التبشير والاستعمار في البلاد العربية، المكتبة العصرية، بيروت، صيدا، الطبعة الخامسة 1972، 117. (91) المرجع السابق نفسه. (92) ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية، مرجع سابق، ص 190. (93) المرجع السابق، ص 191. (94) قيس مراد قدري: الصهيونية وأثرها على السياسة الأمريكية،1939 ـ 1948، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، الطبعة الأولى 1402ه ـ 1982م، ص 43. (95) أحمد عنان: فلسطين في المنظور الإسلامي،دار البيارق للطباعة والنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 1407ه ـ 1987م، 102. (96) ريجينا الشريف،: مرجع سابق، ص 192. (97) إسماعيل الكيلاني: مرجع سابق، ص 171. (98) توفيق أبو بكر: الولايات المتحدة الأمريكية والصراع العربي الصهيوني، دار السلال للطباعة والنشر، الكويت، الطبعة الثانية 1407ه ـ 1987م، ص16. (99) عبد الوهاب زيتون: مرجع سابق، ص 145. (100) المرجع السابق، ص146. (101) إسماعيل الكيلاني، مرجع سابق، ص 171. (102) ميشيل كامل: أمريكا والشرق العربي، القاهرة، وزارة الثقافة المصرية، دار الكاتب الغربي، ص 8. (103) توفيق أبو بكر: مرجع سابق، ص 78. (104) المرجع السابق، ص 83. (105) سامي حكيم: أمريكا والصهيونية، المكتبة الانجلو مصرية، القاهرة، 1976، ص 67. (106) توفيق أبو بكر: مرجع سابق، ص 68. (107) عارف العارف: النكبة "نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947 ـ 1952"، الجزء الأول، منشورات المكتبة العصرية للطباعة والنشر، صيدا بيروت، ص 62 ، 63. (108) محمد حسنين هيكل: الانفجار 1967 "حرب الثلاثين سنة"، مركز الأهرام للترجمة والنشر، مؤسسة الأهرام، القاهرة، الطبعة الأولى 1411ه ـ 1990م، ص 14. (109) محمد شديد: "سياسة أمريكا إزاء الفلسطينيين"، شؤون فلسطينية "مجلة شهرية"، (العدد 74 / 75 يناير/ فبراير 1978)، يصدرها مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، بيروت. ص 34. (110) توفيق أبو بكر: مرجع سابق، ص 40. (111) إسماعيل الكيلاني: مرجع سابق، ص 193. (112) توفيق أبو بكر: مرجع سابق، ص53. (113) إسماعيل صبري مقلد "دكتور": الصراع الأمريكي السوفيتي حول الشرق الأوسط الأبعاد الإقليمية والدولية، دار ذات السلاسل للطباعة والنشر والتوزيع، الكويت، 1406ه ـ 1986م، ص 34. (114) المرجع السابق نفسه. (115) المرجع السابق، ص 38. (116) أسامة القفاش "دكتور": أمريكا وسياسة تغيير الحكومات "ريجان.. تجسيد سياسة رعاة البقر"، إسلام أون لاين ،07/07/2002. (117) للمزيد يراجع: إسماعيل صبري مقلد، مرجع سابق، من ص 43 إلى 54. (118) للمزيد يراجع إسماعيل مقلد , ص 62 إلى ص 114. وتوفيق أبو بكر، ص 90 إلى ص 97. (119) إسماعيل صبري مقلد: مرجع سابق، ص 82 ، 83. (120) توفيق أبو بكر: مرجع سابق، ص 90. وللمزيد يراجع مقلد، من ص 1151 وما بعدها. (121) المرجع السابق، ص 106. (122) الصهيونية بلا قناع: إيفان دونيف، مرجع سابق، ص 86. (123) يوسف الصباغ: مستقبل السياسات، مرجع سابق، ص50 ، 51. (124) المرجع السابق، ص 51. (125) الإستراتيجية الأمريكية في الشق العربي: ص 100. (126) لورانس العرب على خطى هرتزل: زهدي الفاتح، دار النفائس ، بيروت، الطبعة الثانية 1400ه ـ 1980م، ص 39 . (127) لواء/ دكتور زكريا حسين: " من وثائق الكونجرس.. خطة احتلال منابع النفط" إسلام أون لاين، بتاريخ 7/2/2001. (128) عوني فرسخ: (جامعة الدول العربية و"الشرق الأوسط الكبير")، المركز الفلسطيني للإعلام. (129) شبلي العيسمي: عروبة الإسلام وعالميته، مرجع سابق، ص 10. (130) حسن علي مصطفى: اليهود هم العدو فأحذرهم، سلسلة أعرف عدوك (1)، دار الشهاب، باتنة، الجزائر، ص 62. (131) زهدي الفاتح: لورنس على خطى هرتزل، مرجع سابق، ص 9. (132) إسماعيل الكيلاني: مرجع سابق، ص 196، هامش رقم (1). (133) أحمد ثابت "دكتور": "الشرق الأوسط الكبير"، إسلام أون لاين، بتاريخ4/ 3/ 2004. (134) شيمون بيريز: الشرق الأوسط الجديد، مرجع سابق، ص 82 ، 83. (135) مستقبل السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص 31. (136) المرجع السابق، ص 221 ، 222. (137) نبيل شبيب - بون "الإسلام عدو بديل".. هدف ثابت وصياغات متغيرة! إسلام أون لاين، 12/01/2001م). (138) مستقبل السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص 226. (139) زهدي الفاتح: لورنس على خطى هرتزل، مرجع سابق، ص 36. (140) الدكتور سعادة عبد الرحيم خليل :"الاستراتيجية الأمريكية ومبادرة الشرق الأوسط الكبير"، إخوان أون لاين، الثلاثاء 9 آذار 2004. (141) توجهات أمريكية تجاه الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص 98 ، 62. (142) المرجع السابق، يراجع من ص 27 إلى ص 71. (143) للمزيد يراجع :الحسيني سليمان جاد "دكتور": وثيقة مؤتمر السكان والتنمية رؤية شرعية، كتاب الأمة (سلسلة دورية تصدر كل شهرين عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ قطر)، العدد (53) جمادي الأولى 1417ه ـ أيلول / سبتمبر و تشرين الأول / أكتوبر، السنة السادسة عشرة. (144) جريدة الخليج "يومية"، ص 17، العدد 8300، الجمعة 25 ذي القعدة 1422ه ـ الموافق 8 فبراير 2002م. و بريد التواصل almohayd@hotmail.com، منقول من كتاب ( عاصمة الكراهية في العالم.. حكاية للذكرى ) لمصطفى محمود. (145) محمد أبو القاسم حاج حمد: العالمية الإسلامية الثانية، دار المسيرة، 1399ه، ص 125. (146) فيصل القاسم: "الاتجاه المعاكس"، قناة الجزيرة، بتاريخ 2 / 12 / 2003، الضيوف: الملا كريكار و طلاح عيسى. (147) محمد حيدر: "أمريكا في فلسفتها البعدية: القبض على العالم أو الإضمحلال ؟!"، صحيفة "الانتقاد" اللبنانية، الجمعة 2 /5 / 2003 م. (148) المرجع السابق. (149) المرجع السابق. (150) محمد جمال عرفة: ماذا وراء "وصفة بوش" الديمقراطية للعرب؟! إسلام أون لاين، القاهرة 11/11/2003. (151) من خطاب السفير ريتشارد هاس مدير قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية القي في مجلس العلاقات الخارجية واشنطن، العاصمة 4 كانون الثاني/ديسمبر، 2002 إسلام أون لاين. (152) أبو كريم "الشرق الأوسط الكبير ديمقراطية على أسنة الرماح"، إخوان أون لاين 06/03/2004. (153) المرجع السابق. (154) محمد جمال عرفة: ماذا وراء "وصفة بوش" الديمقراطية للعرب؟!، إسلام أون لاين .القاهرة، 11/11/2003. (155) محمد جمال عرفة: مصر وتركيا و"الشرق الأوسط الكبير"كيف يرى المصريون والأتراك "الشرق الأوسط الكبير"؟، إسلام أون لاين .القاهرة، 30/03/2004. (156) نادية مصطفى "دكتورة": الدور المصري والتركي في ظلال "الشرق الأوسط الكبير"، ترجمة: شيرين حامد فهمي، محررة صفحة الشئون السياسية بـ"إسلام أون لاين.نت"30/03/2004 . (157) مصطفى محمد الطحان: دور تركيا في مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، إخوان أون لاين، 11/3 / 2004. (158) حمزة زوبع "دكتور": أمريكا تبحث عن شريك إسلامي "مودرن"، إسلام أون لاين، بتاريخ 13/01/2004. (159) مصطفى محمد الطحان: دور تركيا في مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، إخوان أون لاين، 11/3 / 2004. (160) محمد جمال عرفة: "الشراكة الأمريكية مع العرب لصالح شارون"، إسلام أون لاين، بتاريخ 12/05/2003. (161) عادل المعلم: لماذا لا تحبوننا ثرثرة مع يهود، مكتبة الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى سبتمبر 1995، ص61. (162) الكتاب المقدس "العهد القديم والعهد الجديد": تم جمعه في جي. سي. سنتر، مصر الجديدة، القاهرة، الطبعة الرابعة 1988. (163) يوميات هرتزل: إعداد أنيس صايغ، ترجمة هيلدا شعبان صايغ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، مركز الأبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، الطبعة الثانية 1973، بيروت، ص 78. (164) صالح مسعود أبو يصير: جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، مرجع سابق، ص278. |
|
|
|
|
|
#9 |
|
عضو منتظم
![]() تاريخ التسجيل: 6 / 8 / 2009
الدولة: قصر الحب
الجنس:
![]()
المشاركات: 141
معدل تقييم المستوى: 66 ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
ربي يعطيك العافية على الموضوع القيم
جزاك الله كل خير |
|
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| مدينة نابلس وقراها | soom | مدن وقرى ومخيمات فلسطين | 24 | 09-11-2009 02:32 AM |
| عقبة العراق في مشروع الشرق الأوسط الكبير | ابن فتح | اخبار العراق والاخبار العربية والدولية | 1 | 06-08-2009 07:53 PM |
| الصارم المسلول لمن يطعن فى صحابة الرسول | محمد | واحة ابو بكر الصّدّيق رضي الله عنه لشؤون اسلامية عامة | 30 | 06-05-2008 12:14 PM |